نانسي بيردسال

انحياز أكثر للفكرة المؤسِسة
أولوية الاستثمار بالمنافع العامة
أميركا وتغيير دور البنك

يجتمع وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية وخبراء التنمية الاقتصادية في العاصمة البيروفية ليما في إطار الاجتماعات السنوية لـ البنك الدولي، إذ ينتظر أن تتركز المناقشة على الكيفية التي يمكن بها التوفيق بين أجندة هذه المؤسسة والمتغيرات في عالمنا.

ويمثل عقد هذا الحدث في دولة نامية تحولا محمودا عن الموقع المعتاد لهذه الاجتماعات في واشنطن. ويتعين الآن على البنك أن ينفذ تحولات أخرى مهمة من قبيل إعادة صياغة مهمته والاضطلاع بمهام جديدة، كما ينبغي لأكبر المساهمين في البنك متمثلا في الولايات المتحدة أن يعيد النظر في دورها في المنظمة المالية الدولية.

ولا شك في أن المهمة التي يضطلع بها البنك حاليا -وهي القضاء على الفقر المدقع وتعزيز الرخاء المشترك- بالغة الأهمية، ولكن بإمكان البنك أن يقوم بعمل أعظم عبر إعادة صياغة هذه المهمة في اتجاه تعزيز دعمه للمساعي التي تبذلها الحكومات الأعضاء بالبنك لتحقيق النمو الشامل والمستدام.

ومن شأن هذا النهج أن يعكس ويعزز أهداف التنمية المستدامة التي تم اعتمادها مؤخرا، والتي ستوجه جهود التنمية العالمية إلى غاية العام 2030. وبعيدا عن استبعاد الهدف الحالي المتمثل في إنهاء الفقر، فإن تلك الجهود سوف تعتمد على الحد من الفقر كنتيجة لبناء مجتمعات مستقرة ومزدهرة، إذ يتمكن المواطنون عن طريق الضرائب من خلق دول مقتدرة ومستجيبة وتحترم المعايير والقواعد العالمية المتفق عليها.

الواقع أن إعادة صياغة دور البنك الدولي ستجعل المهمة التي يضطلع بها أكثر انحيازا لرؤية مؤسسيه الأصلية، والمتمثلة في إقامة تعاونية ائتمانية عالمية تنتج الفوائد لجميع الأعضاء عن طريق العمل الجماعي

انحياز أكثر للفكرة المؤسِسة
والواقع أن هذه المهمة -بعد إعادة صياغتها- تجعل البنك الدولي أكثر انحيازا لرؤية مؤسسيه الأصلية المتمثلة في إقامة "تعاونية ائتمانية عالمية" تنتج الفوائد لجميع الأعضاء عن طريق العمل الجماعي. وقد استندت هذه الرؤية إلى فكرة بسيطة ومتألقة هي الاقتراض في ظل رأس المال الآمن لدى الأعضاء الدائنين (في ذلك الوقت كان الأمر يتعلق أساسا بالولايات المتحدة)، وإقراض البلدان الأعضاء حيثما كان رأس المال الاستثماري نادرا والعائد مرتفعا.

وقد استفادت هذه الفكرة من عوامل خارجية إيجابية مرتبطة بانخفاض كلفة الاقتراض إلى الحد الذي تمليه المجازفة الائتمانية التي يخوضها أي دائن منفرد. وستكون العودة إلى هذه الديناميكية الأصلية مفيدة للجميع، سواء البلدان الدائنة (التي ستستفيد من نظام عالمي أكثر استقرارا) أو المقترضين (الذين ستحقق اقتصاداتهم نموا أسرع فضلا عن الحد من الفقر).

وإضافة إلى ذلك، فإن إعادة صياغة مهمة البنك الدولي على هذا النحو تيسر استغلال الميزة النسبية التي يتمتع بها البنك بالمقارنة مع العشرات من وكالات العون الثنائية والمئات من المنظمات غير الحكومية التي تعمل في البلدان النامية. وهذا كفيل بجعل مشاركة البنك قيمة بشكل خاص.

ويتمتع البنك الدولي بالمعرفة والخبرة في قطاعات متنوعة مثل البنية الأساسية والزراعة والصحة والتعليم ومعاشات التقاعد والتنظيم المالي. كما أنه يتمتع بالقدرة على تنفيذ مجموعة متنوعة من أدوات التمويل، وتقاسم المخاطر في دعم الاستثمارات الخاصة والعامة. كما يحظى موظفوه بخبرة لا مثيل لها بشأن كل بلد على حدة، بما في ذلك النظرة الثاقبة في السياسة المحلية الصعبة التي تحول أحيانا دون تنفيذ الإصلاحات المطلوبة لضمان العائد على الاستثمار.

