على أي شيء نراهن؟

على أي شيء نراهن؟



محمد عبد الله العريان

الحاجة إلى الابتكار الاقتصادي
مشكلة النظام الاقتصادي
محدودية دور البنوك المركزية

عندما أتأمل في آفاق الاقتصاد العالمي والأسواق يُذهِلُني إلى أي مدى راهن العالم بشكل جماعي على ثلاثة أهداف أساسية، هي: التحول نحو نمو عالمي أعلى وأكثر شمولا، وتجنب الأخطاء المرتكبة في السياسات، والوقاية من الحوادث التي تعتري السوق. ورغم أن الأهداف الثلاثة كلها مرغوبة بلا أدنى شك، فإن الواقع المؤسف يشير إلى أنها بعيدة عن التحول إلى حقيقة، كما أن الرهان عليها دون أخذ الاحتياط قد يكون بالغ الخطورة بالنسبة للجيل الحاضر والقادم.

ويتوقع المكون الأول من الرهان استمرار التعافي الاقتصادي في الولايات المتحدة، بحيث يناهز النمو 3% هذا العام مدعوما بزيادة كبيرة في الأجور. وهو يفترض أيضا أن معدل النمو السنوي في الصين سيستقر عند مستوى يتراوح ما بين 6.5% و7%، مما يمكن من نزع فتيل المخاطر التي تفرضها الاستدانة المفرطة في قطاع الظل المصرفي تدريجيا، حتى في حال استمرت محركات النمو الاقتصادي في التحول من الصادرات والإنفاق الرأسمالي العام إلى الاستهلاك المحلي والاستثمار الخاص.

وهناك افتراض آخر أكثر التباساً يعمل على تقويض الرهان على تحقيق نمو أكثر شمولا، وهو أن بلدان منطقة اليورو واليابان ستتمكن من الإفلات من مستنقع النمو المنخفض وتتجنب الانكماش، وهو ما من شأنه أن يتجاوز حالة النمو الضعيف بالفعل عبر تشجيع الأسر والشركات على تأجيل قرارات الشراء.

وأخيرا يفترض الرهان المذكور أن البلدان المصدرة للنفط -مثل نيجيريا وفنزويلا، وروسيا بشكل خاص- سيكون بمقدورها درء انهيار اقتصاداتها، حتى في ظل الهبوط الحاد لأسعار النفط العالمية.

هناك افتراض آخر أكثر التباساً يعمل على تقويض الرهان على تحقيق نمو أكثر شمولا، وهو أن بلدان منطقة اليورو واليابان ستتمكن من الإفلات من مستنقع النمو المنخفض وتتجنب الانكماش

الحاجة إلى الابتكار الاقتصادي
والافتراضات السابقة جريئة لأسباب ليس أقلها أن تحقيق هذه الأهداف سوف يتطلب قدراً كبيراً من الابتكار الاقتصادي، وهو ما يمتد إلى ما هو أبعد كثيراً من إعادة التوازن إلى الطلب الكلي وإزالة جيوب المديونية المفرطة.

وفي حين تُعَد الولايات المتحدة والصين في وضع أفضل كثيراً من غيرهما، فإن أغلب هذه الاقتصادات -وخاصة بلدان منطقة اليورو واليابان وبعض الأسواق الناشئة- ستضطر إلى التركيز على محركات نمو جديدة بالكامل، وسيكون لزاماً على منطقة اليورو أن تعمل أيضاً على تعميق تكاملها الاقتصادي.

ويضاف هذا إلى أجندة الإصلاح القاسية، والتي أصبحت أصعب بفعل الإجهاد الناجم عن سياسات الضبط وتزايد الاعتماد على سياسات داخلية مشتتة، وتصاعد التوترات الجيوسياسية. وفي هذا السياق يصبح التحول الواثق نحو نمو عالمي أعلى وأكثر شمولاً غير مضمون أبدا.

ولا يقل المكون الثاني من الرهان الجماعي -وهو تجنب أخطاء السياسات- عن الأول من حيث الهشاشة. فالافتراض الأساسي هنا هو أن السياسات غير المجربة وغير التقليدية التي تبنتها البنوك المركزية، وخاصة في البلدان المتقدمة، لمواجهة التقلبات المالية والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي ستمنح الحكومات الوقت الكافي لتصميم وتنفيذ سياسات أكثر ملاءمة وشمولية.

