صباح نعوش*

الاستقلال الطاقي بالحطب

 تعادل الإنتاج والاستهلاك

مزايا التدفئة بالحطب

تحت تأثير سياسات الطاقة وانتشار الغابات في الدول الأوروبية، تسهم التدفئة بالخشب المتميزة برخصها في تنمية الطاقة المتجددة، وبالتالي في تقليص التبعية للخارج.

استقلال الطاقة بالحطب
يعاني الاتحاد الأوروبي من أزمة حادة تتمثل في تبعية الطاقة البالغة 53,4%، أي أنه يستورد أكثر من نصف حاجاته. كما يشكو من مشكلة التلوث البيئي، ولذلك ارتبط ببروتوكول كيوتو الذي يدعو إلى بذل الجهود في سبيل تقليص نفث الغازات المضرة. لذلك تقوم السياسات الأوروبية الجماعية والحكومية والمحلية على تخفيض استهلاك النفط والغاز الطبيعي وتنمية الطاقة المتجددة.

الاتحاد الأوروبي أحرز تقدما في زيادة مساهمة الطاقة المتجددة في الاستهلاك الكلي للطاقة، وتعود هذه النتيجة إلى مكانة الخشب في هيكل هذه الطاقة

وفي هذا الصدد، صدر عن الاتحاد الأوروبي التوجيه رقم 28 لسنة 2009 الذي وضع نسبة عامة مستهدفة للطاقة المتجددة قدرها 20% من الاستهلاك الكلي للطاقة بحلول عام 2020.

على الصعيد الواقعي، قطعت دول الاتحاد شوطا كبيرا فبلغت النسبة المتحققة 12,5% في عام 2010، وارتفعت تدريجيا حتى وصلت إلى 14,1% في عام 2013.

وإلى جانب هذه النسبة العامة، وضع الملحق الأول المرفق بالتوجيه نسبا مستهدفة تختلف حسب كل حالة دولة وموافقتها. ففي السويد بلغ الاستهداف 49% من حجم الاستهلاك الكلي للطاقة، وهبط في البلدان الأخرى ليصل إلى 10% في مالطا.

على الصعيد العملي، وحسب إحصاءات المفوضية الأوروبية (يوروستات) استطاعت بعض الدول الحصول على نتائج إيجابية باهرة، خاصة السويد وبلغاريا وإستونيا، حيث وصلت النسب المتحققة فعلا في عام 2013 إلى أعلى من النسب المستهدفة.

وحققت دول أخرى نتائج قريبة من النسب المستهدفة كفنلندا وألمانيا والدانمارك والنمسا. ولكن لا تزال دول أخرى متأخرة في هذا الميدان كبريطانيا وهولندا. وفشلت مالطا فشلا ذريعا في هذا الميدان لأنها لم تحقق سوى 1,4%.

وبصورة عامة، أحرز الاتحاد الأوروبي تقدما في زيادة مساهمة الطاقة المتجددة في الاستهلاك الكلي للطاقة، وتعود هذه النتيجة إلى مكانة الخشب في هيكل هذه الطاقة. ففي ألمانيا تبلغ مساهمة الخشب 7,3% من الاستهلاك الكلي للطاقة و61,0% من استهلاك الطاقة المتجددة. وترتفع النسبتان في السويد وفنلندا وسلوفينيا، لكن استخدام الخشب في التدفئة لا يزال ضعيفا في بريطانيا وهولندا ومالطا لعدة أسباب في مقدمتها افتقارها للغابات الأمر الذي يفضي إلى مساهمة متدنية للطاقة المتجددة ويفسر في الوقت نفسه عدم قدرتها على تحقيق نسبها المستهدفة.

انطلاقا من هذه المعطيات، يمكن الخروج بالنتيجة التالية: باستثناء الطاقة النووية لتوليد الكهرباء، لا توجد في الاتحاد الأوروبي وسيلة إنتاجية فاعلة لتقليص التبعية الطاقية سوى الحطب.

تعادل الإنتاج والاستهلاك
تبلغ مساحة غابات الاتحاد الأوروبي 160 مليون هكتار (1,6 مليون كيلومتر مربع)، أي 3,9% من الغابات في العالم و38,0% من المساحة الكلية للاتحاد. وتحتل السويد المرتبة الأوروبية الأولى من حيث مساحة غاباتها البالغة 28,2 مليون هكتار، تليها فنلندا وإسبانيا ثم فرنسا فألمانيا وإيطاليا.

