صباح نعوش

خرق الدستور
تخصيص نسبة من الميزانية
الإنفاق لأغراض سلمية
نموذج العراق

يتسم الإنفاق على البحث العلمي في الدول العربية بالضعف الشديد، وهو الأمر الذي يسهم في تخلفها الصناعي ويضيف خرقا لنصوصها الدستورية.

وبغية إعطاء أهمية كبيرة للبحث العلمي على الأقل من الناحية القانونية, نصت الدساتير على مبدأين: تشجيع البحث العلمي، وضمان حريته. وتبنت تونس ومصر والكويت والسودان وسوريا والبحرين هذين المبدأين، واكتفت السعودية والعراق بالمبدأ الأول. ولا توجد أي إشارة إلى البحث العلمي في دساتير الجزائر والأردن ولبنان، علما بأن غياب النص الدستوري لا يعني بالضرورة عدم الاهتمام، ولكن وجود النص يلزم مبدئيا جميع الجهات -بما فيها الحكومة- باحترام أحكامه والعمل على تطبيقها.

ويتسم الإنفاق على البحث العلمي في الدول العربية بسمتين عامتين:
1- ضعف حجمه، فهو قياسا بالناتج المحلي الإجمالي يقل عن 0.8% في المغرب وتونس، وعن 0.5% في مصر والأردن، وعن 0.2% في السعودية والجزائر والعراق والكويت، بينما تصل النسبة إلى 2.9% في ألمانيا و3.4% في اليابان.

2- ارتباط هذا الإنفاق بالميزانية العامة، إذ إن الأموال المخصصة للبحث العلمي تتأتى من اعتمادات الميزانية، ويترتب على ذلك غياب العلاقة بين مؤسسات البحث العلمي الحكومية والمشاريع الصناعية بالقطاع الخاص، وبالتالي تتراجع التنمية التكنولوجية العربية، في حين تتكفل الشركات الخاصة في الدول الصناعية بالقسط الأكبر من الإنفاق على البحث العلمي الموجه مباشرة للتصنيع.

الأموال المخصصة للبحث العلمي تتأتى من اعتمادات الميزانيات في العالم العربي، ويترتب على ذلك غياب العلاقة بين مؤسسات البحث العلمي الحكومية والمشاريع الصناعية في القطاع الخاص، وبالتالي تتراجع التنمية التكنولوجية العربية

خرق الدستور
إن التردي المنقطع النظير لمستوى الإنفاق على البحث العلمي في الأقطار العربية يخالف نصوصها الدستورية. ويمكن إثبات هذا الخرق رغم أن هذه النصوص تتصف بالعمومية.

فهناك دول نامية عديدة لديها إمكانات مالية أقل بكثير من الدول العربية ومع ذلك ترصد في ميزانياتها أموالا تفوق تلك التي تنفقها بلدان عربية. وهناك دول أفريقية مصنفة في قائمة الدول الأقل تقدما تسجل عدداً من براءات الاختراع يفوق العدد المسجل في دول عربية. كما أن عدد المقالات العلمية المنشورة في دول فقيرة أكثر من عدد المقالات المنشورة في دول عربية، بل إن بعض الدول العربية لا توجد فيها أي مجلة علمية حسب معايير المؤسسات العالمية المعروفة.

ويمكن بسهولة تحويل هذه المقارنات إلى معادلات رياضية تشير بالأرقام إلى تخلف علمي مدقع للدول العربية، وهذا التخلف هو الدليل على عدم تشجيع البحث العلمي وبالتالي على خرق أحكام الدستور.

تخصيص نسبة من الميزانية
نصت المادة 23 من الدستور المصري على ما يلي "تكفل الدولة حرية البحث العلمي وتشجع مؤسساته, باعتباره وسيلة لتحقيق السيادة الوطنية وبناء اقتصاد المعرفة, وترعى الباحثين والمخترعين، وتخصص له نسبة من الإنفاق الحكومي لا تقل عن 1% من الناتج القومي الإجمالي تتصاعد تدريجيا حتى تتفق مع المعدلات العالمية".

واقتبست مسودة الدستور الليبي هذا النص في مادتها 33 دون أن يكون هذا الاقتباس موفقا. ونلاحظ أن عبارة "المعدلات العالمية" غير مناسبة لأنها لا تعني سوى متوسط الإنفاق في العالم، بينما المطلوب هو الاقتراب من -وليس الاتفاق مع- المعدلات في الدول الصناعية.

إن نفقة عامة قدرها 1% من الناتج المحلي الإجمالي المصري تساوي 283.4 مليار جنيه (363.6 مليون دولار) في العام المالي 2015/2016، وهو مبلغ لا يستهان به، لكنه (على افتراض رصده للبحث العلمي) لن يقود إلى تحسن ملموس لعدد ونوعية البحوث العلمية والمستوى التقني، لأن مصر دولة نامية وتحتاج بالتالي إلى نسبة عالية قد تفوق المعدلات في الدول الصناعية الكبرى.

لا شك أن واضعي الدستور اعتقدوا بأن هذه النسبة العالية غير ممكنة التحقيق في ظل ميزانية متسمة بالعجز الهائل والمزمن منذ عقود، ففي العام المالي الجاري بلغ حجم هذا العجز 251 مليار جنيه (32 مليار دولار)، أي 8.9% من الناتج المحلي الإجمالي.

