السياسات المحبطة لصندوق النقد والبنك الدوليين
آخر تحديث: 2015/10/26 الساعة 14:04 (مكة المكرمة) الموافق 1437/1/14 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2015/10/26 الساعة 14:04 (مكة المكرمة) الموافق 1437/1/14 هـ

السياسات المحبطة لصندوق النقد والبنك الدوليين

 

ديفيش كابور

كانت القضايا الشديدة الوضوح التي اختار الجميع تجاهلها في الاجتماع السنوي لصندوق النقد والبنك الدوليين في ليما بدولة بيرو في الشهر الماضي متمثلة بالبنك الآسيوي للاستثمار في البنية الأساسية الذي تقوده الصين، وبنك التنمية الجديد أو بنك تنمية البريكس كما كان يدعى في الأصل.

فهل تتصرف هاتان المؤسستان الجديدتان كما يتصرف البنك الدولي أو كما يتصرف بنك الاستثمار الأوروبي وهو المؤسسة الأشبه بالبنك تقليديا؟

وفي المقام الأول من الأهمية، هل يعمل البنكان الجديدان كأداتين لتعزيز أو -على نحو لا يخلو من المفارقة- تقييد مصالح الصين؟

تغيير قواعد اللعبة
عوالق ملتصقة

تغيير قواعد اللعبة
الحقيقة هي أن هاتين المؤسستين لن تكونا من الجهات المقرضة الكبرى على مدى العقد المقبل، ذلك أن المدفوع من رأس المال في كل منهما هو عشرة مليارات دولار، لذا فحتى إذا بلغت نسبة رأس مال المساهمين إلى القروض 20% (الأرضية الحالية للبنك الدولي) فسوف يكون بوسع كل من البنكين إقراض نحو خمسين مليار دولار فقط على مدى العقد المقبل وهو ليس بالتغيير الكامل، لكن من الصعب أن يغير قواعد اللعبة ما لم ينجحا في "حشد" قدر كبير من الاستثمار الخاص.

إن البنك الدولي يشبه سفينة قديمة، فعلى مدى عمره الذي دام سبعة عقود حتى الآن تراكمت على بدنه كافة أشكال العوالق -التراكمات المرتبطة بالميزانية وتكاليف المعاملات- فأعاقت سرعته وأداءه بشكل مطرد

والأمر المهم حقا هو أن الأسواق الناشئة الأكبر حجما تضع قدرا كبيرا من رأس المال في مؤسسات سوف تهيمن عليها الصين، وهو ما يشير بوضوح إلى مدى الإحباط الذي أصابها من سلوك البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

إن البنك الدولي يشبه سفينة قديمة، فعلى مدى عمره الذي دام سبعة عقود حتى الآن تراكمت على بدنه كافة أشكال العوالق -التراكمات المرتبطة بالميزانية وتكاليف المعاملات- فأعاقت سرعته وأداءه بشكل مطرد، ففي العام المالي 2015 قدم بنك الاستثمار الأوروبي قروضا تتجاوز ضعف الكمية التي قدمها البنك الدولي، ولكن بالاستعانة بسدس الموظفين.

 وسواء استخدمنا التدفقات (مصاريف القروض) أو رأس المال (القروض القائمة) كمقياس فسوف نجد أن البنك الدولي يعاني من العمالة الزائدة بشكل كبير، وميزانيته الإدارية أعلى كثيرا من نظيرتها لدى بنك الاستثمار الأوروبي.

عندما تأسس البنك كانت الآلية الحاكمة الرئيسية مجلس إدارة مقيم يرفع تقاريره إلى مجلس المحافظين، وهم عادة من وزراء المالية أو ما يعادلهم من الهيئات الكبرى في البلدان الأعضاء، وبمرور الوقت تكاثرت المناصب الجديدة مثل منصب المراجعة الداخلية، ومنصب التقييم المستقل، وفريق التفتيش، وكبير مسؤولي الأخلاقيات، ومكتب النزاهة المؤسسية.