وفي إطار تكييف مهمته بحيث تتوافق مع القرن الحادي والعشرين، ينبغي للبنك الدولي أن يتولى أيضا المسؤولية عن توفير المنافع العامة العالمية المرتبطة بالتنمية. واليوم تتخذ أكبر المخاطر التي تهدد المجتمعات المستقرة المزدهرة طابعا عالميا، ومن هذه المخاطر استمرار تغير المناخ بلا هوادة، والأوبئة المميتة، وارتفاع مستويات مقاومة مضادات الميكروبات، وبالتالي تحتاج هذه المخاطر إلى مواجهة جماعية.

أولوية الاستثمار بالمنافع العامة
وعلى الرغم من أن عائدات الاستثمار في المنافع العامة العالمية المرتبطة بالتنمية مرتفعة فإنها تظل محدودة تبعا لقدرات كل بلد، فإن هذا المجال هو الميدان المثالي الذي ينبغي للبنك الدولي التركيز عليه باعتباره مؤسسة تعاونية عالمية.

على البنك العمل بصفته محركا أساسيا للنهوض بالاستثمارات الكفيلة بتشجيع الاستدامة البيئية، ودعم البحوث في مجالات الزراعة والصحة والطاقة النظيفة، وجمع وتحليل البيانات الاقتصادية والاجتماعية

وبصفة أكثر تحديدا، على البنك الدولي العمل بصفته محركا أساسيا للنهوض بالاستثمارات الكفيلة بتشجيع الاستدامة البيئية، ودعم البحوث في مجالات الزراعة والصحة والطاقة النظيفة، وجمع وتحليل البيانات الاقتصادية والاجتماعية.

وبكل تأكيد، لا يتوجب على البنك بالضرورة تولي مسؤولية توفير كل هذه المنافع العامة، ولكنه قادر أيضا على المساعدة عن طريق ترتيب الأولويات، وجمع وتوجيه الأموال، وتقييم التأثير المترتب عن الاستثمارات ذات الصلة.

ولتحقيق النجاح، فإن المطلوب من البنك هو توسيع مجموع أدواته إلى ما هو أبعد من منح القروض لكل بلد، وقد كانت هذه الأخيرة هي الأداة الرئيسية التي اعتمد عليها طيلة سبعين عاما. ومن أجل توسيع أدواته، تحتاج هذه المؤسسة إلى تفويض واضح من البلدان الأعضاء، وإلى أدوات جديدة للمساعدة المالية والفنية الموجهة نحو توفير المنافع العامة العالمية المرتبطة بالتنمية.

أميركا وتغيير دور البنك
ويتوقف التحول الداخلي الكامل الذي يجب أن يحدث في البنك على بلد عضو واحد هو الولايات المتحدة. ففي نصف القرن الأخير كانت أميركا راعية جيدة للاستقرار الدولي، فكانت أشبه بمشاغب محمود يعمل على تحقيق المصلحة الجماعية.

ولكن في الوقت الذي تظل فيه الولايات المتحدة قوة اقتصادية وعسكرية عظمى فإن بلدان أخرى تلحق بها بسرعة. ويبدو أن أميركا غير راغبة في إفساح المجال لهذه البلدان، وهي الحقيقة التي تدلل عليها مقاومتها لتأسيس البنك الآسيوي للاستثمار في البنية الأساسية بقيادة الصين.

ويتعين على واشنطن أن تدرك أنه رغم كونها لا تزال قوية عالميا، فإنها لابد أن تقود الآن بالاستعانة بقدر أعظم من التأثير والإقناع، مع الإقلال من التشبث بالقواعد والعادات التي وضعت قبل سبعين عاما عندما كانت -من الناحية العملية- هي الدولة الدائنة الوحيدة التي تدعم إنشاء مؤسسات مالية دولية جديدة.

ولا بد أن تكون النقاشات في ليما هذا الأسبوع حول صحة الاقتصاد الصيني، والجدول الزمني لرفع سعر الفائدة من لدن بنك الاحتياطي الفدرالي الأميركي، مصحوبة بمناقشة حقيقية إزاء مدى الحاجة إلى هذه التحولات. وسيكون البنك الدولي في موقع رائد في الدفع بعجلة نوعية التنمية التي يحتاج إليها العالم حاليا إذا تمت إعادة صياغة مهمته وفق أجندة محدثة ومقاربة أكثر شمولا من لدن أميركا.
ـــــــــــــ
الرئيسة المؤسِّسة لمركز التنمية العالمية

المصدر : بروجيكت سينديكيت