الاتحاد الأوروبي ينتج 330 مليون متر مكعب من الخشب سنويا وتستخدم في ثلاثة مجالات هي البناء العقاري وصناعة الأثاث والطاقة. وفي هذا المجال الأخير يجد الخشب استخدامين أساسيين له هما توليد الطاقة الكهربائية والتدفئة

لا توجد إذًا دولة أوروبية تستحوذ على حصة الأسد، وذلك على عكس الوضع في العالم العربي. فلا تمثل غابات السويد سوى 17,6% من مساحة الغابات الأوروبية، في حين أن مساحة الغابات في السودان البالغة 66,3 مليون هكتار تعادل 69,7% من مساحة الغابات العربية. ويقع ثلثا الغابات السودانية في جنوب البلاد المنفصل الذي لم ينتم بعد إلى جامعة الدول العربية.

ينتج الاتحاد الأوروبي 330 مليون متر مكعب من الخشب سنويا وتستخدم في ثلاثة مجالات هي البناء العقاري وصناعة الأثاث والطاقة. وفي هذا المجال الأخير يجد الخشب استخدامين أساسيين له هما توليد الطاقة الكهربائية والتدفئة. وينتج الاتحاد الأوروبي 86 مليون متر مكعب من الخشب للتدفئة أي 26% من الإنتاج الكلي.

ويعادل إنتاج خشب الطاقة الاستهلاك تقريبا. فالخشب بصورته الأولية المخصص للتدفئة لا ينتقل من دولة إلى أخرى وذلك على خلاف خشب الاستخدامات الأخرى. بمعنى آخر أن التجارة الخارجية والبينية للحطب منعدمة. ويعود السبب الأساس إلى كلفة النقل، إضافة إلى ذلك أن خشب التدفئة لا ينقل إلا نادرا من الريف إلى المدينة المكتظة بالسكان بسبب مشاكل الدخان والتخزين. لذلك غالبا ما تستخدم التدفئة بالحطب في المناطق الريفية المنتجة. وعلى هذا الأساس يكثر استخدام هذا النمط في فرنسا وألمانيا ورومانيا حيث يمثل سكان الريف فيها 23% و26% و47% من مجموع السكان على التوالي، في حين يقل استخدامه في بريطانيا التي لا يتجاوز سكان الريف فيها 10% وفي بلجيكا التي يقل سكان الريف فيها عن 3% (أرقام منظمة الفاو).

ولكن لابد من مراعاة الاعتبارات الأخرى المتعلقة بالسياسة الطاقية المتبعة واختلاف درجات الحرارة. فعلى سبيل المثال كل خمسة أشخاص في السويد يستهلكون سنويا ثلاثة أمتار مكعبة من الحطب للتدفئة، في حين أن 150 شخصا يستهلكون هذه الكمية في إسبانيا، علما بأن نسبة سكان الريف في السويد أقل من مثيلتها في إسبانيا.

تحتل فرنسا المرتبة الأوروبية الأولى من حيث استهلاك الحطب للتدفئة البالغ 28,7 مليون متر مكعب، أي ثلث استهلاك الاتحاد الأوروبي تليها حسب الأهمية ألمانيا وإيطاليا والسويد والنمسا وفنلندا ورومانيا.

فرنسا تحتل المرتبة الأوروبية الأولى من حيث استهلاك الحطب للتدفئة البالغ 28,7 مليون متر مكعب، أي ثلث استهلاك الاتحاد الأوروبي تليها حسب الأهمية ألمانيا وإيطاليا والسويد والنمسا وفنلندا ورومانيا

وتستهلك هذه الدول السبع 63,9 مليون متر مكعب، أي ثلاثة أرباع الاستهلاك في الاتحاد الأوروبي المتكون من 28 بلدا. وينطبق هذا الوصف على الإنتاج أيضا لأنه يعادل الاستهلاك كما رأينا.

بعد قطع الشجرة مباشرة يحتوي الخشب على رطوبة تتراوح بين 50% و60%. ومن المعلوم أن الطاقة الحرارية ترتفع كلما هبطت الرطوبة. فعندما تكون رطوبة الخشب 60% ينتج الكيلوغرام الواحد منه طاقة حرارية تعادل 1,7 كيلووات/ساعة. وعندما تنخفض إلى 20% ترتفع الطاقة إلى 4,0 كيلوواتات/ساعة. لذلك تقطع الشجرة طولا وعرضا ويعرض الخشب للهواء وأشعة الشمس لمدة سنتين تقريبا.

