عمر أبو خليل-ريف اللاذقية

"كل راتبي لا يشتري سترة لابنتي الجامعية تقيها برد الشتاء، فكيف لي أن أشتري لأولادي الثلاثة المتبقين؟ ومن أين نأكل ونشرب حتى موعد الراتب القادم؟"، هكذا عبر أبو مجدي من سكان مدينة جبلة غربي سوريا بطريقة غير مباشرة عن أثر هبوط قيمة الليرة السورية على قدرته الشرائية.

ولم ينس أبو مجدي التذكير بأن راتبه بعد عشرين سنة من الخدمة في مؤسسة الكهرباء لا يتجاوز 25 ألف ليرة (62 دولارا)، مؤكدا أنه لا يكيفه لأكثر من نصف الشهر، وأنه لولا عمله الإضافي في التمديدات المنزلية الكهربائية ما كان ليستطيع توفير طعام أسرته ومستلزماتها الأساسية.

وشهدت العملة السورية هبوطا إضافيا في الأيام الأخيرة، فقد سجلت سعر صرف بلغ أربعمئة ليرة مقابل الدولار، وهو أدنى مستوى لها على الإطلاق، وكان الدولار الواحد يعادل خمسين ليرة قبل بداية الثورة السورية.

ويؤكد اقتصاديون أن التراجع الحالي لليرة سيؤثر سلبا على الحياة المعيشية للمواطنين في مناطق سيطرة النظام السوري، نظرا لثبات دخلهم وارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية بشكل واضح في مقابل خسارة العملة مزيدا من قيمتها.

ومن اللافت -بحسب اقتصاديين- أن الأسعار التي كانت ترتفع مع كل هبوط لقيمة الليرة، لم تكن تتراجع مع استعادتها عافيتها أحيانا، وهذا مما جعل توفير الاحتياجات الأساسية أمرا صعبا لذوي الدخل المحدود.

أسباب عدة
ويرجع الصحفي المختص في الشأن الاقتصادي عدنان عبد الرزاق تراجع سعر صرف الليرة لأسباب تتعلق بتوقف البنك المركزي عن ضخ سيولة دولارية في السوق، وزيادة ضخ كتل نقدية سورية دون أن يقابل ذلك أي زيادة في النشاط الاقتصادي.

موظف في المركزي السوري يعرض ورقة نقدية جديدة من فئة ألف ليرة أصدرها البنك قبل أشهر (الأوروبية)

ويشير عبد الرزاق في حديثه للجزيرة نت إلى أن تبديد الاحتياطي النقدي المقدر بنحو 18 مليار دولار قبل الثورة، وتراجع الصادرات والتحويلات النقدية الخارجية، وتعطل عجلة الإنتاج الصناعي والزراعي؛ كل ذلك أسهم أيضا في انخفاض قيمة الليرة إلى هذا المستوى غير المسبوق.

وبحسب المتحدث نفسه فإن تراجع الليرة يعزى أيضا إلى أسباب نفسية "تتعلق بعدم تحقيق التدخل الروسي أي نتائج على الأرض، مما أفقد المكتنزين والمدخرين الثقة بالعملة السورية، فضلا عن أسباب أخرى تتعلق بتراجع وتقهقر جيش الأسد شمال ووسط سوريا".

ويرى عبد الرازق أن ذلك سيزيد فقر السوريين حيث لم تعد قيمة راتب الفرد منهم قادرة على تغطية نفقاته الشهرية.

ارتفاع الأسعار
وسجلت أسعار المواد -لا سيما الغذائية- ارتفاعا واضحا عقب الانخفاض الأخير لليرة، إذ زاد سعر الكيلوغرام الواحد من الدجاج بمقدار 25% ليصل إلى ثمانمئة ليرة (دولاران)، كما ارتفعت أسعار الخضروات بالنسبة نفسها تقريبا، وهذا ما بات يهدد لقمة عيش السوريين، خاصة ذوي الدخل المحدود.

ويروي الناشط الإعلامي محمد الساحلي كيف أن سيدة وقفت عند مدخل سوق الخضار في اللاذقية ترفع كيسا مليئا بالأعشاب، وصرخت بصوت عال "هذا طعام أطفالي للأسبوع القادم فيما يسرق مسؤولو النظام وضباطه أموال الشعب ويعيشون في القصور".

وأشار الساحلي إلى أن ارتفاع الأسعار الذي رافق الهبوط الأخير لليرة تسبب بحالة من التذمر والغضب ظهرت علنية في الأسواق والمؤسسات الرسمية وعلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي.

ويرى نائب رئيس مجلس إدارة المنتدى الاقتصادي السوري تمام بارودي، أن التدخل العسكري لروسيا في سوريا دفعها لوقف دعمها لاقتصاد النظام، وهو ما أسفر عن هبوط قيمة الليرة وقدرتها الشرائية، ورجح أن تتراجع أكثر مع زيادة الأعباء المالية للضربات الروسية.

وقال بارودي إن المواطن السوري هو من سيتحمل عبء تراجع قيمة الليرة بسبب فرض النظام أنواع جديدة ومبتكرة من الضرائب تنهك كاهله، والمضاربة بصفقات من البنك المركزي بالدولار لتحقيق مكاسب مالية.

المصدر : الجزيرة