مايكل سبنس*

المضاعفات المالية
الحكومة
استجابة

لقد نشأ نمط ملحوظ منذ اندلعت الأزمة المالية العالمية في عام 2008، فقد اضطرت الحكومات والبنوك المركزية والمؤسسات المالية الدولية إلى تعديل توقعات النمو نزولا بشكل مستمر، وباستثناءات قليلة للغاية كان هذا صحيحا مع التوقعات بالنسبة للاقتصاد العالمي والبلدان على حد سواء.

وهو النمط الذي تسبب في ضرر حقيقي، لأن التوقعات المفرطة في التفاؤل تعمل على تأخير التدابير اللازمة لتعزيز النمو، وبالتالي عرقلة التعافي الاقتصادي الكامل، ويحتاج المتنبئون إلى التعامل مع الأخطاء التي وقعت، ومن حسن الحظ أن بعض القطع المفقودة أصبحت موضع تركيز واضح مع استطالة تجربة ما بعد الأزمة، وقد حددت خمسا من هذه القطع.

فأولا، كانت القدرة على التدخل المالي -على الأقل بين الاقتصادات المتقدمة- غير مستغلة بالقدر الكافي، وكما زعم نائب وزير الخزانة الأميركي السابق فرانك نيومان في كتابه الأخير "التحرر من الديون الوطنية" فإن تقييم قدرة أي دولة على التدخل المالي يتم من خلال دراسة ميزانيتها الإجمالية بشكل أفضل من الطريقة التقليدية المتمثلة في المقارنة بين ديونها (المطلوبات) وناتجها المحلي الإجمالي (التدفق).

كان الاعتماد على الطريقة التقليدية سببا في ضياع الفرص، خاصة أن الاستثمار في القطاع العام الإنتاجي قادر على تغطية تكاليفه وزيادة، فالاستثمارات في البنية الأساسية والتعليم والتكنولوجيا تساعد على دفع عجلة النمو الطويل الأجل، كما تعمل على زيادة القدرة التنافسية وتسهيل الإبداع والابتكار وتعزيز عائدات القطاع الخاص، وتوليد النمو وفرص العمل، ولا يتطلب الأمر قدرا كبيرا من النمو للتعويض حتى عن الاستثمارات الكبيرة، خاصة في ظل تكاليف الاقتراض المنخفضة الحالية.

الاعتماد على الطريقة التقليدية كان سببا في ضياع الفرص، خاصة أن الاستثمار في القطاع العام الإنتاجي قادر على تغطية تكاليفه

المضاعفات المالية
وقد أشارت أبحاث صندوق النقد الدولي إلى أن هذه المضاعفات المالية -العامل الثاني الذي تجاهله المتنبئون- تتباين وفقا للظروف الاقتصادية الأساسية، وفي الاقتصادات التي لديها قدرة زائدة -بما في ذلك رأس المال البشري- ودرجة عالية من المرونة البنيوية تصبح المضاعفات أكبر مما كان متصورا في السابق.

ففي الولايات المتحدة -على سبيل المثال- ساهمت المرونة البنيوية في تحقيق التعافي الاقتصادي وساعدت البلاد على التكيف مع التغيرات التكنولوجية الطويلة الأجل وقوى السوق العالمي، وفي أوروبا على النقيض من ذلك يواجه التغيير البنيوي مقاومة شديدة.

وقد يظل التحفيز المالي في أوروبا مبررا، لكن الجمود البنيوي يعمل على الحد من تأثيره على النمو في الأمد البعيد، وسوف يكون تبرير التدخلات المالية في أوروبا أكثر سهولة إذا كانت مصحوبة بإصلاحات للاقتصاد الجزئي تستهدف زيادة المرونة.

وتتمثل القطعة الثالثة المفقودة في لغز التوقعات في التفاوت بين سلوك الأسواق المالية وسلوك الاقتصاد الحقيقي، وبالحكم من خلال أسعار الأصول فقط لا بد أن يستنتج المرء أن النمو في ازدهار، ومن الواضح أن هذا غير صحيح.

وتعد السياسة النقدية المفرطة في التساهل عاملا رئيسيا مساهما في هذا التباين، إذ كان من المفترض أن تعمل من خلال إغراق الأسواق المالية بالسيولة على تعزيز النمو، ولكن يظل من غير الواضح ما إذا كانت أسعار الأصول المرتفعة تدعم الطلب الكلي أم أنها تعمل في الأساس على تحويل عملية توزيع الثروة، ومن غير الواضح بالقدر نفسه ما الذي قد يحدث لأسعار الأصول عندما يتم سحب المساعدات النقدية.

