مايكل سبنس وجيمس مانيكا

إننا نعيش عصرا من الريبة والتشويش إزاء التأثيرات القاتلة لفرص العمل الناجمة عن انتشار التشغيل الآلي، والعناوين الرئيسية الكئيبة التي تحذر من أن صعود الروبوتات من شأنه أن يجعل فئات مهنية بأكملها عتيقة.

بيد أن هذا القدر الحتمي يفترض أننا عاجزون عن تسخير ما ننتجه لتحسين حياتنا، بل ووظائفنا.

منصات المواهب على الإنترنت
منصات المواهب وسوق العمل

 منصات المواهب على الإنترنت
الواقع أن الأدلة التي تؤكد قدرة التكنولوجيا على المساعدة في تبديد مخاوفنا في ما يتصل بالوظائف بوسعنا أن نجدها في منصات المواهب على الإنترنت، فقد عملت المنصات الرقمية بالفعل على تحويل أجزاء عديدة من الاقتصاد، فالأسواق التي بنتها شركات مثل أمازون وعلي بابا على الإنترنت -على سبيل المثال- أعادت تشكيل قطاع البيع بالتجزئة جزئيا عن طريق تغيير الطبيعة المحلية لأسواق التجزئة.

من خلال خلق أسواق عمل إقليمية ووطنية، بل وحتى عالمية سمحت منصات المواهب لأرباب العمل بالاستفادة من مجمعات أوسع من المواهب وربط الباحثين عن عمل بعالم أوسع من الفرص
"
وتتخذ مثل هذه المنصات أشكالا عديدة، فالمواقع مثل (LinkedIn)، و(Monster.com)، و(Indeed.com) -التي توفق بين الأفراد وأرباب العمل الساعين إلى شغل وظائف تقليدية- أشركت بالفعل مئات الملايين من المستخدمين الأفراد والعديد من الشركات الرائدة على مستوى العالم، وهي تعمل على توليد القسم الأعظم من التأثير الاقتصادي، لكن هناك أيضا الأسواق الرقمية لما يسمى "اقتصاد غير المتفرغين" الذي يربط بين من يعملون لحسابهم الخاص والمهام الوظيفية، من تطوير الشبكات إلى قيادة سيارات الركاب، وبالتالي الحد من العمالة ورؤوس الأموال المستخدمة بشكل منقوص.

إن المنصات الرقمية تجعل الأسواق أكثر شفافية وكفاءة، وهو على وجه التحديد ذلك النوع من التغير المفاجئ الذي تحتاج إليه أسواق العمل اليوم، ففي العديد من البلدان قد تبلغ نسبة العاطلين عن العمل أو غير الناشطين أو العاملين بدوام جزئي بين السكان في سن العمل من 30% إلى 45%.

في الوقت نفسه تشكو الشركات من عدم قدرتها على شغل المناصب المفتوحة في قطاعات تتراوح بين التكنولوجيا والرعاية الصحية، وأولئك الذين يعملون كثيرا ما يجدون أنفسهم عالقين في أدوار لا تستغل كامل إمكاناتهم ومهاراتهم، وتمثل هذه القضايا إهدارا هائلا للإمكانات البشرية والاقتصادية.

إن المشكلات تنبع من حقيقة أن أسواق العمل اليوم تعطي إشارات غير مكتملة ومقيدة جغرافيا بشأن المهارات التي يزيد عليها الطلب، ونتيجة هذا فإن وضع خريطة للتعليم والتدريب والمسار الوظيفي بات يتطلب قدرا كبيرا من التخمين، وهذا لا يلحق الضرر بالعاملين فحسب بل ويعني أيضا أن احتياجات الشركات قد لا تلبى.

منصات المواهب وسوق العمل
ومن الممكن أن تعمل منصات المواهب على الإنترنت على تعزيز كفاءة سوق العمل من خلال تجميع البيانات عن المرشحين وفرص العمل في منطقة جغرافية أوسع، فتعمل بذلك على إرشاد وتوجيه العاملين نحو الوظائف المتاحة اليوم، فضلا عن أن الإجراءات التي يمكنهم اتخاذها للحصول على عمل باعثة أكثر على الرضا.

وقد تشكل هذه الديناميكية أهمية خاصة في أوروبا، حيث تختلف آفاق العمل جذريا عبر البلدان (وعبر المناطق داخل البلدان)، فليس من المحتمل أن ينتقل شخص ما من إسبانيا إلى سويسرا حتى لو كان ذلك لشغل وظيفة أحلامه، لكن نفس الشخص ربما يقبل وظيفة أفضل على بعد بضع مئات من الأميال.