والحطب بهذه الصورة الأولية يستخدم عادة في أجهزة التدفئة الحديدية ونادرا في المدافئ الحجرية. لأن المردود الحراري للأجهزة الحديثة يصل إلى 80% ولا تتسرب منها الغازات، في حين أن المردود الحراري للمدافئ الحجرية لا يزيد على 15% وتضيع النسبة الأخرى مع الدخان، ناهيك عن خطورتها بسبب الغازات والحرائق.

لهذا السبب يرتفع عدد الأجهزة الحديثة وينخفض عدد المدافئ الحجرية في جميع الدول الأوروبية.

ففي فرنسا هنالك 5,6 ملايين منزل تعتمد اعتمادا كليا على التدفئة بالحطب، من بينها 4,6 ملايين مجهزة بأجهزة حديثة ومليون يستخدم المدافئ الحجرية. وفي أغلب الأحيان يتمسك أصحاب المنازل بالمدافئ الحجرية لأغراض تتعلق بالديكور وتصميم المنزل.

مزايا التدفئة بالحطب
تشير الدراسات إلى أن كمية ثاني أكسيد الكربون الناجم عن احتراق الحطب هي الكمية نفسها التي اختزنتها الشجرة أثناء نموها. وبالتالي، فإن التدفئة بالحطب لا تزيد من هذا الغاز، بل إن الشجرة وإن لم تستغل بالتدفئة ستعيد بعد موتها هذه الكمية إلى الخارج. لكن التدفئة بالحطب ليست حيادية إلى هذه الدرجة إذ ينجم عنها غازات أخرى كأكسيد النيتروجين وثاني أكسيد الكبريت.

تشير الدراسات إلى أن كمية ثاني أكسيد الكربون الناجم عن احتراق الحطب هي الكمية نفسها التي اختزنتها الشجرة أثناء نموها. وبالتالي فإن التدفئة بالحطب لا تزيد من هذا الغاز

ومن المعلوم أن النفط والغاز الطبيعي والفحم الحجري تتناقص بالاستهلاك ولا تعوض بل تنضب. أما طاقة الخشب فهي متجددة لكنها تختلف عن الطاقة الشمسية التي لا تهبط بالاستخدام. بمعنى آخر، حتى تكون طاقة الخشب متجددة لابد من العناية بالزراعة خاصة التشجير، وهذا ما يفعله الأوروبيون. ولذلك تزداد مساحة الغابات سنويا في الاتحاد الأوروبي بنسبة 0,5% منذ عشرين سنة. ويقود هذا الوضع إلى زيادة الإنتاج فتتقلص التبعية الطاقية.

أما من الناحية المالية فقد أدت التدفئة بالحطب إلى توفير أموال لا يستهان بها يمكن تقديرها على النحو التالي: بما أن الاتحاد الأوروبي يستهلك 68 مليون طن مكافئ نفط من الحطب للتدفئة فإن هذا الاستهلاك السنوي البديل عن المنتجات النفطية يوفر للموازين التجارية الأوروبية 28,4 مليار دولار (أجرينا هذا الحساب التقريبي وفق سعر برميل برنت عند تحرير هذه السطور). أما عندما كان سعر البرميل في السنوات القليلة الماضية 120 دولارا فإن المبلغ السنوي المقتصد 59,5 مليار دولار.

إن المكسب المالي للتدفئة بالحطب الذي يشكل خسارة غير مباشرة للبلدان المصدرة للنفط والغاز الطبيعي سوف يرتفع في المستقبل حتى وإن بقي سعر المحروقات منخفضا، وذلك بسبب السياسة الطاقية الأوروبية التي تدعو إلى ضرورة تنمية الطاقة المتجددة وفي مقدمتها طاقة الخشب.

وللتدفئة بالحطب دور في استغلال الموارد المنتجة في أوروبا التي تسهم في تشغيل العمال خاصة غير المهرة منهم. كما يقود هذا النشاط الزراعي إلى تطوير صناعة أجهزة التدفئة الحديثة، ويترتب على هذا وذاك زيادة القيمة المضافة في جميع الميادين.

ومن زاوية أخرى، تقدم دول أوروبية تحت شروط محددة مساعدات مالية مجانية لمن اختار التدفئة بالحطب سواء كانت فردية أم جماعية.

