كارمن راينهارت

ملامح خفية ومتحولة للديون المستترة
عقبات أمام رصد ديون الاقتصادات الناشئة
قروض الصين لاقتصادات صاعدة

تجتاح البلدان الصاعدة أعراض لتزايد الهشاشة الاقتصادية، فقد ولت الأيام التي كانت تهيمن فيها على اجتماعات صندوق النقد الدولي مشاكل الاقتصادات المتقدمة، والتي تجاهد للتعافي من الأزمة المالية العالمية للعام 2008، وتحول النقاش الآن نحو الاقتصادات الصاعدة التي تواجه خطر أزمات مالية خاصة بها.

ورغم أننا لن نجد تطابقا بين أي أزمتين ماليتين فإنها تميل جميعها إلى الاشتراك في بعض الأعراض البارزة، ومنها تباطؤ كبير في النمو الاقتصادي والصادرات، وتراجع الطفرة في أسعار الأصول، ونمو عجز الحساب الجاري والعجز المالي، وارتفاع مستويات الاستدانة، وانخفاض تدفقات رأس المال إلى الداخل أو هجرته إلى الخارج. والحقيقة أن كل هذه الأعراض ظاهرة في الاقتصادات الناشئة بدرجات متفاوتة.

كانت نقطة التحول في العام 2013 عندما تسببت التوقعات برفع سعر الفائدة في الولايات المتحدة وهبوط أسعار السلع الأساسية العالمية في إنهاء طفرة تدفق رأس المال التي استمرت لسنوات عديدة وأسهمت في دعم نمو الاقتصادات الناشئة. وكان التباطؤ في الصين مؤخرا سببا في تفاقم دورة الانكماش في مختلف أنحاء الدول الصاعدة من خلال تأجيج الاضطرابات في أسواق رأس المال العالمية، وانخفاض مطرد لأسعار السلع الأساسية.

ورغم صعوبة التصدي لهذه التحديات فإنها بارزة للعيان ويسهل تمييزها، ولكن الاقتصادات الناشئة ربما تشهد أيضا عَرَضا مشتركا آخر يمهد لأزمة وشيكة ومن الصعب كثيرا اكتشافه وقياسه، وهو الديون المستترة.

الديون المستترة التي ترتبط أحيانا بالكسب غير المشروع لا تظهر عادة في الموازنات العمومية أو قواعد البيانات المعتادة. وتتبدل ملامح هذه الديون المستترة من أزمة إلى التي تليها كما تتبدل ملامح الفاعلين المشاركين في خلق تلك الديون

ملامح خفية ومتحولة للديون المستترة
إن الديون المستترة التي ترتبط أحيانا بالكسب غير المشروع لا تظهر عادة في الموازنات العمومية أو قواعد البيانات المعتادة. وتتبدل ملامح هذه الديون المستترة من أزمة إلى التي تليها، كما تتبدل ملامح الفاعلين المشاركين في خلق تلك الديون، ونتيجة لهذا فإنها لا تكتشف غالبا إلا بعد فوات الأوان.

والواقع أن العالم لم يكتشف أن البنوك الخاصة في المكسيك خاضت قدرا كبيرا من المخاطر المرتبطة بالعملة عن طريق الاقتراض خارج الموازنة العمومية (المشتقات المالية) إلا بعد اندلاع أزمة العملة المكسيكية البيزو في الفترة 1994/1995.

وعلى نحو مماثل كان صندوق النقد الدولي والأسواق المالية غافلين قبل نشوء الأزمة المالية الآسيوية في العام 1997 عن حقيقة مفادها أن الاحتياطي النقدي للبنك المركزي التايلندي كادت تنفد تماما، إذ كانت الأرقام الواردة في التقارير تتحدث عن احتياطي بقيمة 33 مليار دولار، ولكنه لا يشمل الالتزامات المتعلقة بالعقود الآجلة، وهو ما يجعل صافي الاحتياطي لا يتجاوز مليار دولار تقريبا.

وقبل اندلاع أزمة اليونان في العام 2010 كان يعتقد أن عجز الموازنة وأعباء الديون في هذه البلاد أقل كثيرا من الواقع، وذلك بفضل استخدام المشتقات المالية والمحاسبة المبدعة التي قامت بها حكومة أثينا.

