جيتا جوبيناي

قرار مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي) بتأخير رفع أسعار الفائدة يرجع جزئياً إلى حقيقة مفادها أن صناع السياسات في الولايات المتحدة يتوقعون أن يتسبب ارتفاع قيمة الدولار، من خلال خفض أسعار الواردات، في تقويض قدرتهم على تلبية هدف التضخم بنسبة 2%.

وبرغم أن تحركات العملة من الممكن أن تخلف في واقع الأمر تأثيراً كبيراً على التضخم في بلدان أخرى، فإن تحركات الدولار نادراً ما خلفت تأثيراً ملموساً أو دائماً على الأسعار بالولايات المتحدة.

ويكمن الفارق بطبيعة الحال في الدور المهيمن الذي يلعبه الدولار في تحرير فواتير التجارة الدولية: حيث يجري تحديد الأسعار بالدولار.

الهيمنة التجارية للدولار
تأثر الدول الناشئة

الهيمنة التجارية للدولار
وكما يعمل الدولار غالباً كوحدة حسابية لعقود الدين، حتى عندما لا يكون المقترض ولا المقرض كياناً أميركيا، فإن حصة الدولار في تحرير فواتير التجارة الدولية تعادل نحو 4.5 أمثال حصة أميركا بالواردات العالمية، وثلاثة أمثال حصتها بالصادرات العالمية. ويجري تحديد أسعار 93% من الواردات الأميركية بالدولار.

وفي هذه البيئة، يُعَد مرور تحركات الدولار إلى أسعار الواردات الأميركية غير الوقود واحداً من أدنى المستويات بالعالم، سواء في الأمد القريب (ربع سنة واحد) والأمد الأبعد (في غضون عامين)وذلك لثلاثة أسباب رئيسية: فأولا، يجري التفاوض على عقود التجارة الدولية بشكل غير منتظم، وهذا يعني "ثبات" أسعار الدولار لفترة ممتدة -نحو عشرة أشهر- برغم التقلبات بأسعار الصرف.

يُعَد مرور تحركات الدولار إلى أسعار الواردات الأميركية غير الوقود واحداً من أدنى المستويات بالعالم، سواء في الأمد القريب (ربع سنة واحد) والأمد الأبعد (في غضون عامين)

وثانيا، لأن أغلب المصدرين يستوردون أيضاً مدخلات وسيطة يتم تسعيرها بالدولار، فإن تقلبات أسعار الصرف تؤثر بشكل محدود على تكاليف هذه المدخلات، وبالتالي على الحوافز التي قد تدفعهم إلى تغيير أسعار الدولار.

وثالثا، يختار المصدرون الذين يرغبون في الحفاظ على حصتهم بالأسواق العالمية -حيث الأسعار مقومة بالدولار إلى حد كبير- الإبقاء على استقرار أسعار الدولار لتجنب الوقوع ضحية لتحركات أسعار الصرف الشاذة.

الواقع أن التأثير الضئيل الذي تخلفه صدمات أسعار الواردات على التضخم بالولايات المتحدة عابر إلى حد كبير، مع تلاشي القسم الأكبر من التأثير تدريجياً بعد ربعين فقط من العام.

فعلى سبيل المثال، من شأن الارتفاع الحاد بنسبة 10% في قيمة الدولار أن يؤدي إلى خفض تضخم أسعار الواردات غير الوقود بنسبة 4.4% بشكل تراكمي على مدار ربعين تاليين إلى ثلاثة أرباع، ولكنه لن يخلف تأثيراً يُذكَر على التضخم بعد تلك النقطة.

وإذا وضعنا في الاعتبار الإنفاق على السلع الاستهلاكية بالواردات، فإن ذلك الارتفاع بنسبة 10% كفيل بخفض التضخم، إذا قيس على مؤشر أسعار المستهلك، بنحو 0.5 من النقطة المئوية فقط بالربعين الأولين. ومن المرجح أن يكون هذا هو الحد الأعلى، لأنه يفترض أن تجار التجزئة الأميركيين سوف يمررون كامل مبلغ أي زيادة بأسعار الواردات عبر المستهلكين.

ومن المرجح في الممارسة العملية أن يميلوا إلى زيادة أسعار التجزئة وخفض تكاليف المرور. وتُعَد أسعار المرور المقدرة للسلع المصنعة المستوردة، والتي تمثل بشكل أفضل كل ما يدخل في حزمة الاستهلاك، أدنى حتى من مثيلاتها لكل الواردات من غير الوقود.  

تأثر الدول الناشئة
ورغم أن هذه العوامل تعمل على عزل الولايات المتحدة عن الضغوط التضخمية الناجمة عن تقلبات أسعار الصرف، فإنها تزيد من تعرض بلدان أخرى للخطر، وخاصة بلدان الاقتصادات الناشئة.

ولأن أسعار الدولار لأغلب واردات هذه البلدان ليست متجاوبة للغاية مع تحركات أسعار الصرف، فإن مرور هذه التحركات إلى أسعار الواردات المقومة بعملاتها المحلية يقرب من 100%.

وبالتالي فإن تأثير تحركات أسعار الصرف على التضخم في أغلب البلدان أكبر بنحو ثلاث إلى أربع مرات من تأثيرها بالولايات المتحدة.

فانخفاض قيمة الليرة التركية بنسبة 10% على سبيل المثال من شأنه أن يرفع تضخم مؤشر أسعار المستهلك التراكمية بنحو 1.65 إلى 2.03 نقطة مئوية على مدار عامين، إذا تساوت كل العوامل الأخرى.

ارتفاع قيمة الدولار لن يؤدي لانخفاض التضخم، أو على الأقل ليس بأي قدر يُذكَر، وبالتالي فإن زيادة قوة الدولار ليست سبباً مشروعاً لتأخير تطبيع أسعار الفائدة الأميركية

وعلى الرغم من هذا الخلل فإن هيمنة الدولار الأميركي باعتباره عملة لتحرير الفواتير من غير المرجح أن تتغير في أي وقت قريب، خاصة وأن التحول يتطلب التنسيق بين عدد ضخم من المصدرين والموردين بمختلف أنحاء العالم.

وربما يبدو اليورو منافساً قويا، نظراً لحجم التجارة بين بلدان منطقة اليورو. ولكن خارج أوروبا، لا تستخدم عملة اليورو على نطاق واسع بقدر ما يستخدم الدولار.

ويعتمد مجلس الاحتياطي الاتحادي إلى حد كبير على ضَعف التضخم، والأسباب التي تدعم هذا الضعف على المستوى العالمي عندما يقرر متى ينبغي له أن يبدأ تطبيع أسعار الفائدة.

لكن برغم أن بعض التطورات العالمية -وخاصة هبوط أسعار السلع الأساسية، وربما أيضاً تباطؤ النمو بالاقتصادات الناشئة، وارتفاع التقلبات المالية- ربما تدفع التضخم إلى الانخفاض حقا، فإن ارتفاع قيمة الدولار لن يؤدي إلى انخفاض التضخم، أو على الأقل ليس بأي قدر يُذكَر.

وبالتالي، فإن زيادة قوة الدولار ليست سبباً مشروعاً لتأخير تطبيع أسعار الفائدة الأميركية.
ـــــــــــــــ
أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، باحثة زائرة لدى بنك الاحتياطي الفدرالي في بوسطن، باحثة مشاركة لدى المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية، حاصلة على لقب الزعيمة العالمية للشباب من المنتدى الاقتصادي العالمي.

المصدر : بروجيكت سينديكيت