بما أن الاتحاد الأوروبي يستهلك 68 مليون طن مكافئ نفط من الحطب للتدفئة فإن هذا الاستهلاك السنوي البديل عن المنتجات النفطية يوفر للموازين التجارية الأوروبية 28,4 مليار دولار

ففي فرنسا مثلا، تبلغ المساعدات 40% من سعر أجهزة التدفئة. وتهدف هذه المساعدات إلى تشجيع الانتقال من الوقود المنزلي أو الغاز الطبيعي أو الكهرباء إلى الحطب. ولهذه المنح انعكاسات اقتصادية تتجلى بإعانة مستخدمي التدفئة بالحطب بغض النظر عن مستوى دخولهم وبخلق فرص عمل جديدة للمؤسسات المختصة بنصب الأجهزة. كما تقود إلى تنمية الطاقة المتجددة فتنخفض التبعية الطاقية. وتسهم المساعدات في التقدم التكنولوجي لأنها تقرر للأجهزة ذات المردود الحراري المرتفع.

والميزة الرئيسة للتدفئة بالحطب رخصها مقابل المصادر الأخرى للطاقة. ويرجع ذلك إلى توفر الخشب بكميات كبيرة في أغلب الدول الأوروبية. كما تخضع مبيعاته لعبء ضريبي منخفض قياسا بمصادر الطاقة الأخرى غير المتجددة.

وستحتفظ التدفئة بالحطب قياسا بالمصادر الأخرى بكلفتها المنخفضة في الاتحاد الأوروبي وإن استمرت أسعار النفط الخام في الهبوط مستقبلا، لأن العبرة ليست بهذه الأسعار بل بأسعار الاستهلاك النهائي للمنتجات النفطية المثقلة بالضرائب غير المباشرة.

لكن رخص هذه التدفئة يستوجب أربعة شروط:
الشرط الأول أن يكون الخشب بصورته الأولية. أما حبات نشارة الخشب المضغوطة فإن أسعارها مرتفعة ولا تتناسب إطلاقا مع ارتفاع مقدرتها الحرارية. فإذا كان سعر طن الحطب 84 يورو (وفق الأسعار السائدة في وسط فرنسا) فإن سعر هذه الحبات يصل إلى 346 يورو للطن، أي بزيادة قدرها 311% في حين أن مردودها الحراري (4,6 كيلوواتات/ساعة للكيلوغرام الواحد) لا يزيد إلا بمقدار 15% مقارنة بالحطب.

والشرط الثاني أن لا تزيد رطوبة الخشب على 20%. أما إذا كانت رطوبته 60% مثلا فإن التدفئة بالخشب تصبح في أغلب البلدان الأوروبية أغلى من التدفئة بالمنتجات النفطية.

التدفئة في الاتحاد الأوروبي تعتمد بالدرجة الأولى على الغاز الطبيعي والوقود المنزلي، لكن ضرورات الاستقلال في الطاقة وتوفر الخشب بكميات كبيرة والرغبة في المحافظة على سلامة البيئة عوامل تجعل من الحطب مصدرا مهما لتوليد الطاقة الحرارية

والشرط الثالث يتناول التدفئة بأجهزة حديثة. وتشير الدراسات إلى أن الطاقة الحرارية للمتر المكعب الواحد من الحطب المستخدم في الأجهزة الحديثة تفوق الطاقة المتولدة من خمسة أمتار مكعبة مستخدمة في المدافئ الحجرية، أي أن كلفة التدفئة بهذه المدافئ تعادل تقريبا كلفة التدفئة بالكهرباء وهو أغلى مصادر الطاقة في أوروبا.

أما الشرط الرابع فهو استهلاك الحطب في مناطق إنتاجه، إذ يقود النقل لمسافات بعيدة إلى رفع أسعاره. وفي أغلب الحالات تصبح كلفة النقل مساوية تقريبا لسعر الحطب إذا تجاوزت المسافة ثلاثمائة كيلومتر.

إذا توفرت هذه الشروط، تصبح التدفئة بالحطب رخيصة لا تنافسها سوى الطاقة الشمسية المجانية. علما بأن أجهزة التدفئة بهذه الطاقة لا تزال مرتفعة ناهيك عن ضعف أشعة الشمس في الكثير من المناطق الأوروبية في فصل الشتاء.

لاشك أن التدفئة في الاتحاد الأوروبي تعتمد بالدرجة الأولى على الغاز الطبيعي والوقود المنزلي، لكن ضرورات الاستقلال في الطاقة وتوفر الخشب بكميات كبيرة وتراجع الرغبة في تنمية الطاقة النووية وضعف الطاقة الشمسية والمحافظة على سلامة البيئة عوامل تجعل من الحطب مصدرا مهما لتوليد الطاقة الحرارية.

_____________

* باحث اقتصادي عراقي

المصدر : الجزيرة