عقبات أمام رصد ديون الاقتصادات الناشئة
وبالتالي فإن السؤال الأكبر اليوم هو أين تختبئ ديون الاقتصادات الناشئة. إنه لمن المؤسف أن العقبات التي تحول دون كشفها كبيرة، بدءا من عدم شفافية معاملات الصين المالية مع الاقتصادات الناشئة الأخرى على مدى العقد الماضي.

ففي فترة ازدهار البنية الأساسية المحلية، قامت بكين بتمويل مشروعات كبرى -ارتبطت غالبا بالتعدين والطاقة والبنية الأساسية- في اقتصادات ناشئة أخرى. ولأن الإقراض كان مقوما في الأساس بالعملة الأميركية فقد كان معرضا لمخاطر العملة، وهو ما يضيف بُعدا آخر لضعف الموازنات العامة في الاقتصادات الناشئة.

ولكن حجم هذا الإقراض غير معلوم إلى حد كبير، لأن قسما كبيرا منه جاء من البنوك التنموية في الصين، التي هي غير مدرجة في البيانات التي يجمعها بنك التسويات الدولية (المصدر العالمي الرئيسي لهذه المعلومات). ولأن القروض كانت نادرا ما تصدر على شكل أوراق مالية في أسواق المال الدولية فإنها غير مدرجة في قاعدة بيانات البنك الدولي أيضا.

وحتى عندما توجد البيانات لا بد من تفسيرها بحذر، وعلى سبيل المثال، من الممكن أن تزودنا البيانات التي جمعت على أساس كل مشروع على حِدة بواسطة مبادرة الحوكمة الاقتصادية العالمية والحوار بين البلدان الأميركية ببعض التصور عن القروض التي قدمتها الصين للعديد من اقتصادات أميركا اللاتينية.

حجم قروض الصين لاقتصادات ناشئة أخرى غير معلوم إلى حد كبير، لأن قسما كبيرا منه جاء من البنوك التنموية في الصين والتي هي غير مدرجة في البيانات التي يجمعها بنك التسويات الدولية ولا في بيانات البنك الدولي

قروض الصين لاقتصادات صاعدة
ويبدو أنه في الفترة من 2009 إلى 2014 بلغ إجمالي قروض الصين لفنزويلا قرابة 18% من الناتج المحلي الإجمالي، كما حصلت إكوادور على قروض صينية تجاوزت 10% من ناتجها المحلي الإجمالي. وكانت القروض الصينية للبرازيل أقرب إلى 1% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين كان حجم إقراض الصين للمكسيك ضئيلا نسبيا.

ويتضح من مدفوعات أقساط الديون أنه ربما لم ترق هذه المدفوعات إلى مستوى الخطط الأصلية، وهو ما يعني أن ديون هذه البلدان المستحقة للصين أقل من التقديرات. وبدلا من ذلك -وهو الأمر الأرجح- فإن البيانات قد لا تتضمن بعض المشروعات أو المُقرضين أو المقترضين، وهو ما يفسر بكون الديون ربما تكون أعلى كثيرا.

فضلا عن ذلك، فإن أشكال الاقتراض الأخرى -مثل تمويل التجارة الذي تكون آجال سداد قروضه قصيرة- غير مدرجة في البيانات المذكورة، ولا بد أيضا أن تضاف إلى هذه الأرقام اتفاقيات التعامل بالعملات المحلية، التي كانت هامة للبرازيل والأرجنتين. (ويسلط هذا الأمر الضوء على أهمية تتبع حجم الاحتياطيات النقدية الصافية وليس الإجمالية).

باختصار، فرغم أن ديون الاقتصادات الصاعدة تبدو في مستويات معتدلة إلى حد كبير بالمقاييس التاريخية، من المرجح أن تكون تقديراتها أقل من حقيقتها، وربما بفارق كبير. وإذا كان الأمر كذلك فإن حجم النزوح المستمر لرؤوس الأموال من الأسواق الناشئة حاليا ربما يكون أكبر مما يعتقد، بل وقد يكون كبيرا بالقدر الكافي لإحداث أزمة. وفي هذا السياق فإن تتبع الارتباطات المالية المبهمة والمتطورة باستمرار يصبح الآن أكثر أهمية من أي وقت مضى.
ـــــــــــــ
أستاذ النظام المالي الدولي في كلية كينيدي للإدارة الحكومية بجامعة هارفرد

المصدر : بروجيكت سينديكيت