أناتول كالتسكي

في اجتماع صندوق النقد الدولي السنوي هذا العام في بيرو، هيمن سؤال واحد: هل يشعل الانكماش الاقتصادي في الصين شرارة أزمة مالية جديدة بعد أن ودّع العالم الأزمة الأخيرة للتو؟

بيد أن الافتراض الكامن وراء هذا السؤال -وهو أن الصين أصبحت الآن الحلقة الأضعف في الاقتصاد العالمي- موضع شك إلى حد كبير.

عوامل اضطراب الاقتصاد الصيني
هل ينزلق الاقتصاد الصيني إلى الهاوية؟
براعة ترتيب الأولويات

عوامل اضطراب الاقتصاد الصيني
من المؤكد أن الصين شهدت صيفاً مضطربا، نظراً لثلاثة عوامل: الضعف الاقتصادي، والذعر المالي، والاستجابة السياسية لهاتين المشكلتين.

ورغم أن أيا من هذه العوامل كان ليهدد الاقتصاد العالمي في حد ذاته، فإن الخطر كان نابعاً من تفاعل ذاتي التعزيز بين ثلاثتها؛ فالبيانات الاقتصادية الضعيفة تؤدي إلى الاضطرابات المالية، التي تستحث الأخطاء السياسية التي تغذي بدورها المزيد من الذعر المالي، والضعف الاقتصادي، والأخطاء السياسية.

الواقع أن هذه الآلية الاسترجاعية المالية تصبح أقوى كثيراً في نقل العدوى الاقتصادية العالمية من التعرض التجاري العادي أو التعرض للتجارة العالمية، كما أدرك العالم في الفترة بين 2008 و2009.

والسؤال الآن هو: هل ستستمر الحلقة المفرغة التي بدأت في الصين خلال فصل الصيف؟

كان تباطؤ نمو اقتصاد الصين حتمياً مع تقدمها في محاربة الفقر المدقع والتخلف التكنولوجي لكي لتصبح اقتصاداً متوسط الدخل مدفوعاً بالتجارة الخارجية والإنفاق الاستهلاكي

لا بد أن تميز الإجابة الواعية بين المفاهيم المالية والواقع الاقتصادي، حيث إن تباطؤ النمو في الصين ليس في حد ذاته مفاجئاً أو منذراً بالخطر.

فكما لاحظ صندوق الدولي، كان معدل النمو في الصين في انحدار مضطرد لخمس سنوات من 10.6% عام 2010 إلى المعدل المتوقع 6.8% هذا الصيف، ثم إلى 6.3% عام 2016.

كان هذا التباطؤ حتمياً مع تقدم الصين من الفقر المدقع والتخلف التكنولوجي لكي تصبح اقتصاداً متوسط الدخل مدفوعاً بالتجارة الخارجية والإنفاق الاستهلاكي، وكان أيضاً مرغوباً، لأن النمو السريع أصبح يهدد الحدود البيئية.

وحتى مع تباطؤ وتيرة النمو، تسهم الصين في الاقتصاد العالمي أكثر من أي وقت مضى، لأن ناتجها المحلي الإجمالي اليوم يبلغ 10.3 تريليونات دولار أميركي، بعد أن كان 2.3 تريليون دولار فقط عام 2005. وتُظهِر الحسابات البسيطة أن 10.3 تريليونات دولار تنمو بمعدل 6% إلى 7% سنوياً تنتج أرقاماً أكبر كثيراً من النمو بمعدل 10% من قاعدة أصغر بنحو خمس مرات.

ويعني تأثير هذه القاعدة الضخمة أيضاً أن الصين سوف تستمر في امتصاص المزيد من الموارد الطبيعية بمعدلات أكبر من أي وقت مضى، برغم تضاؤل توقعات نموها.

هل ينزلق الاقتصاد الصيني إلى الهاوية؟
لكن الصين تتسبب في قدر كبير من القلق والانزعاج، خاصة في البلدان الناشئة، وهو ما يرجع إلى حد كبير إلى حقيقة مفادها أن الأسواق المالية أقنعت نفسها بأن اقتصاد الصين لا يتباطأ فحسب، بل إنه ينزلق إلى هاوية.

ويتعامل الكثير من المحللين الغربيين، خاصة في المؤسسات المالية، مع نمو الناتج المحلي الإجمالي الرسمي في الصين بنحو 7% بوصفه تلفيقاً سياسيا، ويبدو أن تأكيد صندوق النقد الدولي الأخير نموها بنسبة 6.8% من غير المرجح أن يقنعهم.

فهم يشيرون إلى الإحصاءات عن الصلب والفحم والبناء، والتي تنهار حقاً في العديد من المناطق الصينية، وإلى التصدير الذي ينمو بنسبة أقل كثيراً عن حاله في الماضي.

لكن، لماذا يقبل المتشككون حقيقة الأرقام الحكومية الكئيبة بشأن الناتج في قطاعي البناء والصلب -الذي هبط بنسبة 15% و4% على التوالي، في العام الذي انتهى في أغسطس/آب- ثم يرفضون البيانات الرسمية التي تُظهِر نمواً بنسبة 10.8% في مبيعات التجزئة؟

بوسعنا أن نرى أحد الأسباب في مفهوم "الانعكاسية" الذي تحدث عنه رجل المال جورج سوروس. لقد زعم سوروس لسنوات أن الأسواق المالية قادرة على خلق توقعات غير دقيقة ثم تغيير الواقع بحيث يتوافق معها.

وهذا هو عكس العملية التي وصفتها الكتب الأكاديمية التي تشكل صلب النماذج الاقتصادية، التي تفترض دوماً أن التوقعات المالية تتكيف مع الواقع، وليس العكس.

