صباح نعوش

ارتفاع كلفة إنتاج البرميل وانخفاض جودة الخام والإنتاج المفرط هي السمات الأساسية لإيرادات النفط في روسيا.

لا شك أن هبوط أسعار النفط أدى إلى تدهور ماليات الدول الداخلية والخارجية ومن ثم تراجع معدل النمو. لكن إلى جانب هذا العامل المتعلق بالسوق العالمية، هناك خصوصيات روسية ترتبط بالسياسة الاقتصادية الريعية المتبعة وبمؤشرات الصناعة النفطية، تؤثر أيضاً وبشدة على حصيلة الصادرات النفطية. 

اقتصاد ريعي
الإنتاج مفرط
ارتفاع كلفة الإنتاج
تدني مواصفات الصادرات

اقتصاد ريعي
روسيا دولة صناعية لكنها ريعية أيضاً، إذ إن درجة اعتمادها على صادرات المواد المستخرجة من باطن الأرض لا تختلف كثيراً عن مثيلاتها في دول الخليج. ففي العام المنصرم بلغت الصادرات النفطية الروسية 269.7 مليار دولار، أي 54.2% من الصادرات الكلية. وترتفع النسبة إلى 65.3% عند إضافة الغاز الطبيعي، ناهيك عن صادرات المواد الأخرى المستخرجة كالفحم الحجري، وأصبحت هذه المواد الناضبة تمثل ثلاثة أرباع الصادرات الروسية.

ولا تتوقف المشكلة عند هذا الحد، فقد جرت العادة منذ عشر سنوات على توظيف القسط الأكبر من الإيرادات النفطية في الخارج عن طريق الصناديق السيادية التي أسست لهذا الغرض. وهكذا أهملت الصناعات التحويلية الروسية وما يترتب على ذلك من تباطؤ الصادرات الصناعية والاعتماد على الواردات من الأدوية والأجهزة الكهربائية والسيارات.

ففي العام 2013 بلغت صادرات المواد المصنعة 19.3% فقط من مجموع الصادرات. وفي المقابل وصلت واردات المواد المصنعة إلى 75.3% من مجموع الواردات (النسبتان مذكورتان في إحصاءات منظمة التجارة العالمية). ومثل هذا التوزيع غير معروف في الدول الصناعية الكبرى والبلدان الناشئة.

ويتضح التأثير السلبي لإيرادات النفط والسياسة الاقتصادية على تجارة الصناعات الروسية حتى عند المقارنة بدول الخليج، ففي روسيا انتقلت تجارة الصناعات التحويلية من فائض بمبلغ سبعة مليارات دولار عام 2000 (قبل ارتفاع إيرادات النفط) إلى عجز بمبلغ 157 مليارا عام 2013 (بعد ارتفاعها)، في حين انتقلت تجارة الصناعات التحويلية السعودية خلال هذه الفترة من عجز بمبلغ 16 مليار دولار إلى فائض قدره ملياران.

روسيا وبسبب سياستها الاقتصادية تعاني إذاً من تبعية صناعية إلى درجة أن تقنيات استخراج النفط من البحر تعتمد بصورة شبه كلية على إكسون موبيل وشل وبريتش بتروليوم وتوتال. وتنطبق هذه التبعية على الغاز الطبيعي أيضا. وتزداد ريعية الاقتصاد الروسي بسبب السعي الحثيث إلى زيادة الإنتاج النفطي بصورة تكاد تكون عشوائية.

الإنتاج مفرط
تتبوأ روسيا منذ عدة سنوات المرتبة العالمية الأولى في إنتاج النفط البالغ حالياً 10.5 ملايين برميل يومياً، تليها السعودية ثم الولايات المتحدة.

ترى هل تستحق روسيا هذا المركز المرموق لأنها غنية بالنفط، أم أنه سيفضي بها إلى نتائج وخيمة في المستقبل القريب؟

حاصل قسمة الاحتياطي المؤكد
(80 مليار برميل) على الإنتاج الحالي يشير إلى نفاد النفط الروسي بعد 21 عاما فقط، وتوصلت بعض الدراسات إلى استنتاج آخر مفاده أن المتبقي من عمر هذا النفط لا يتجاوز 15 عاما

يفترض أن يلعب الاحتياطي المؤكد دوراً أساسياً في تحديد حجم الإنتاج، وهذه هي القاعدة العامة المتبعة في أوبك. فالإنتاج المرتفع مقارنة بالاحتياطي المؤكد يؤدي إلى إنهاك الحقول، وهو الطريق الأسرع لنضوب الخام.. وهذا ما يجري في روسيا.

إن حاصل قسمة الاحتياطي المؤكد (80 مليار برميل) على الإنتاج الحالي، يشير إلى نفاد النفط الروسي بعد 21 عاما فقط.

وتوصلت بعض الدراسات إلى استنتاج آخر مفاده أن المتبقي من عمر هذا النفط لا يتجاوز 15 عاما. وفي المقابل نستنتج من تطبيق هذه المعادلة البسيطة أن النفط السعودي سيستمر لمدة 71 عاماً. على ضوء ذلك نطرح الافتراضين التاليين:

الأول- أن يتبع السعوديون سياسة الروس في علاقة الإنتاج بالاحتياطي، أي أن يرتفع الإنتاج اليومي السعودي بحيث ينفد النفط بعد 21 عاما. عندئذ يصبح العرض السعودي 34.5 مليون برميل يوميا (بدلاً من 10.2 ملايين)، وهذا يعني بالضرورة هبوط سعر البرميل إلى مستويات متدنية جداً، فتنخفض الإيرادات النفطية لجميع الدول المصدرة، وستتوقف غالبية حقول روسيا عن العمل لأن سعر البرميل أقل من كلفة الإنتاج.

