صباح نعوش

المفاوضات التجارية الأوروبية الخليجية
مؤتمر باريس وسعر الكربون
فاعلية نظام الحصص وضريبة الكربون
تفاعل الضريبة مع الحصص
تباين أعباء الشركات وفقا للنظامين

يتعين على من يسهم بتلوث البيئة دفع ضريبة تتناسب مع حجم مساهمته. ورغم هذه البديهية، يكاد يقتصر تطبيق ضريبة الكربون على بعض الدول الأوروبية، إذ ما يزال انتشارها على الصعيد العالمي بعيد المنال لأنه يصطدم بالمصالح الاقتصادية.

لم يكن تطبيق ضريبة الكربون في الدول الأوروبية أمرا هينا من النواحي السياسية والاقتصادية والقانونية، وهذا يفسر حداثتها. فقد تبنتها ألمانيا عام 1999 وبريطانيا عام 2001 وفرنسا في العام المنصرم، وكان الأوروبيون يرون فيها عاملا لتراجع القدرة التنافسية لشركاتهم.

كما تسهم الضريبة في انتقال المشاريع إلى دول أخرى خالية من هذه الضريبة، وبالتالي لا تستطيع الضريبة بلوغ هدفها في الحد من انبعاث الغازات، بل تؤدي إلى تحويل هذا الانبعاث من دولة إلى أخرى (ظاهرة هروب الكربون)، ناهيك عن التداعيات الاقتصادية السلبية، وفي مقدمتها ارتفاع البطالة وتراجع الاستثمار، وهبوط إيرادات الميزانية العامة.

لذلك أصر الأوروبيون طيلة العقود السابقة على ضرورة تطبيق ضريبة الكربون من لدن جميع الدول، وعلقوا تبنيها على هذا التطبيق الشامل. لكن البلدان الأخرى لم ترفض فقط هذه الضريبة، بل سعت أيضا إلى العكس تماما، فقد قدمت دعما لصناعاتها التحويلية عن طريق نظام ازدواجية أسعار الطاقة.

الأوروبيون أصروا طيلة العقود السابقة على ضرورة تطبيق ضريبة الكربون من لدن جميع الدول، وعلقوا تبنيها على هذا التطبيق الشامل، لكن البلدان الأخرى لم ترفض فقط هذه الضريبة، بل تسعى أيضا إلى العكس تماما

مفاوضات أوروبية خليجية
وقد سجلت مفاوضات التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي معارضة الجانب الأوروبي لهذه الازدواجية التي تتمتع بها أهم الصناعات الخليجية، وهي البتروكيميائيات والألمنيوم. أضف إلى ذلك أن البلدان النامية كانت ترى أن التلوث البيئي لا يعنيها، بل يعني الدول الصناعية والناشئة.

وهكذا فشل الأوروبيون في حث غيرهم على تطبيق ضريبة الكربون، لكن خطورة أزمة التلوث البيئي والتقلبات المناخية العالمية وكذلك الاعتبارات الاقتصادية، دفعتهم إلى تغيير موقفهم.

ففي العام 2003 طبق الاتحاد الأوروبي نظام حصص الكربون، وفرضت دوله الكبرى ضريبة الكربون. كما أجرى تعديلا على رسومه الجمركية فأصبحت أسعارها مرتفعة على السلع المستوردة من دول لا تحدد سعرا للكربون.

بطبيعة الحال، أثار هذا التغيير استياء البلدان النامية المصدرة التي لم تستطع حمل الاتحاد على إلغاء هذه الرسوم المرتفعة، وعندئذ تضررت هذه البلدان من الزاويتين التجارية والمالية، وباتت مصالحها تتطلب إعادة النظر في موقفها الرافض لضريبة الكربون.

سيهتم مؤتمر باريس حول المناخ الذي سيعقد نهاية الشهر الجاري بهذه الضريبة اهتماما كبيرا، خاصة بعد أن صرح صندوق النقد الدولي في أكتوبر/تشرين الأول الماضي بما يلي "حانت الفرصة لفرض ضريبة الكربون التي ستعطي نفسا جديدا لمالية الدول المختنقة بسبب الأزمة الاقتصادية الحالية".

