صباح نعوش

بسبب هبوط أسعار النفط واستمرار العقوبات الاقتصادية ارتفع عبء المديونية الخارجية الروسية ارتفاعاً كبيراً في الآونة الأخيرة. ولا يستبعد أن تعجز البنوك والمؤسسات الصناعية والتجارية المثقلة بديونها الخارجية عن الوفاء بالتزاماتها المالية.

في الفترة بين 2005 و2015 ارتفع الحجم الكلي للديون الخارجية الروسية من 257.2 إلى 555.6 مليار دولار، أي بزيادة قدرها 116%. كما بلغ مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي 29.6% في بداية الفترة و42.2% في نهايتها. أما أدنى تقدير للأقساط والفوائد السنوية فقد وصل إلى 87.9 مليار دولار للعام الجاري. يتعين إذن تخصيص حصيلة صادرات الغاز الطبيعي لعشرة أشهر للوفاء بهذا الالتزام.

هبوط الديون الحكومية
ارتفاع ديون الشركات
العلاقة وطيدة بأسعار الصرف

هبوط الديون الحكومية
نتيجة تفاقم المشاكل المالية في منتصف التسعينيات لجأت حكومة روسيا الاتحادية إلى نادي باريس لإعادة جدولة ديونها الخارجية، حيث عقدت معه خمسة اتفاقات قيمتها الإجمالية 76.6 مليار دولار.

ويعد الاتفاق الرابع المبرم في 29 أبريل/نيسان 1996 أهم هذه الاتفاقات، فهو يتناول تأجيل 40.1 مليار دولار، ويتضمن دفع أقساط سنوية تتراوح بين 0.2% و5.6% من هذا المبلغ اعتباراً من مطلع العام 2002 حتى منتصف العام 2020 (تقارير نادي باريس). قرر النادي إذن منح روسيا 25 سنة لسداد ديونها تبدأ بفترة سماح لمدة خمس سنوات.

لقد لعبت العوامل السياسية دوراً بارزاً في تقرير هذه التسهيلات الكبيرة، إذ أرادت الدول الصناعية الدائنة مساعدة السلطة الجديدة في ترتيب الأوضاع المالية للبلد بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. وقد ذكرت الفقرة الأخيرة من بيان صادر عن سكرتارية نادي باريس أن هذا الأخير "لم يسبق له منذ تأسيسه قبل أربعين عاماً إعادة جدولة مثل هذا الحجم من الديون".

أعطت هذه الاتفاقات نفساً للمالية الروسية المختنقة. ولكن تبين بأن ثمن هذا النفس مرتفع جداً.

فحسب تقديرات وزارة المالية الروسية تقود هذه الاتفاقات في نهاية المطاف إلى أن تدفع الحكومة أصل الدين المعاد جدولته إضافة إلى فوائد قدرها 12 مليار دولار.

تتمثل السمة الأساسية لهيكل الديون الخارجية الروسية في الارتفاع الهائل لالتزامات الشركات التابعة للقطاعين العام والخاص

وفي العام 2005 تحسنت أسعار النفط، فارتفعت حصيلة الصادرات الروسية وازداد الاحتياطي النقدي. عندئذ أضحت الاتفاقات المذكورة عبئا على مالية الدولة، لذلك وبعد مفاوضات طويلة وافق أعضاء نادي باريس على اقتراح روسي يتضمن سداداً مسبقاً للديون الحكومية.

وحسب بعض التقارير لم يوافق الدائنون على هذا الدفع المسبق إلا بعد حصولهم على عمولة قدرها مليار دولار تعويضاً لهم عن فقدان مبالغ الفوائد المستقبلية.

وفي ذلك العام أيضا وافقت الحكومة الروسية على إلغاء ديون مستحقة لها على سوريا قدرها 13 مليار دولار. كما اتخذت في العام 2008 قرارا مماثلاً تجاه الديون المترتبة على العراق.

لا شك أن تحسن المالية العامة الناجم عن ارتفاع أسعار النفط شجع على هذه الإعفاءات السخية. لكن الروس لا يمنحون أموالهم للآخرين إلا إذا كان المردود مجزياً.

سوريا من أهم الدول المستوردة للأسلحة الروسية. كما منحت دمشق تسهيلات عسكرية لموسكو خاصة في ميناء طرطوس. وأجرى العراق بعد إلغاء ديونه اتفاقات مع شركات روسية في ميدان الصناعة النفطية وكذلك أبرم عقوداً لشراء الأسلحة الروسية. أضف إلى ذلك أنابيب الغاز الطبيعي الروسي والإيراني التي "ستمر" عبر الأراضي العراقية والسورية ومنها إلى أوروبا عن طريق البحر الأبيض المتوسط. إن لهذا المشروع أهمية اقتصادية قصوى لموسكو وطهران ويبرر بالتالي الدعم العسكري غير المحدود لدمشق وبغداد.

مبدئياً لم تعد الديون الخارجية الحكومية تشكل خطراً على المالية العامة الروسية. فقد انتقلت ديون الحكومة الاتحادية من 22.1 مليار دولار في العام 1996 إلى 34.8 مليار دولار في منتصف العام 2015. وهذه زيادة طفيفة نسبياً. كما انخفضت في هذه الفترة ديون الاتحاد السوفياتي سابقا المترتبة على الحكومة الاتحادية من 103.7 إلى 1.7 مليار دولار. أما ديون البنك المركزي الناجمة عن قروض ممنوحة من صندوق النقد الدولي فقد هبطت من 12.9 إلى 10.7 مليارات دولار (استنتاجات المؤلف انطلاقا من إحصاءات البنك المركزي الروسي).