في مثال كلاسيكي للانعكاسية، عندما تحولت طفرة سوق الأسهم الصينية إلى الانهيار في يوليو/تموز، استجابت الحكومة بمحاولة ضخ مئتي مليار دولار أميركي لدعم الأسعار، ثم أعقب ذلك خفض بسيط لقيمة الرنمنيبي التي كانت مستقرة سابقا.

وقد سخر المحللون الماليون بلا استثناء تقريباً من هذه السياسات، وانتقدوا قادة الصين بشدة لأنهم هجروا ادعاءاتهم الزائفة السابقة بشأن الإصلاحات الداعمة للسوق. وقد اعتبر يأس الحكومة الواضح دليلاً على أن الصين كانت في ورطة أكبر كثيراً مما كُشِف عنه من قبل.

وسرعان ما عمل هذا الاعتقاد على تشكيل الواقع، مع تسبب محللي السوق في طمس الفارق بين تباطؤ النمو والانهيار الاقتصادي.

ففي منتصف سبتمبر/أيلول على سبيل المثال، عندما بلغ مؤشر مديري المشتريات في القطاع الخاص نحو 47.0 نقطة، كانت النتيجة ظاهرة على طول هذه الخطوط: "فالآن يشير المؤشر إلى انكماش في قطاع التصنيع لسبعة أشهر متوالية".

سوف يكون من عجيب المفارقات أن يتبين لنا أن قادة الصين الشيوعيين يتمتعون بفهم أفضل وأعمق للتفاعلات الانعكاسية بين التمويل والاقتصاد الحقيقي، والحكومة الصينية من أشد المخلصين للسوق الحرة في الغرب

وفي واقع الأمر، كان قطاع التصنيع الصيني ينمو بمعدل 5% إلى 7% طيلة تلك الفترة، وكان الدليل المفترض خاطئاً لأن الرقم خمسين على المؤشر يمثل الخط الفاصل ليس بين النمو والركود، بل بين تسارع أو تباطؤ النمو.

وعلى مدى 19 شهراً من عمر مؤشر مديري المشتريات الذي بلغ 36 شهرا، كانت القيمة أقل من خمسين، في حين بلغ نمو قطاع التصنيع الصيني 7.5% في المتوسط.

براعة ترتيب الأولويات
وكانت المبالغات من هذا النوع سبباً في تقويض الثقة في السياسة الصينية في وقت خطير بشكل خاص. ذلك أن الصين تبحر الآن عبر انتقال اقتصادي معقد يشمل ثلاثة أهداف تتضارب أحيانا: خلق اقتصاد استهلاكي قائم على السوق، وإصلاح النظام المالي، وضمان التباطؤ المنظم الذي يتجنب الانهيار الاقتصادي الذي يصاحب عادة إعادة الهيكلة الصناعية والتحرير المالي.

وسوف تتطلب إدارة هذه الثلاثية بنجاح ترتيب الأولويات ببراعة، وسوف يصبح هذا أكثر صعوبة إذا خسر صناع السياسات في الصين ثقة المستثمرين الدوليين، أو الأهم من ذلك ثقة المواطنين والشركات الخاصة في الصين.

الواقع أن الحلقات المفرغة من عدم الاستقرار الاقتصادي، وانخفاض القيمة، وهروب رؤوس الأموال، تسببت في إسقاط أنظمة كان يبدو أنها غير قابلة للكسر على مرّ التاريخ. وربما يفسر هذا نوبة الرعب التي أعقبت خفض قيمة الرنمينبي بنسبة ضئيلة، ولكن بشكل مفاجئ تماما.

بيد أن الرنمينبي استقر مؤخرا، وتضاءل هروب رؤوس الأموال، كما يتضح من أرقام الاحتياطي الأفضل من المتوقع، التي أطلقها بنك الشعب الصيني في السابع من أكتوبر/تشرين الأول. ويشير هذا إلى أن سياسة التحول التدريجي التي تنتهجها الحكومة إلى سعر الصرف القائم على السوق ربما كان تنفيذها يتم على نحو أفضل من المعتقد عموما؛ وحتى التدابير الرامية إلى دعم سوق الأسهم تبدو الآن أقل عقماً مما كانت عليه في يوليو/تموز.

باختصار، تبدو الإدارة الاقتصادية الصينية أقل عجزاً مما كانت عليه قبل بضعة أشهر. والواقع أن الصين قادرة على تجنب الانهيار المالي الذي كان يُخشى حدوثه على نطاق واسع منذ الصيف الماضي. وإذا كان الأمر كذلك فإن اقتصادات ناشئة أخرى مرتبطة بالتصورات حول صحة الاقتصاد في الصين لا بد أن تستقر هي أيضا.

لقد تعلم العالم منذ عام 2008 إلى أي مدى من الخطورة قد تتفاعل التوقعات المالية مع الأخطاء السياسية، فتحول المشاكل الاقتصادية المتواضعة إلى كوارث كبرى، أولاً في الولايات المتحدة ثم في منطقة اليورو.

وسوف يكون من عجيب المفارقات أن يتبين لنا أن قادة الصين الشيوعيين يتمتعون بفهم أفضل وأعمق للتفاعلات الانعكاسية بين التمويل، والاقتصاد الحقيقي. والحكومة الصينية هي من أشد المخلصين للسوق الحرة في الغرب.
ـــــــــــــــــــ
كبير خبراء الاقتصاد والرئيس المشارك لمؤسسة جافيكال دراجونوميكس للبحوث (Gavekal Dragonomics)، ومؤلف كتاب "الرأسمالية 4.0، ميلاد اقتصاد جديد".

المصدر : بروجيكت سينديكيت