وسيواجه المؤتمر مسألة أساسية ومعقدة كثر الخلاف حولها، وهي تحديد السعر الأدنى لطن الكربون على الصعيد العالمي.

سعر الكربون
إن مجرد التوصل إلى توافق دولي حول هذا السعر يمثل نقطة تحول جوهرية في ميدان التلوث والاحتباس الحراري، فخلافا للفترة السابقة، لا تنحصر التزامات خفض انبعاث غازات الدفيئة على الدول الصناعية، بل أصبحت جميع الدول معنية بها.

من الناحية المبدئية، يوجد نظامان لمعالجة انبعاث غازات الدفيئة وتحديد سعر الكربون، ولكل منهما إيجابياته وسلبياته، وهما حصص الكربون والضريبة.

وبموجب نظام الحصص، يتم تحديد الأطنان اللازمة لكل دولة، وتتولى الأجهزة الحكومية توزيعها سنويا ومجانا على شركاتها حسب أنشطتها. فإذا احتاجت شركة ما إلى عدد أكبر من الحصص وجب عليها شراء ما تحتاجه من السوق. وبالعكس، إذا استخدمت أقل من العدد الموزع عليها يمكنها عندئذ بيع الفائض في السوق، وهكذا يتم تحديد سعر الكربون وفق العرض والطلب.

وأما ضريبة الكربون فيتم تحديد سعرها وكذلك مختلف أوجه تنظيمها من قبل السلطات العامة، كغيرها من الضرائب الأخرى.

نظام حصص الكربون يعتبر أكثر فاعلية من ضريبة الكربون من حيث خفض الغازات، كما أن انعكاساته الاقتصادية السلبية محدودة نسبيا. أضف إلى ذلك أنه أكثر قبولا لدى الشركات والأفراد. وفي المقابل، تمتاز الضريبة بسهولة تطبيقها مقارنة بنظام الحصص، خاصة في الدول النامية

ويعتبر نظام الحصص أكثر فاعلية من الضريبة من حيث خفض الغازات، كما أن انعكاساته الاقتصادية السلبية محدودة نسبيا. أضف إلى ذلك أنه أكثر قبولا لدى الشركات والأفراد. وفي المقابل، تمتاز الضريبة بسهولة تطبيقها مقارنة بنظام الحصص، وخاصة في الدول النامية.

فاعلية نظام الحصص
لكن هذه المفاضلة نظرية وقابلة للنقاش، فعلى الصعيد العملي دلت التجربة الأوروبية على ضعف فاعلية نظام الحصص في التصدي لأزمة التلوث بسبب هبوط الأسعار التي وصلت حاليا إلى 8.3 يوروهات (8.8 دولارات) لطن الكربون. وتؤكد الدراسات أن الفاعلية لا تتحقق إلا إذا تجاوز السعر ثلاثين يورو (31.8 دولارا). كما أن أنظمة الحصص في العالم لا تغطي سوى نسبة ضئيلة من غازات الدفيئة.

وفي المقابل، يمكن للضريبة أن تكون أكثر فاعلية لأنها تستطيع تغطية القسط الأكبر من انبعاث الغازات بأسعار مرتفعة. والجدير بالذكر أن صندوق النقد الدولي يفضل صراحة ضريبة الكربون على نظام الحصص، ولذلك صرحت 73 دولة بأنها تطبق أو مستعدة لتطبيق الضريبة، ويتعلق الأمر بدول غرب أوروبا وبلدان في أميركا اللاتينية وآسيا بما فيها الصين.

أما الولايات المتحدة فما تزال غير متحمسة للضريبة، علما بأنها سارية المفعول في بعض الولايات الأميركية مثل كاليفورنيا.

لكن هذه المقارنة لا ترمي إلى اختيار هذا النظام دون ذاك، إذ تشير التجربة الأوروبية إلى ضرورة الجمع بين النظامين.