إن سداد أقساط وفوائد هذه المبالغ لا يثير مشكلة إن لم تنخفض أسعار النفط إلى مستويات متدنية في العام القادم. ويفترض ألا يرتفع عجز الحسابات التجارية غير السلعية (الخدمات والدخول ورأس المال) بحيث يتجاوز فائض الميزان التجاري السلعي. وعلى عكس ذلك سيهبط من جديد الاحتياطي النقدي فتضعف قدرة الحكومة على السداد.

ارتفاع ديون الشركات
تتمثل السمة الأساسية لهيكل الديون الخارجية الروسية في الارتفاع الهائل لالتزامات الشركات التابعة للقطاعين العام والخاص. فقد بلغت حالياً ديون البنوك 148.9 مليار دولار أي 26.7% من مجموع الديون الخارجية للدولة. وتصل ديون الشركات غير المصرفية إلى 359.5 مليار دولار أي 64.7% من المجموع. ديون الشركات تعادل إذاً تسعة أضعاف الديون الحكومية.

تنذر هذه السمة بخطر مؤكد يحدق بالوضع الاقتصادي برمته. إذ يمكن للحكومات ترتيب أمورها بصورة أو بأخرى لمعالجة ديونها. لكن ارتفاع ثقل مديونية الشركات غالباً يقود إلى إفلاسها وما يترتب عليه من تزايد معدل البطالة وانهيار النظام المصرفي وهروب رؤوس الأموال وفقدان الثقة بمالية الدولة وبسياستها الاقتصادية.

لا شك أن قسطاً من الديون المستحقة على الشركات مضمون من قبل الحكومة المركزية بموجب عقد القرض. لكن هذا الضمان يمنح الحماية المالية للدائنين. إنه لا يغير شيئاً من تردي الحالة المالية للمدينين الذين لا يستطيعون بسبب العقوبات الحصول على تسهيلات مالية جديدة للوفاء بديونهم القديمة.

العلاقة وطيدة بأسعار الصرف
أدى تدهور القيمة التعادلية للروبل إلى انخفاض حجم الديون الخارجية الروسية من جهة وإلى ارتفاع عبء المديونية من جهة أخرى.

فقد هبطت الديون الخارجية من 680.8 مليار دولار في منتصف العام المنصرم إلى 555.6 مليار دولار في منتصف العام الجاري.

ستشهد السنوات القليلة القادمة تفاقم أزمة المديونية الخارجية الروسية بسبب استمرار العقوبات الاقتصادية وصعوبة الحصول على قروض طويلة الأمد وتدهور أسعار النفط وتباطؤ الصادرات. عندئذ سيتراجع النمو فيرتفع بالضرورة عبء الديون الخارجية

ولم ينجم هذا الهبوط الكبير البالغ 125.2 مليار دولار عن تحسن مالية الدولة بالمفهوم المتعارف عليه. بل عن تدهور أسعار صرف الروبل الذي يمثل خسارة فادحة لبعض الدائنين. ويسهم بالتالي في زعزعة ثقة المستثمرين بمالية الدولة.

ففي منتصف العام الماضي كان الدولار يعادل 35.7 روبلا. ثم ارتفع في منتصف العام الحالي إلى 58.9 روبلا. وبلغ قسط الديون الخارجية الروسية المحررة بالروبل 6.9 تريليونات روبل في منتصف العام الماضي أي ما يعادل 193.2 مليار دولار. وعلى أثر تراجع سعر الصرف أصبحت قيمة هذه التريليونات 117.1 مليار دولار في منتصف العام الجاري (حاصل قسمة الدين بالروبل على سعر الصرف). هبط إذاً حجم الديون المقومة بالدولار في الفترة المذكورة بمبلغ 76.2 مليار دولار. وبالتالي فإن ثلثي مبلغ الهبوط يأتيان من انخفاض أسعار الصرف.

يتضح مما تقدم أن 80% من الديون الخارجية الروسية محررة بالعملات الأجنبية بخاصة الدولار. ولاحظنا أن القسط الأكبر من المديونية الروسية يقع على عاتق المؤسسات التجارية والصناعية التي تتعامل بالروبل يوميا.

ومن المعلوم أن ثقل الدين الخارجي المحرر بعملة أجنبية يرتفع عندما ينخفض سعر صرف العملة المحلية، أي أن الشركة المدينة بمليون دولار مثلاً كانت تدفع في منتصف العام الماضي 35.7 مليون روبل وباتت تتحمل في منتصف العام الجاري 58.9 مليون روبل. ارتفع سداد دينها إذاً بنسبة تعادل بالضبط نسبة هبوط القيمة التعادلية للروبل. في حين لم يزدد رقم أعمالها بنفس النسبة. وهكذا ارتفع ثقل الدين الخارجي الروسي رغم أن الإحصاءات تشير إلى انخفاض مبلغه.

ستشهد السنوات القليلة القادمة تفاقم أزمة المديونية الخارجية الروسية بسبب استمرار العقوبات الاقتصادية وصعوبة الحصول على قروض طويلة الأمد وتدهور أسعار النفط وتباطؤ الصادرات. عندئذ سيتراجع النمو فيرتفع بالضرورة عبء الديون الخارجية.
ــــــــــــــ
باحث اقتصادي عراقي

المصدر : الجزيرة