خبراء اقتصاد جزائريون يقولون إن تمويل المشاريع العمومية من الخزينة العامة وليس من السوق المالية مخالف لما يحدث في أي اقتصاد عصري، وسط دعوات لإيجاد تنظيم مناسب يتولى تسيير ومراقبة التعامل بالأدوات المالية الإسلامية.

ياسين بودهان-الجزائر

يعتقد خبراء مالية جزائريون أن اللجوء لطرح الصكوك الإسلامية لتعبئة المدخرات وتمويل المشاريع العمومية يعدّ الحل الأمثل لمواجهة مشكلة تراجع مداخيل البلاد بسبب تراجع أسعار النفط عالميا.

ويأتي ذلك بعد تصريح وزير المالية محمد جلاب بأن الحكومة ستلجأ مستقبلا في تمويلها للمشاريع العمومية إلى البنوك والسوق المالية بعد انهيار أسعار النفط، وتراجع مداخيل البلاد من المحروقات.

وناقش خبراء اقتصاد تصريحات جلاب وسجلوا ملاحظات كان أهمها أن الوزير اعترف بأن مشاريع الدولة لم تكن تمول من السوق المالية وإنما من طرف الخزينة العمومية.

فكرة الصكوك
وحسب الخبير الاقتصادي سليمان ناصر فإن هذا الأمر مخالف لما يحدث في أي اقتصاد عصري، لكن الملاحظة الأبرز -حسب سليمان- هي أن جلاب بتصريحاته أعطى الفرصة لطرح فكرة الصكوك الإسلامية لتعبئة المدخرات وتمويل مشاريع الدولة كما يحدث في باقي الدول.

ورغم فتح الجزائر المجال للاستثمار في أنواع محددة من المنتجات الإسلامية من خلال برنامج إصلاح المنظومة البنكية، فإن تجربة البنوك الإسلامية بهذا البلد جد متواضعة، كما أن عددها بنكان فقط.

ولا تتجاوز حصتها من إجمالي السوق البنكية 2%، و16% من القطاع البنكي الخاص، رغم الفرص التي يتيحها الاقتصاد الجزائري وحاجته إلى التمويل بصيغ تبتعد عن الربا.

اهتمام عالمي
ويأتي ذلك رغم تزايد الاهتمام العالمي بالصكوك الإسلامية، حيث لجأت العديد من الدول الإسلامية والغربية -حسب حديث الأمين العام لبنك البركة ناصر حيدر للجزيرة نت- إلى اللجوء إليها لتمويل مشاريعها السيادية على غرار مقاطعة سكسونيا الألمانية وبريطانيا، وكذلك البنك الدولي الذي أطلق برنامجا خاصا لتمويل مشاريعه التنموية عن طريق الصكوك.

وفي الجزائر كشف حيدر أن سلطة ضبط السوق المالية (لجنة عمليات البورصة) بدأت بالاهتمام بهذا المنتج حيث أدرجته كأحد محاور إصلاح هذه السوق، لكونه يحقق هدف توسيع دائرة التعامل فيها عبر تنويع المنتجات المالية، ومراعاة الخصوصيات الثقافية والدينية للمجتمع.

وبرأيه يأخذ الأمر أهمية خاصة على ضوء تداعيات تراجع إيرادات الدولة من المحروقات، والضغوط التي سيرتبها ذلك على ميزانية الدولة، وقدرتها على تمويل المشاريع الحكومية الضخمة.

بوصافي يطالب بإصدار الخزينة العمومية سندات لتمويل المشاريع (الجزيرة نت)

التنظيم المناسب
لكن الأستاذ بالمدرسة العليا للتجارة في الجزائر العاصمة كمال بوصافي شدد في حديثه للجزيرة نت على أنه قبل النظر في مدى ملاءمة هذه الأدوات في تمويل الإنفاق العمومي، كان الأجدر إيجاد التنظيم المناسب الذي يتولى تسيير ومراقبة التعامل بالأدوات المالية الإسلامية قاطبة من سوق مالية، وبنوك إسلامية، ووكلاء، وسوق نقدي إسلامي، وجهاز ضبط...

والطريق الأنسب بنظر بوصافي والذي يقول إنه يتوافق مع ثقافة المسلم الجزائري والذي كان يدخل ضمن تقاليده منذ قدم الزمن، هو الأوقاف.

والكل -برأي بوصافي- "يبحث عن الصدقة الجارية"، فلماذا لا تصدر "الخزينة العمومية تحت إشراف وزارة الشؤون الدينية سندات وقفية لتمويل المشاريع العينية من مطارات وسدود وطرقات، وهكذا تستقطب الدولة جزءا من مدخرات الأسر دون الحاجة إلى التسديد وما ينجم عن هذه العملية من مشاكل في القيم الاسمية".

بالمقابل أكد خبير الصيرفة الإسلامية فارس مسدور أن الحاجة للصكوك الإسلامية في كل الأوقات وليس وقت الأزمات فقط.

وقال للجزيرة نت "في الجزائر توجد فوائض مالية كبيرة يكتنزها الناس في منازلهم، وبعض رجال المال والتجار حولوا مساكنهم إلى مخابئ للمال"، وهذا أمر خطير في تقديره لأنه يشكل ظاهرة تسمى في الاقتصاد بـ"التدمير النقدي"، وهذا معناه حبس الأموال عن التداول ومنع الاقتصاد من الاستفادة منها.

الشريعة الإسلامية
وحسب مسدور فإن الجانب الشرعي يشكل إشكالا كبيرا في المنظومة المصرفية الجزائرية، لأنها لا تحتكم إلى الشريعة الإسلامية، وهذا مخالف -حسب قوله- للدستور الذي ينص في مادته الثانية على أن دين الدولة الإسلام، والسبب في ذلك "وجود مجموعة متنفذة داخل البنك المركزي الجزائري ترفض أن تكون الشريعة الإسلامية مصدرا من مصادر التشريع المصرفي".

وفي السياق نفسه كشف عن قيام البنك العربي بإصدار الصكوك الإسلامية ومنح هامش ربح يقدر بـ 4% على الإيداعات والمدخرات، لكن هذا البنك الذي يبقى تقليديا رغم تسويقه للمنتجات الإسلامية تلقى تحذيرا من البنك المركزي من تسويق هذه المنتجات، وهو الأمر الذي وصفه مسدور بـ"الخطير" لأنه تضييق على الناس في المجال المصرفي.

ورغم إقراره بأن فكرة إصدار الصكوك الإسلامية تعد حلا للأموال الضخمة التي تتداول بعيدا عن المسار المصرفي، فإنه استبعد إقبال الحكومة على تمويل مشاريعها عن طريق هذه الصيغة، لأن المانع إيديولوجي وليس تقنيا، ولأن المنتجات الإسلامية أثبتت نجاعتها في دول عدة منها دول أوروبية.

المصدر : الجزيرة