وقد شمل هذا النهج التجريبي من لدن البنوك المركزية فك الارتباط الواعي بين أسعار الأصول المالية وأساسياتها. وكان الأمل أن تعمل التقييمات المرتفعة للسوق على تعزيز الاستهلاك (عبر تأثير الثروة، حيث تشعر الأسر المالكة للأصول بأنها أصبحت أكثر ثراء وبالتالي أكثر ميلاً إلى الإنفاق)، والاستثمار (عبر "الغرائز الحيوانية" التي تعزز من رغبة رجال الأعمال في الاستثمار في المصانع والمعدات الجديدة والتوظيف).

مشكلة النظام الاقتصادي
والمشكلة هي أن النظام الاقتصادي والسياسي الحالية في العالم المتقدم يفرض قدراً غير عادي من "التباعد". ومع فشل التعديلات التي أدخلت على السياسات في مواكبة وتيرة التحولات على أرض الواقع، يتولى الدولار المتزايد القوة دور مخفف الصدمات، ولكن التاريخ أثبت أن التقلبات الحادة للعملات قد تؤدي في حد ذاتها إلى عدم الاستقرار الاقتصادي والمالي.

حتى الآن كانت البنوك المركزية مستعدة وقادرة على ضمان أن فترات تقلبات الأسواق الدرامية ستكون مؤقتة ومن الممكن عكس تأثيرها، غير أن قدرة تلك البنوك على الاستمرار في القيام بهذه المهمة محدودة

وتتصل جذور المكون الأخير في الرهان المذكور باعتقاد مفاده أن الإفراط في خوض المجازفات في السوق تم ترويضه بالفعل. ولكن الفترة الطويلة لعملية وقف التقلبات بسياسات تحفيزية كانت كافية لإقناع المستثمرين بأنهم أصبحوا آمنين فيما يخص وقوف البنوك المركزية في صفهم، وهو الاعتقاد الذي أدى إلى قدر كبير من أنشطة المجازفة في بعض قطاعات التمويل.

ومع عزوف الوسطاء عن قبول أوراق مالية غير مرغوب فيها خلال فترات عدم الاستقرار المالي، فمن الممكن أن تؤدي تصحيحات السوق إلى تفاقم نوبات مفاجئة ودرامية من تحولات الأسعار، وتعطل سير العمل المنتظم للأنظمة المالية. وحتى الآن كانت البنوك المركزية مستعدة وقادرة على ضمان أن هذه الفترات مؤقتة ومن الممكن عكس تأثيرها، غير أن قدرتها على الاستمرار في القيام بهذه المهمة محدودة، وخاصة في ظل تكريس فرط الاعتماد على دعم السياسة النقدية لسوق القروض.

محدودية دور البنوك المركزية
والحقيقة أن البنوك المركزية لا تملك الأدوات اللازمة لتحقيق النمو السريع والمستدام والشامل بمفردها، وأفضل ما يمكنها القيام به في هذا السياق هو مد الجسور، والأمر متروك لصانعي السياسات الاقتصادية الآخرين لتحديد البوصلة. ومن المؤكد أن الجسر الذي لا يقود إلى أي مكان لن يطول به الأمد قبل أن ينهار.

لقد تحولت طبيعة المخاطر المالية في السنوات الأخيرة، في حين أن المشاكل التي أحدثتها البنوك غير المسؤولة والتهديدات التي تعرضت لها أنظمة الدفع والتسوية قد حل محلها نوع آخر من المشاكل الناجمة عن خوض المخاطرات في صفوف المؤسسات غير المالية. ومع فشل الأجهزة التنظيمية في مسايرة هذا التطور، فقد تقوضت الفعالية المحتملة لبعض سياسات التحوط الكلي.

ولا يعني ما ذكر أن النظرة المستقبلية للأسواق والاقتصاد العالمي قاتمة بالضرورة؛ بل على العكس من ذلك، هناك مخاطر محمودة قد تترجم إلى مكاسب كبيرة ودائمة. ولكن فهم الرهان الجماعي العالمي يستلزم وضع سياسات أكثر تجاوبا وشمولا، وإلا فإن النتائج الاقتصادية ستظل على حد تعبير رئيس بنك الاحتياطي الفدرالي الأميركي السابق بن برنانكي في العام 2010 "غير مؤكدة على نحو غير عادي".
ـــــــــــــ
كبير المستشارين الاقتصاديين في أليانز، وعضو لجنتها التنفيذية الدولية. وهو رئيس مجلس الرئيس باراك أوباما للتنمية العالمية، وأحدث مؤلفاته كتاب "عندما تتصادم الأسواق".

المصدر : بروجيكت سينديكيت