وكان أغلب هذا النمو البيروقراطي راجعا إلى ضغوط من البلدان المتقدمة، والتي تزامنت جهودها مع التجديد الدوري للجمعية الدولية للتنمية (نافذة البنك الدولي للقروض الميسرة)، كما فرضت الانتقادات من قبل المنظمات غير الحكومية الغربية الجيدة التنظيم المزيد من الضغوط على البنك الدولي، الأمر الذي أدى إلى صرف الانتباه عن أي تغيرات بنيوية حقيقية في حوكمة المؤسسة، وقد أدرك رؤساء البنك المخضرمون أن أفضل طريقة لتفادي الضغوط السياسية هي إضافة المزيد من الأجراس والصفارات، خاصة عندما تكون مرئية وصاخبة.

عوالق ملتصقة
قبل نحو عشرين عاما كان هناك منصب أمين المظالم فضلا عن محكمة إدارية تابعة للبنك الدولي لمعالجة مظالم الموظفين الداخليين، والآن هناك مجموعة كاملة من "خدمات العدالة الداخلية" ومكتب الوساطة، ومكتب الأخلاقيات وسلوكيات العمل، ومكتب شؤون النزاهة.

وفي إعادة صياغة لعبارة الممثل الكوميدي فريد ألن "في صناعة السفن يسمونها العوالق الملتصقة، وفي البنك الدولي يلصقون أنفسهم بالمكاتب ويطلق عليهم لقب نواب الرئيس"، وبعد إعادة التنظيم الأخيرة لا يزال باقيا منهم أكثر من عشرين.

ومن ناحية أخرى، تعكس ثقافة النفور من خوض المجازفات ردا على المنتقدين الذين ترتفع أصواتهم عند فشل أي مشروع أو برنامج، فالمنتقدون الذين يتقبلون فشل المشاريع التجارية بصدر رحب يرون أن البنك شديد الكسل مقارنة بالقطاع الخاص وينتابهم سخط شديد عندما تفشل مشاريعه.

 لكن بدلا من الرد على ذلك بالقول إن المخاطرة جزء جوهري من التنمية الاقتصادية وإنه من الضروري تنويع محافظ الاستثمار يتظاهر البنك بأنه معصوم من الخطأ، ونتيجة هذا أصبح "الأفضل" عدوا "للجيد".

إن العديد من التحديات التي تواجه البنك الدولي تأتي من الضغوط المفروضة عليه من قبل المساهمين الكبار، ولم يعد أمام الاقتصادات الناشئة أي خيار سوى إنشاء مؤسسات خاصة بها

وكان العزوف عن المخاطرة قد صاحبته أولويات مؤسسية منحرفة كما يتضح من ميزانية البنك، ففي العام المالي 2015 تم تخصيص 623 مليون دولار لغرض "إشراك العملاء"، في حين ذهب ما يعادل هذا المبلغ مرة ونصف أي 931.6 مليون دولار إلى "الحوكمة والإدارة المؤسسية"، وكانت مصروفات مجلس الإدارة التنفيذي وحده نحو 87 مليون دولار.

ويعلن البنك على الملأ عن فضائل البحوث، ثم ينفق بنفس القدر تقريبا 44 مليون دولار على "العلاقات الخارجية والشراكة".

والواقع أن العديد من التحديات التي تواجه البنك الدولي تأتي من الضغوط المفروضة عليه من قبل المساهمين الكبار، ولأنهم يرفضون التخلي عن السلطة للمساهمين الأصغر أو السماح بزيادة كبيرة في الموارد لتلبية الاحتياجات العالمية الكبرى فلم يعد أمام الاقتصادات الناشئة أي خيار سوى  إنشاء مؤسسات خاصة بها.

لن يختفي البنك الدولي، فهناك العديد من المصالح الخاصة (بما في ذلك دوائر الأكاديميين والمنظمات غير الحكومية) الحريصة على الحصول على حصة من أموال الآخرين، لكن أداء البنك الدولي يلخص كيف من الممكن أن تعاني حتى السفن الجيدة التصميم من التباطؤ نتيجة تراكم العوالق إلى أن يصبح من المحتم أن تفسح الطريق أمام السفن الأحدث.
ـــــــــــــــــــ
أستاذ العلوم السياسية في جامعة بنسلفانيا

المصدر : بروجيكت سينديكيت

التعليقات