عبد الجليل البخاري-ميامي

رغم أن النقاش الأزلي بين أجيال اللاجئين الكوبيين القدماء في ميامي ينصب حول معارضة نظام الرئيس السابق فيدل كاسترو، والذي مكنهم من الاستفادة من قوانين أميركية استثنائية منذ عام 1964 في مجال الهجرة فإن عودة العلاقات الدبلوماسية الأميركية الكوبية أثارت تخوفا من أن "حرب السيجار" قد تفرض نفسها على مستقبل هذه الصناعة الكوبية بالمدينة وجنوب أميركا.

ولا تخفي وسائل الإعلام المحلية في مدينة ميامي تخوفها من "تأثير سلبي" لرفع الحظر الأميركي على كوبا على قطاع صناعة السيجار في المدينة إلى درجة أن حذرت صحيفة "ميامي نيوز تايمز" من أن ذلك "يمكن أن يجهز على صناعة السيجار الكوبي بميامي".

في الوقت نفسه، توقع المسؤول بشركة "هابانوس للسيجار" جورج لويس فيرنانديث مايك أن تستحوذ كوبا على حوالي 30% من السوق الأميركي للسيجار بعد أن حققت مبيعات بقيمة 439 مليون دولار في 150 دولة العام الماضي.

يتضح لزائر ميامي- خصوصا في منطقة "هافانا الصغيرة" مركز تجمع الكوبيين الذين يفوق عددهم 1.5 مليون نسمة في أميركا- أن الموضوع يشكل أمرا حيويا باعتبار أن مصانع وورشات إنتاج وكذلك محلات بيع السيجار الكوبي تشكل أحد روافد القوة الاقتصادية والسياسية للكوبيين سواء اللاجئين القدماء أو من الجيل الجديد.   

ومع ذلك قلل خوليو جورج -صاحب أحد تلك المحلات المنحدر من أصل كوبي- من أي تأثير سلبي محتمل لدخول السيجار المنتج في كوبا إلى سوق المنافسة بالولايات المتحدة.

وعزا ذلك في تصريح للجزيرة نت إلى وجود مصالح اقتصادية واستثمارات ضخمة لهذا القطاع في أميركا.

أسواق كبيرة
وأضاف أن القطاع في ميامي يضم أسواقا داخلية أميركية كبيرة، كما يقوم بالتصدير إلى عدد من البلدان، من بينها الصين وبلدان أوروبية "رغم المكانة التي يحظى بها السيجار المصنع داخل كوبا".

وأقر جورج بأن أفضل نبتة للتبغ الخاص بالسيجار تزرع في كوبا. وأشار إلى أن السيجار المصنع في ميامي يعتمد على نبتة تبغ مستوردة من نيكارغوا تنتج منها مصانعه أنواعا فاخرة، من بينها "كوهيبا" و"روميو وجولييت" و"مونت كريستو"، وتعتمد على يد عاملة وحرفية كوبية قدم أغلبها كلاجئين إلى ولاية فلوريدا.

ولاحظت الجزيرة نت خلال جولة في شوارع "هافانا الصغيرة" بمدينة ميامي أن هناك طقوسا خاصة من قبل الكوبيين في تدخين السيجار تتمثل أساسا في ارتباطه بشرب القهوة الكوبية المعروفة عالميا بـ"كورتادا" ومناقشة مواضيع متنوعة، كما يتم الترويج له من قبل عدة محلات بتنظيم حفلات مفتوحة للعموم كل أسبوعين لتذوق أنواع مختلفة منه مجانا.

أسعار السيجار تختلف باختلاف الجودة (الجزيرة نت)

ويعتبر عدد من الكوبيين أن السيجار رمز للقوة والتميز الاجتماعي، ويستدلون على ذلك بولع العديد من الرؤساء والشخصيات السياسية البارزة بتدخينه.

في هذا الإطار، لم يأبه عدد منهم التقتهم الجزيرة نت في محلات خاصة بشارع أوتشو بالتخوفات من تأثر السيجار الكوبي المصنع في ميامي سلبيا في حالة فتح الباب لاستيراد نظيره من كوبا، قائلين إن "من يعشق تدخين السيجار هنا لن يتخلى عنه".

أسعار متفاوتة
في المقابل، يلاحظ العديد من المتتبعين في ميامي باستغراب أن الكثير من السياسيين الأميركيين الذين يؤيدون فرض حظر على استيراد السيجار المنتج في كوبا هم أكثر الشخصيات الشغوفة بتدخينه واقتنائه من السوق السوداء، خصوصا من نوع " كوهيبا" الذي يتراوح ثمنه عادة بين عشرة وثلاثمئة دولار، بينما يصل أحيانا في بعض الأنواع إلى خمسة آلاف دولار.

وارتباطا بذلك عزا ريتشارد سالازر -مسؤول بيع في محل لصنع السيجار بميامي- اختلاف الأسعار إلى اختلاف الجودة وإلى كيفية تقييم الشخص المستهلك للسيجار المعروض.

وقال سالازار للجزيرة نت إن المستهلكين ينتمون إلى شرائح اجتماعية مختلفة، متوقعا بدوره عدم وجود تأثير سلبي مستقبلا على صناعة السيجار في ميامي بسبب الإقبال الكبير عليه، سواء من الكوبيين أو الأميركيين أو السياح الأوروبيين، مضيفا أن الأجيال الجديدة من الشباب تقبل بدورها على استهلاكه.

في هذا الإطار، كشف للجزيرة نت مانويل مدينا -وهو أحد كبار حرفيي صناعة السيجار الكوبي في ميامي والذي قدم لاجئا من كوبا- أن السر في إنتاج جيد هو أن يكون التبغ من نوع جيد والتلفيف بتقنيات خاصة، مضيفا أن الإتقان في المهنة يتطلب خبرة تتراوح بين عشرة و15 عاما.

فهل يصمد تفاؤل المنتجين من كوبيي أميركا في وقت تفيد تقارير دولية بأن السيجار قد يرفع مستقبلا -إلى جانب بضائع أخرى- قيمة التجارة السنوية بين واشنطن وهافانا إلى 12 مليار دولار؟

 

المصدر : الجزيرة