صباح نعوش

اتفاق توافقي
وثائق المساهمات العربية
النفط وصراع المصالح

تهتم البلدان العربية بتقليص انبعاث غازات الدفيئة، لكنها تقف على الصعيد الدولي ضد الإجراءات البيئية التي تتعارض مع مصالحها الاقتصادية.

اتفاق توافقي
انعقد الشهر الجاري مؤتمر باريس للمناخ. شاركت فيه 195 دولة وتمخض عنه اتفاق دولي بشأن التغيير المناخي الذي يعتبر نقطة تحول جوهرية في المسار البيئي العالمي.

لكنه لا يعبر عن جميع الطموحات. فالدول الصناعية لا ترى فيه إجراءات كافية وفاعلة. وتعتقد البلدان النامية -بما فيها العربية- بأن الحد من الاحتباس الحراري لا يعنيها بقدر ما يعني الدول الصناعية. كما تتطلب التنمية الاقتصادية لهذه البلدان المزيد من الطاقة. وأما الدول النفطية -بخاصة دول الخليج- فتفضل عدم وجود مثل هذا الاتفاق.

وهكذا صدر عن المؤتمر اتفاق لم يصوّت عليه بأغلبية المشاركين فيه بل قرر بالتوافق. إنه يحقق بالدرجة الأولى مصالح الدول الصناعية الكبرى.

صدر عن المؤتمر اتفاق لم يصوت عليه بأغلبية المشاركين فيه، بل قرر بالتوافق. إنه يحقق بالدرجة الأولى مصالح الدول الصناعية الكبرى

وعلى كل دولة مشاركة في مؤتمر باريس تحضير وثيقة "المساهمات الوطنية المعتزمة والمحددة" تطبيقا لمقتضيات اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيير المناخ. ويمكن للدول النامية الحصول على مساعدات مالية دولية لبلوغ أهدافها وتنفيذ التزاماتها البيئية الواردة في وثائقها. وحدد الاتفاق حجم هذه المساعدات بمئة مليار دولار سنويا، ويشرف عليها "الصندوق الأخضر للمناخ" التابع للأمم المتحدة.

مبدئيا ينحصر التمويل بالدول الصناعية، ولكن تحت وطأة الأزمات المالية وبحجة مساهمة الجميع في مواجهة الاحتباس الحراري، أثيرت في مؤتمر باريس إمكانية مساهمة بعض البلدان النامية في هذا التمويل. ويتعلق الأمر بالدرجة الأولى بمنطقة الخليج، لا سيما السعودية البلد العضو في مجموعة العشرين.

وعند الرجوع إلى وثائق مساهمات الأقطار الخليجية لا نجد موافقة على المشاركة في هذا التمويل، لأن مثل هذه المشاركة غير منطقية. فهل يعقل أن تدفع دولة نفطية مساعدات مالية لدول أخرى لتشجيعها على خفض استهلاك واستيراد الوقود؟ إذ هل توافق الدول الصناعية على منح مساعدات لدول أفريقية لحثها على عدم شراء السلاح منها؟

لم تكتف الدول العربية النفطية -بما فيها السعودية- بعدم موافقتها على تمويل ذلك الصندوق، بل طالبت بصورة واضحة وصريحة بضرورة حصولها على مساعدات فنية ومالية لتنفيذ برامجها البيئية.

ولم ينص اتفاق باريس على أهم نقطة وهي تحديد سعر الكربون، أي فرض مبلغ معين من المال على الصعيد الدولي يدفع عن كل طن من الكربون، سواء عن طريق النظام الضريبي أو عن طريق نظام حصص الكربون. والسبب في هذا الوضع لا يعود إلى معارضة الدول النفطية فحسب بل كذلك الدول النامية والصين والهند.

إن عدم النص على سعر الكربون في الاتفاق يعني افتقاره لآلية فاعلة لتنظيم انبعاث الغازات وخفضه. ويبدو أن الدول النفطية كانت مستعدة للتخلي عن جميع مطالبها باستثناء عدم تحديد سعر الكربون.

وثائق المساهمات العربية
يستهلك العالم العربي طاقة ينبعث عنها نحو ثمانمئة مليون طن من الكربون في السنة، أي 2.26% من الانبعاث العالمي.

ففي تونس يبلغ نفث الكربون 22 مليون طن في السنة، أي 0.06% من الانبعاث العالمي. وتقدر حصة الفرد التونسي بطنين في السنة وهي قريبة من المعدل العربي.

وتتضمن الوثيقة التونسية هدفا طموحا جدا، فقد حددت خفض الكربون بنسبة 41% بحلول عام 2030 قياسا بالعام 2010، وينقسم إلى تقليص غير مشروط قدره 13% يعتمد على القدرات الوطنية الفنية والمالية التي تتطلب رصد 1.7 مليار دولار، وتقليص مشروط قدره 28% يعتمد على المساعدات المالية والتكنولوجية الدولية التي تستوجب اعتمادات قيمتها 15.8 مليار دولار.

يستهلك العالم العربي طاقة ينبعث عنها نحو ثمانمئة مليون طن من الكربون في السنة أي 2.26% من الانبعاث العالمي

ويستهلك الأردن طاقة ينبعث عنها 16 مليون طن من الكربون في السنة أي 0.04% من الانبعاث العالمي. ويتضح من الوثيقة الأردنية أن مساهمة البلد في خفض الغازات متواضعة مقارنة بتونس، إذ لا تتجاوز 14% بحلول عام 2030. كما تبين أن البلد غير قادر على بذل جهود مهمة إلا إذا قدمت له مساعدات دولية، إذ إن إسهامه غير المشروط لا يزيد على 1.5%.

