ياسين بودهان-الجزائر

كشف تحقيق ميداني أجرته مؤسسة حكومية جزائرية عن ارتفاع النسبة العامة للعاطلين عن العمل في الجزائر، مبرزا أن فئة الشباب وخريجي الجامعات هم الأكثر عرضة للبطالة.

وخلص التحقيق الذي أجراه الديوان الجزائري للإحصائيات خلال شهري أبريل/نيسان وسبتمبر/أيلول الماضيين إلى أن النسبة العامة للبطالة في البلاد تقدر بـ10.06% خلال شهر سبتمبر/أيلول الماضي، وهو ما يعادل 1.214 مليون عاطل عن العمل.

وكشف التحقيق أن البطالة تنتشر أكثر بين أوساط الشباب بنسبة 25% وبين أوساط خريجي الجامعات والمعاهد بنسبة 16%، بينما تقدر بين أوساط الرجال بحوالي 9.2%، ونحو 17.1% بين أوساط النساء. وبحسب النتائج المعلن عنها، فإن نسبة البطالة المسجلة ارتفعت بنسبة 0.8% مقارنة مع شهر أبريل/نيسان الماضي حيث كانت تقدر بـ9.8%.

ورغم أن النسب المعلن عنها تعد كبيرة وفقا للمعايير الدولية، فإن بعض الخبراء يشككون في مدى دقتها. فبحسب الخبير الاقتصادي صالح سليماني فإن هذه النسب غير دقيقة، ولا تعكس الواقع الحقيقي للبطالة بالجزائر، لأنها شملت  فئة العمال الموسميين.

وأشار سليماني في حديثه للجزيرة نت، إلى أن قطاع الطاقة الذي يعد المحرك الأساسي للاقتصاد الجزائري لا يستوعب إلا 2% من إجمالي العمال في البلاد، لذلك فإن القطاعات الأخرى لا يمكنها أن تمتص الأعداد الكبيرة من العاطلين عن العمل، وخاصة بين فئة خريجي الجامعات الذين تتجاوز نسب البطالة -بحسب تقديراته- بين صفوفهم 25% وقد تصل إلى 30%.

وبرأيه فإن الجزائر لم تستفد من المشاريع الكبرى التي أطلقتها في قطاعات البناء والأشغال العمومية، لأن الشركات الأجنبية المستثمرة في هذه القطاعات تفضل استيراد اليد العاملة الأجنبية المؤهلة على تشغيل اليد العاملة الجزائرية العاجزة عن مواكبة التطور التقني لهذه الشركات.

أحد المشاريع السكنية في الجزائر (الجزيرة نت)

مسؤولية
في المقابل، حمّل الخبير الاقتصادي الدولي مبارك سراي في حديثه للجزيرة نت مسؤولية ارتفاع نسبة البطالة إلى الإدارة الجزائرية التي عجزت -بحسب حديثه- عن مواكبة وتسيير الديناميكية الاقتصادية لمختلف المشاريع الكبرى التي أطلقتها الحكومة، وهو التخلف الذي جعل هذه المشاريع في تقديره عاجزة عن خلق مناصب شغل جديدة.

وبالنسبة لمساهمة القطاع الخاص في امتصاص البطالة، أشار سراي إلى أن هذا القطاع بات عاجزا عن ذلك لأنه يعاني من الثقل الجبائي، كما أن العامل الجزائري يفضل العمل في القطاع العام على القطاع الخاص حماية لحقوقه الاجتماعية وخاصة التأمين.

وللخروج من هذه الوضعية، دعا سراي إلى وجوب طرح رؤية اقتصادية جديدة من خلال الاهتمام بالقطاع الزراعي أكثر، مع دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتدعيم الشركات المحلية المتخصصة في قطاع البناء، كما نوه بضرورة مراجعة السياسة الجبائية لتحفيز الشركات الخاصة على خلق مناصب شغل جديدة.

مصداقية
لكن الأكاديمي والباحث الاقتصادي ناصر سليمان اعتبر الرقم الذي أعلنته السلطات الجزائرية بخصوص معدل البطالة رقما ذا مصداقية كبيرة لأنه صادر عن هيئة حكومية، وليس مجرد تقديرات خبراء أو هيئات خاصة، ورغم ذلك يعتبره رقما مرتفعا بالنظر لعدة اعتبارات أهمها الوفرة المالية التي ميزت الفترة التي سجل فيها هذا الرقم، والتي عاشتها الجزائر قبل انهيار أسعار النفط مؤخرا.

وبالمقارنة مع المعدلات المسجلة في العالم يجد أن معدل البطالة المسجل في الاتحاد الأوروبي في مايو/أيار 2014 هو 10.3% كمعدل عام بين عدد كبير من الدول ذات مستويات متباينة من النمو الاقتصادي، بعضها ما يزال يعاني من بقايا أزمة الديون كاليونان وإسبانيا، بينما الجزائر لا تعاني مثل تلك الأزمة.

سليمان ناصر: معدل البطال المرتفع يعني عدم نجاعة برامج التشغيل التي أنجزتها الدولة (الجزيرة نت)

وبالمقارنة مع الدول العربية باستثناء الخليجية، فهي -حسب سليمان- تسجل حاليا معدلا عاما للبطالة يتراوح بين 17 و20%، لكن تلك الدول لها ما يبررها كون الكثير منها يعاني أزمات سياسية وحروبا، مما يعني أن برامج التنمية فيها معطلة.

ويقول سليمان إن ارتفاع معدلات البطالة في الجزائر يعني أن برامج التشغيل التي أنجزتها الدولة والأموال الضخمة التي رصدت لم تؤت ثمارها.

وأضاف "يجب إعادة النظر في تلك البرامج التي أخذت منذ البداية بعدا سياسيا وهو الابتعاد عن شبح ما يسمى الربيع العربي، خاصة تلك الموجهة للشباب، وهي البرامج التي أثبتت الإحصائيات أن حوالي 45% من قروضها غير مسددة عندما كانت بمعدل فائدة مخفض أو مدعوم".

واعتبر سليمان أن قرار الحكومة بعد ذلك إلغاء الفوائد على القروض الموجهة للشباب وتكفل الدولة بدفعها للبنوك يعني اقتصاديا سهولة الحصول على هذه القروض وتوجيهها لأغراض أخرى غير الاستثمار، وبالتالي "حدوث نزيف حقيقي للاقتصاد الجزائري دون أن يساهم ذلك في إنشاء مناصب عمل حقيقية وتخفيض معدلات البطالة".

المصدر : الجزيرة