الثاني- أن تتبع روسيا السياسة الإنتاجية السعودية وفق العلاقة المذكورة أعلاه، وعندئذ سيهبط إنتاجها إلى 3.1 ملايين برميل يوميا، وسيرتفع سعر النفط، لكن الإيرادات الروسية ستكون صفراً لأن هذا الإنتاج لا يغطي سوى الاستهلاك المحلي.

إن المكانة العالمية الحالية للإنتاج في روسيا لا تتناسب إطلاقاً مع مؤهلاتها النفطية، فهي لا تملك سوى 5.4% من الاحتياطي العالمي، مقابل 17.9% في السعودية، علما بأن محافظة البصرة في جنوب العراق تملك نفطاً يعادل تقريباً النفط الروسي.

ومن هنا تسعى السياسة النفطية الروسية إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من الإيرادات، دون الأخذ في الاعتبار مؤشر الاحتياطي المؤكد.

وهذا التوجه أحدث تغييراً جوهرياً في الاقتصاد برمته، فأصبح ريعياً من جهة وأدى إلى انخفاض كمية الخام في جميع الحقول العاملة من جهة أخرى، ناهيك عن أن الإنتاج المفرط الناجم عن هذه السياسة سيفضي بالضرورة إلى حرمان الأجيال اللاحقة من هبة الطبيعة للبلد.

ارتفاع كلفة الإنتاج
إن الإيرادات النفطية المعلنة ليست صافية، بل إجمالية تتضمن كلفة الإنتاج، وكلما كانت الكلفة عالية انخفضت الإيرادات الصافية. وإذا كانت هذه الكلفة ضئيلة في منطقة الخليج، فإنها ليست كذلك في روسيا لأسباب جيولوجية عديدة.

في السعودية والعراق يبلغ معدل الكلفة الكلية لإنتاج البرميل (بما فيها النفقات الرأسمالية) أربعة دولارات مقابل 15 دولاراً في روسيا. وتشير البحوث إلى أن الكلفة في بعض حقول سيبيريا لا تقل عن أربعين دولاراً وتصل أحياناً إلى خمسين، مما يقود إلى عدم جدوى استغلالها تحت ظل أسعار السوق الحالية. وتجدر ملاحظة أن حقول سيبيريا تمثل ثلثي الإنتاج الروسي.

ويفترض أن تقود هذه التكاليف الباهظة إلى إخراج هذه الحقول من حسابات الاحتياطي المؤكد، لأن حجمه ينخفض بانخفاض أسعار البرميل.

تدني مواصفات الصادرات
من البديهي أن الأسعار -وبالتالي الإيرادات- تعتمد على مواصفات الصادرات النفطية. وترى بعض الدراسات أن 70% من النفط الروسي ثقيل الكثافة، والواقع أننا لم نجد في الوثائق الرسمية ما يؤيد صحة هذا الرقم. والحكمة تستوجب اعتبار أغلب الخامات الروسية غير مطابقة لمواصفات مزيج برنت.

بسبب ارتفاع كلفة الإنتاج وانخفاض جودة الخام وتضافرهما مع هبوط الأسعار، تضطر السياسة الاقتصادية الروسية جهد الإمكان لرفع الإنتاج إلى أقصى الحدود، مما سيفضي إلى التأثير سلبياً على قابلية الحقول، خاصة تحت وطأة العقوبات الاقتصادية

تبلغ كثافة برنت 38.1 درجة، وهو يحتوي على 0.37% من الكبريت، أي كلما انخفضت كثافة خام معين مقارنة بهذه الدرجة، وكلما ارتفع محتواه الكبريتي مقارنة بهذه النسبة، هبط سعره في السوق العالمية. والعكس بالعكس. فعلى سبيل المثال تبلغ كثافة حقل فاتيغانسكوي الروسي 33.8 درجة، ويصل محتواه الكبريتي إلى 0.83%، وبالتالي فإن نفط هذا الحقل الذي قدر حجمه بمليار برميل تقريباً يعد من الخامات الخفيفة حسب المعايير العالمية، لكنه لا يرقى إلى مواصفات مزيج برنت، لذلك فإن سعر البرميل المستخرج منه يقل عن سعر مزيج برنت. وعند الرجوع إلى التقارير السنوية لشركتي "روسنفط" و"لوك أويل" الروسيتين، نلاحظ أن مواصفات خامات الحقول الأخرى مشابهة لخام الحقل المذكور.

ومن زاوية أخرى، لا تقتصر الصادرات النفطية الروسية على الخام، بل تشمل كذلك المنتجات المكررة. وفي العام الماضي بلغت إيرادات هذه المنتجات 115.8 مليار دولار (إحصاءات البنك المركزي الروسي)، أي 42.9% من الصادرات النفطية الكلية.

ويشكل الوقود المنزلي الذي يستخدم للتدفئة نحو ثلثي المنتجات المكررة المصدرة. ومن المعلوم أن أسعار هذا الوقود أقل من أسعار وقود السيارات. كما أن هذه الأهمية التجارية الكبيرة للوقود المنزلي تعكس بوضوح الجودة المتدنية للخامات الروسية.

بسبب ارتفاع كلفة الإنتاج وانخفاض جودة الخام وتضافرهما مع هبوط الأسعار، تضطر السياسة الاقتصادية الروسية جهد الإمكان إلى رفع الإنتاج إلى أقصى الحدود، مما سيفضي إلى التأثير سلبياً على قابلية الحقول، خاصة تحت وطأة العقوبات الاقتصادية. عندئذ سينخفض الإنتاج في المستقبل القريب، فتتفاقم الأزمة المالية.
ـــــــــــــ
* باحث اقتصادي عراقي

المصدر : بروجيكت سينديكيت