تفاعل الضريبة مع الحصص
تطبق دول الاتحاد الأوروبي نظام حصص الكربون إلى جانب ضريبة الكربون. وقد تقرر إخضاع الشركات الكبرى فقط لنظام الحصص وإعفاؤها من الضريبة، وبهذه الوسيلة وضعت أوروبا آلية للحد من غازات الدفيئة دون التأثير سلبا على القدرة التنافسية لشركاتها الكبرى.

فعلى سبيل المثال تحصل فرنسا سنويا بالاتفاق مع المفوضية الأوروبية على 469 مليون حصة كربون مجانية (الحصة الواحدة تعادل طنا واحدا) موزعة على 1126 شركة، فلو لم يكن نظام الحصص مطبقا لتحملت هذه الشركات ضريبة قدرها 6.8 مليارات يورو (7.2 مليارات دولار)، أي بمعدل ستة ملايين يورو سنويا لكل شركة (مبلغ الضريبة في فرنسا 14.5 يورو للطن).

لا شك أن هذا الوضع مريح لهذه الشركات، كما تتسم نتائجه الاقتصادية بالإيجابية. لكن تفاعل هذين النظامين أفضى إلى توزيع غير عادل للأعباء العامة، إذ إن الشركات غير الخاضعة لنظام الحصص ملزمة بضريبة الكربون، وبالتالي فإن الالتزامات المالية تختلف حسب الحجم الاقتصادي للشركات، الأمر الذي يشير -بما لا يقبل الشك- إلى مدى تأثير الشركات العملاقة على الأنظمة الضريبية، بل وعلى السياسات الاقتصادية في أوروبا.

دول الاتحاد الأوروبي تطبق نظام حصص الكربون إلى جانب ضريبة الكربون. وقد تقرر إخضاع الشركات الكبرى فقط لنظام الحصص وإعفاؤها من الضريبة، وبهذه الوسيلة وضعت أوروبا آلية للحد من غازات الدفيئة دون التأثير سلبا على القدرة التنافسية لشركاتها الكبرى

أعباء الشركات وفقا للنظامين
وتصح هذه الملاحظة حتى وإن اشترت الشركات الكبرى حصصا كربونية من السوق، فعندما تشتري شركة دانماركية خاضعة لنظام الحصص عشرة آلاف طن كربون من السوق، فإنها تدفع مبلغا قدره 83 ألف يورو (88 ألف دولار).

أما في حالة شركة أخرى غير خاضعة لهذا النظام تقتضي أنشطتها استهلاك مواد طاقة ينتج عنه انبعاث غازي مماثل، فتدفع ضريبة كربون قدرها 213 ألف يورو (226 ألف دولار)، إذ إن سعر طن الكربون في السوق 8.2 يوروهات كما رأينا، في حين أن مبلغ الضريبة الدانماركية 21.3 يورو (22.6 دولارا) للطن الواحد.

ويزداد تباين الأعباء العامة في دول أخرى ليصل إلى ذروته في السويد لأن مبلغ الضريبة فيها يصل إلى 126 يورو (133.7 دولارا) للطن الواحد، وهو أعلى سعر للكربون في العالم. ورغم بعض الإصلاحات الطفيفة، ما تزال الشركات الصغيرة تدفع ضريبة تعادل خمس مرات ما تدفعه الشركات الكبرى.

بطبيعة الحال، تدرك الحكومات الأوروبية جيدا هذه المشكلة، لكنها لا تسعى إطلاقا إلى معالجتها، لأن التوزيع العادل للأعباء العامة عندما يصطدم بالمصالح الاقتصادية فإن الغلبة تكون دائما للأخيرة.

لقد أصبحت ضريبة الكربون ضرورية على الأقل لأسباب بيئية، لكن سريانها في عدد كبير من الدول سيستغرق وقتا طويلا، فهذه الضريبة لا تجد تأييدا لها في الولايات المتحدة وأستراليا ودول شرق أوروبا والكثير من البلدان النامية.
ـــــــــــــ
باحث اقتصادي عراقي

المصدر : الجزيرة