وعلاوة على ذلك تعمل منصات المواهب على الإنترنت على تقصير مدة البطالة، في حين من الممكن أن يساعد خلق فرص مرنة بدوام جزئي في اجتذاب المزيد من العمال غير الناشطين إلى قوة العمل، ويساعد العاملين بدوام جزئي على إضافة ساعات إضافية إلى ساعات عملهم. وفي الوقت نفسه، من خلال الربط بين الشخص المناسب والدور المناسب تستطيع هذه المنصات أن تعمل على تعزيز الإنتاجية.

باختصار،على الرغم من أن منصات المواهب على الإنترنت غير قادرة على تعزيز الطلب الضعيف في الاقتصادات المتقدمة، أو حل قضايا التنمية المعقدة في العالم الناشئ، أو خلق فرص عمل أفضل في مختلف القطاعات فإنها قادرة على ترك تأثير كبير على قضايا ربما تبدو مستعصية على الحل مثل البطالة، والبطالة المقنعة، وتدني مستويات الرضا الوظيفي.

ووفقا لدراسة بحثية حديثة أجراها معهد ماكينزي العالمي، فهي قادرة على زيادة الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنحو 2.7 تريليون دولار سنويا بحلول عام 2025، وهذا يعادل إضافة مملكة متحدة أخرى إلى الاقتصاد العالمي.

يرجع جزء كبير من التأثير الذي تخلفه منصات المواهب على الإنترنت إلى استخدام التكنولوجيا لسد فجوات عدم تطابق المعلومات التي تعيق أداء سوق العمل حيث تستطيع المنصات تجميع كميات أكبر كثيرا من المعلومات بكفاءة.

مع استمرار تكنولوجيا منصات المواهب في التطور ربما تعمل على تغيير عالم العمل بطرق لا يمكننا حتى تصورها اليوم، ويبدو أن هناك مجالا في سوق العمل لقليل من التفاؤل رغم كل شيء

وبالاستعانة بالبيانات الموسعة تستطيع الشركات أن تستخدم التحليلات المستقبلية لتحديد أفضل المشرحين لدور بعينه، ويستطيع الباحثون عن عمل أن يزيدوا من مؤهلاتهم التعليمية وتاريخهم الوظيفي باستخدام عينات من عملهم ومصادقات من زملائهم في العمل والعملاء، وبالتالي نقل قيمتهم المحتملة لأرباب العمل على نحو أكثر فعالية.

وعلاوة على ذلك، تعمل المنصات التي تجمع مراجعات مجهولة الاسم من موظفين حاليين وسابقين على إعطاء الأفراد فكرة أفضل عن الكيفية التي قد يكون عليها العمل لصالح شركة بعينها، فضلا عن الراتب الذي يمكنهم أو ينبغي لهم قبوله. ومع تسجيل مستويات رضا الموظفين عن وظائفهم على نطاق أوسع تواجه الشركات ضغوطا تحملها على ضمان ظروف العمل الجيدة من أجل توظيف المواهب التي تحتاج إليها.

والآن وبعد أن أصبح لدى أرباب العمل أدوات جديدة للتوظيف والتقييم ربما يجدون أن إحلال العمال من ذوي المهارات المنخفضة أسهل، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم التفاوت بين الدخول في الأمد القريب، لكن في الأمد الأبعد يمكن تصميم نظام أفضل لرفع مستوى المهارات، وهو النظام الذي من الممكن أن يصبح جزءا لا يتجزأ من تسهيل عملية الترفيع أو الترقي.

وهناك فائدة أخرى في هذا الصدد، فمع اكتساب النتائج المهنية المرتبطة بمؤسسات وبرامج أكاديمية بعينها المزيد من الشفافية يصبح مقدمو التعليم والتدريب أكثر عرضة للمساءلة عن إعداد طلابهم لحياة مزدهرة ومنتجة.

ومن المتوقع أن تصل الاشتراكات العالمية في الهواتف الذكية نحو ثمانية مليارات مشترك بحلول عام 2025، وهذا يعني أن منصات المواهب على الإنترنت لديها حيز هائل يسمح لها بالامتداد إلى مناطق وقطاعات جديدة.

ومع استمرار هذه التكنولوجيا في التطور ربما تعمل على تغيير عالم العمل بطرق لا يمكننا حتى تصورها اليوم، ويبدو أن هناك مجالا في سوق العمل لقليل من التفاؤل رغم كل شيء.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مايكل سبنس حائز على جائزة نوبل في علوم الاقتصاد، وأستاذ الاقتصاد في مدرسة شتيرن لإدارة الأعمال بجامعة نيويورك. جيمس مانيكا مدير معهد ماكينزي العالمي الذي يتخذ من سان فرانسيسكو مقرا له.

المصدر : بروجيكت سينديكيت