في السنوات الأخيرة كانت الأمثلة وفيرة على الحكومات التي تستغل سلطاتها لصالح النخبة الحاكمة وأنصارها، ومجموعة متنوعة من المصالح الخاصة، مع ما يترتب على ذلك من تأثيرات ضارة على التنظيم والاستثمارات العامة وتسليم الخدمات والنمو

الحكومة
ويتلخص العامل الرابع في نوعية الحكومة، ففي السنوات الأخيرة كانت الأمثلة وفيرة على الحكومات التي تستغل سلطاتها لصالح النخبة الحاكمة وأنصارها، ومجموعة متنوعة من المصالح الخاصة، مع ما يترتب على ذلك من تأثيرات ضارة على التنظيم والاستثمارات العامة وتسليم الخدمات والنمو.

ومن الأهمية بمكان أن تدار الخدمات والاستثمارات والسياسات العامة بشكل جيد، ومن الواضح أن البلدان القادرة على جذب وتحفيز المديرين المهرة تتفوق في الأداء على أقرانها.

أما العامل الأخيرة والأكثر أهمية فهو أن حجم الانخفاض ومدته كانا أعظم من المتوقع، وهو ما يرجع جزئيا إلى حقيقة مفادها أن مستويات تشغيل العمالة والدخول المتوسطة كانت متأخرة عن النمو، وقد سبقت هذه الظاهرة الأزمة، كما أدت المستويات المرتفعة من ديون الأسر إلى تفاقم تأثيرها في أعقاب ذلك.

ويشكل ركود دخول المنتمين إلى أدنى 75% في سلم التوزيع تحديا كبيرا بشكل خاص، لأنه يتسبب في خفض الاستهلاك، وتقويض التماسك الاجتماعي وبالتالي الاستقرار السياسي والفعالية السياسية، والحد من الحراك بين الأجيال، خاصة حيثما كان التعليم العام رديئا.

وفي بعض الأحيان يحدث التغيير بوتيرة تفوق قدرة الأفراد والأنظمة على الاستجابة، ويبدو أننا نمر بوقت كهذا الآن، فقد فقدت أسواق العمل توازنها مع تسبب التكنولوجيا الجديدة وسلاسل العرض العالمية المتحولة في تغير الطلب في أسواق العمل بسرعة أكبر من قدرة العرض على التكيف.

وهي ليست حالة دائمة، ولكن التحول سوف يكون طويلا ومعقدا، والواقع أن القوى نفسها -التي تعمل بشكل درامي على زيادة القدرة الإنتاجية للاقتصاد العالمي- مسؤولة بشكل كبير عن الاتجاهات السلبية في توزيع الدخل، كما عملت التكنولوجيا الرقمية ورأس المال على إزالة وظائف الدخل المتوسط أو نقلها إلى الخارج على النحو الذي أدى إلى توليد فائض في المعروض من العمالة والذي ساهم في ركود الدخل في هذا النطاق على وجه التحديد.

في بعض الأحيان يحدث التغيير بوتيرة تفوق قدرة الأفراد والأنظمة على الاستجابة، ويبدو أننا نمر بوقت كهذا الآن

استجابة
وسوف تتطلب الاستجابة الأكثر قوة إدراك طبيعة التحدي والاستعداد لمواجهته من خلال الاستثمار بكثافة في مجالات رئيسية، خاصة التعليم والرعاية الصحية والبنية الأساسية، ولا بد أن نعترف بأننا نمر بلحظة عصيبة وأن البلدان يتعين عليها أن تحشد مواردها لمساعدة شعوبها على اجتياز المرحلة الانتقالية.

وهذا يعني إعادة توزيع الدخل وضمان القدرة على الوصول إلى الخدمات الأساسية الضرورية، وإذا تسببت الجهود الرامية إلى مواجهة التفاوت بين الناس وتعزيز الفرص بين الأجيال في إحداث بعض أوجه القصور الهامشية وإضعاف بعض الحوافز فإن هذا الثمن مبرر.

والواقع أن توفير القطاع العام الخدمات الأساسية الضرورية مثل التعليم والرعاية الصحية قد لا يصبح أبدا بنفس كفاءة بدائل القطاع الخاص، ولكن حيثما يترتب على الكفاءة الإقصاء وعدم المساواة في الفرص يصبح توفير هذه الخدمات من قبل القطاع العام ضروريا، وكلنا أمل أن يخلف الوعي المتزايد بأهمية هذه العوامل وغيرها تأثيرا إيجابيا على أجندات السياسات في العام المقبل.
_______________
* حائز على جائزة نوبل في علوم الاقتصاد، وأستاذ الاقتصاد في كلية شتيرن لإدارة الأعمال بجامعة نيويورك، وكبير زملاء مؤسسة هووفر، وأحدث مؤلفاته كتاب "التقارب التالي: مستقبل النمو الاقتصادي في عالم متعدد السرعات".

المصدر : بروجيكت سينديكيت