لكن العجز الناجم عن ارتفاع الإنفاق على البحث العلمي أفضل بكثير من التوازن المالي الناجم عن انخفاض هذا الإنفاق، فالعبرة بالتوازن الاقتصادي لا بالتوازن المالي، ولا أحد يشك في الدور الذي تقوم به البحوث العلمية في دعم الصناعات التحويلية، وتحسين الصادرات التي تعتمد على التطوير التقني.

الجدير بالذكر أن الميزانية المصرية الحالية لم تستطع تحقيق النسبة المستهدفة بالدستور، وهناك توقعات تشير إلى صعوبة تحقيقها في الميزانية المقبلة. ولا يقتصر عدم تنفيذ النسبة المستهدفة على البحث العلمي، بل يشمل جميع نسب الإنفاق الواردة في الدستور المتعلقة بالصحة (3%)، والتعليم الجامعي (2%)، والتعليم قبل الجامعي (4%).

الإنفاق لأغراض سلمية
فيما يلي نص الفقرة الثالثة من المادة 34 من الدستور العراقي "تشجع الدولة البحث العلمي للأغراض السلمية بما يخدم الإنسانية".

خصصت مصر 363 مليون دولار للبحث العلمي في العام المالي 2015/2016، وهو مبلغ لا يستهان به، لكنه لن يقود إلى تحسن ملموس لعدد ونوعية البحوث العلمية والمستوى التقني، لأن البلاد دولة نامية وتحتاج إلى نسبة عالية قد تفوق المعدلات في الدول الصناعية الكبرى

إن هذه العبارة لا تمت إلى الواقع العراقي بأي صلة، لأنها تستخدم عادة من قبل الدول الصناعية الكبرى في عمليات صناعية وتقنية معقدة كتطوير فاعلية الأدوية ضد الأمراض المستعصية، والذهاب إلى سطح القمر لتحليل عينات منه. لكن هذه العبارة توحي أيضا بأن الدولة لا تشجع البحث العلمي للأغراض العسكرية.

وهذا خطأ فادح يضر بمصالح البلد وينهك ماليته نتيجة تزايد استيراد الأسلحة، ناهيك عن تناقض العبارة المذكورة مع المقتضيات الأمنية واعتبارات السيادة الوطنية.

هناك من الناحية الاقتصادية اختلاف جوهري بين استيراد الأسلحة والإنفاق على البحوث العلمية الرامية إلى إنتاج الأسلحة وتطويرها، فالأولى عقود تجارية غير منتجة تتمثل في تخصيص اعتمادات للشراء، وأما الحالة الثانية فهي استثمارات صناعية لسد الحاجات المحلية، وقد تتقدم لتشمل دعم الميزان التجاري عن طريق الصادرات.

إن هذا النص الدستوري أحد مظاهر الاحتلال الأميركي للعام 2003، إذ لم يعرفه أي دستور عراقي قبل هذا التاريخ، ولا أي دستور عربي.

تجدر الإشارة إلى أن الجزء الأكبر من اعتمادات الميزانية المخصصة للبحوث العلمية في الدول الصناعية الكبرى ينصرف إلى القطاع العسكري، بما فيها أسلحة الدمار الشامل التي لا تخدم الإنسانية. والواقع أن القسط الأكبر من الإنفاق على البحوث المدنية في هذه الدول يقع على عاتق الشركات الخاصة.

نموذج العراق
إن حصر البحوث العلمية في المجالات السلمية في العراق يفسر إلى حد ما غياب مبدأ حرية البحث العلمي في الدستور الحالي، بينما كان هذا المبدأ معروفا في الدساتير العراقية السابقة كالمادة 29 من دستور عام 1963، والفقرة (ج) من المادة 27 من دستور عام 1970. من الناحية العملية لا تتمتع البحوث العلمية في العراق بالحرية منذ عدة عقود.

إن العراق (بلد حمورابي والمنصور وابن الهيثم والكندي والمتنبي) لم يعد يعير أي اهتمام للبحوث العلمية، ففي العام 2011 بلغ الإنفاق عليها 55 مليون دولار، أي 0.03% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين بلغ بمصر 1.014 مليار دولار، أي 0.43% (حسبنا المبلغين انطلاقا من هاتين النسبتين المذكورتين في إحصاءات البنك الدولي). ورغم ضعف الإنفاق المصري فإنه يعادل 18 مرة الإنفاق العراقي من حيث المبلغ، و14 مرة من حيث النسبة المئوية، علماً بأن الإيرادات العامة في العراق (92.9 مليارات دولار) تعادل ضعف إيرادات مصر (45.5 مليارات دولار).

ويتعين على جميع البلدان العربية التنصيص في دساتيرها على ثلاثة مبادئ هي: حرية البحث العلمي في القطاعين الحكومي والخاص، وتشجيعه في جميع الميادين المدنية والعسكرية، وتخصيص نسبة له من الإنفاق العام لا تقل عن 2% من الناتج المحلي الإجمالي. كما لا بد من العمل بجدية على تنفيذ هذه المبادئ وفق سياسة علمية واقتصادية مدروسة ومتغيرة حسب الحاجة الآنية والإمكانية المتوفرة. عندئذ تتحسن الصناعات التحويلية وتزداد الصادرات وتنخفض البطالة فترتفع معدلات النمو الاقتصادي.
ـــــــــــــ
باحث اقتصادي عراقي

المصدر : الجزيرة