أما السعودية فلها عدة خصوصيات. إنها أكبر بلد مستهلك للطاقة في العالم العربي، وينجم عن هذا الاستهلاك 490 مليون طن من الكربون في السنة أي أكثر من نصف انبعاث الكربون العربي و1.28% من الانبعاث العالمي. ويصل نصيب الفرد السعودي إلى 16.6 طنا في السنة، أي نحو ثمانية أضعاف المعدل العربي وضعف المعدل الصيني.

وافقت السعودية على بذل الجهود لتخفيض 130 مليون طن من الكربون بحلول عام 2030 أي بنسبة 26%. لكن الوثيقة تعلق تحقيق هذا الهدف على النمو الاقتصادي وعلى المساهمة الفاعلة للإيرادات النفطية في الأنشطة الاقتصادية، وألا يكون تنفيذ هذا التخفيض عبئا غير طبيعي على اقتصاد البلد.

على الصعيد العملي سوف تعيق هذه المعايير تقليص انبعاث الكربون، لكنها تنسجم تماما مع الاتفاقية الإطارية السابقة الذكر.

وقد فشل المفاوضون السعوديون -رغم جهودهم الحثيثة وتحالفهم مع مفاوضين آخرين- في التأثير على اتفاق باريس من عدة جوانب، فالسعودية لا توافق على تحديد سقف لحرارة الأرض، في حين نص الاتفاق على 1.5 درجة مئوية، كما وقفت ضد مراجعة التزامات الدول الواردة في وثائقها، في حين نص الاتفاق على مراجعة دورية كل خمس سنوات.

وأما الكويت فلها خصوصياتها كذلك، فهي تستهلك طاقة ينتج عنها ستون مليون طن من الكربون في السنة، أي 0.17% من الانبعاث العالمي. وعلى عكس الوثائق الأخرى لم نجد في الوثيقة الكويتية نصا لمساهمة محددة بخفض الغازات، كما تستشهد الوثيقة بتقرير صادر عن سكرتارية منظمة أوبك يؤكد على تضرر مصالح الأقطار النفطية من جراء الإجراءات التي تتخذها الدول الصناعية للحد من التلوث والاحتباس الحراري.

النفط وصراع المصالح
لا شك أن حصة الفرد من انبعاث الكربون مرتفعة جدا في جميع دول مجلس التعاون الخليجي، لكن استهلاكها الكلي للوقود الأحفوري لا يشكل سوى نسبة ضئيلة من الاستهلاك العالمي. فلا تزيد غازات الدفيئة الناجمة عن هذا الاستهلاك على 2% من الانبعاث العالمي مقابل 15% في الولايات المتحدة و29% في الصين.

من الخطأ الاعتقاد بأن الغلبة في الدول الصناعية للاعتبارات البيئية، فعلى سبيل المثال لا تسري ضريبة الكربون في دول الاتحاد الأوروبي على شركاتها الكبرى

كما أن الدول العربية النفطية نامية وبالتالي فإن مساهمتها في تقليص انبعاث الغازات يجب ألا تقف حجر عثرة أمام تنميتها الاقتصادية.

هنالك بلا شك صراع حاد في المصالح بين الدول الصناعية والدول العربية النفطية فيما يخص علاقة النفط بالمالية والبيئة. فالدول العربية النفطية مصدرة للخام. إنها تستغل قسطا من ثروتها الطبيعية لإشباع حاجاتها المحلية والقيام ببرامجها التنموية. كما تعتمد اعتمادا أساسيا على حصيلة صادراتها النفطية من الزاويتين التجارية والمالية، الأمر الذي ينعكس مباشرة وبصورة كبيرة على موازينها الخارجية وميزانياتها العامة. لذلك تقتضي مصالحها زيادة الاستهلاك والتصدير.

أما الدول الصناعية فهي عادة غير منتجة بل مستوردة للنفط. كما أن قدرتها التكنولوجية الحالية والمستقبلية كفيلة بالحد من الاستهلاك وبالتالي تقليص الاستيراد دون أن تتأثر اقتصادياتها سلبيا. ويسهم هذا التقليص في دعم موازينها التجارية والمحافظة على سلامة البيئة. وهكذا تصطدم المصالح الاقتصادية للدول الصناعية مع المصالح الاقتصادية للبلدان النفطية.

إن موقف الدول العربية النفطية غير الداعم للإجراءات البيئية يجب أن يفسر على أساس الدفاع عن مصالحها الاقتصادية ولا يعني عدم اكتراثها بالاعتبارات البيئية.

ومن الخطأ الاعتقاد بأن الغلبة في الدول الصناعية لهذه الاعتبارات، فعلى سبيل المثال لا تسري ضريبة الكربون في دول الاتحاد الأوروبي على شركاتها الكبرى رغم كونها المساهم الأكبر في التلوث والاحتباس الحراري. وسبب إعفائها الضريبي تجاري بحت وهو الحفاظ على قدرتها التنافسية.

وعلى الرغم من أن اتفاق باريس لا يحقق طموحات جميع الدول العربية، فإن من الضروري بذل قصارى الجهود وبخاصة في منطقة الخليج للحفاظ على سلامة البيئة. كما يتعين أن يكون هذا الاتفاق دافعا لتطوير الصناعات التحويلية وتنويع مصادر الدخل القومي.
-
باحث اقتصادي عراقي

المصدر : الجزيرة