عبد الحافظ الصاوي*

إعادة تدوير
المخاطر
سقف لتقديم القروض

تؤدي البنوك أدوارا متعددة لخدمة النشاط الاقتصادي لأية دولة، وذلك في إطار أن الغرض الأساسي للبنوك هو خدمة التنمية، ولكن ينبغي أن تبقي البنوك على حالة من التوازن في أنشطتها المختلفة بما يؤدي إلى تحقيق الأهداف القومية من جهة، والوصول إلى أوضاع مالية متوازنة تكون نتيجتها تحسن الهياكل المالية للبنوك.

وقد لوحظ منذ تسعينيات القرن العشرين أن الحكومة المصرية استبدلت الدين المحلي بالدين الخارجي، فتعاظم هذا الدين بشكل كبير، وذلك على حساب الائتمان المقدم للقطاع الخاص، إذ تجاوز الدين العام المحلي بمصر حاجز 1.7 مليار جنيه مصري في مارس/ آذار 2014، وهو مرشح للزيادة مع الإعلان عن ختامي العام المالي 2014/2013، علما بأنه ارتفع بنسبة 1600% بعد 22 عاما.

من الطبيعي أن تكون نتيجة تقرير مؤسسة "موديز" للتصنيف الائتماني في فبراير/ شباط 2014 سالبة، كما أن تزايد الدين العام المحلي للحكومة المصرية يمثل خطرا ائتمانيا كبيرا منذ عام 2011

وتظهر النشرة الاقتصادية الفصلية للبنك المركزي المصري، العدد الرابع للعام المالي 2013/2012، أن استثمارات البنوك في الأوراق المالية وأذون الخزانة تمثل الجانب الأكبر من استثماراتها على مدار عامي 2011/2012 و2012/2013، فقد وصلت هذه الاستثمارات لـ653.9 مليار جنيه مصري عام 2012/2013، أي بزيادة نسبتها 17% عن عام 2011/2012.

كما بلغت قروض العملاء 549.4 مليار جنيه عام 2012/2013، أي بزيادة نسبتها 8.4% عن عام 2011/2012، ويتضح من هذه الأرقام أن البنوك توجه الجزء الأكبر من استثماراتها للدين الحكومي والأوراق المالية، وهي بطبيعتها استثمارات لا تساعد على إحداث رواج في النشاط الاقتصادي، ولا تخلق فرص عمل جديدة بالقدر الكافي لمواجهة العاطلين أو الداخلين الجدد لسوق العمل.

ومن غرائب الوضع الاقتصادي في مصر أن وزارة المالية تعد تقريرا شهريا لبيان أفضل البنوك العامة في تقديم الإقراض للحكومة، من خلال الاكتتاب بأذون وسندات الخزانة، وهي بذلك تساعد البنوك على ما يمكن تسميته "النجاح في الاتجاه الخطأ".

ومن هنا، كان من الطبيعي أن تكون نتيجة تقرير مؤسسة "موديز" للتصنيف الائتماني في فبراير/ شباط 2014 سالبة، كما أن تزايد الدين العام المحلي للحكومة المصرية يمثل خطرا ائتمانيا كبيرا منذ عام 2011. وتصنف "موديز" الديون السيادية المصرية عند مستوى (caaa1) وهو التصنيف الذي يشير إلى مخاطر شديدة.

إعادة تدوير
في ظل أزمة التمويل المصرية، لم تجد الحكومة سوى أن تدور في حلقة مفرغة من الاقتراض المحلي الذي يعتمد على البنوك بصورة كبيرة، حيث ما زالت أبواب الاقتراض الدولي موصدة، دون التوصل لاتفاق مع صندوق النقد الدولي.

لا توجد أموال جديدة تضخ بعد تراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وكل حديث عن تبرعات واكتتابات في مشروعات عامة مصرية ليس أكثر من إعادة تدوير لمدخرات الجهاز المصرفي

وحتى تمويل مشروع قناة السويس الجديدة الذي يقدر حجم تكلفته بنحو ستين مليار جنيه مصري، فإن جزءا كبيرا من الاكتتاب بالسندات المطروحة على الشعب المصري منذ الخميس الماضي يأتي من خلال المدخرات بالجهاز المصرفي، وليس من قبل المدخرات غير الرسمية لدى الأفراد.

وكذلك حساب "تحيا مصر" الذي من المفترض أن يمول مشروعات عامة، نجد أن كثيرا من التبرعات التي ضخت في الحساب أتت من خلال مؤسسات عامة مثل القوات المسلحة وغيرها من المؤسسات العامة، أو حتى شركات القطاع الخاص، وهي لن تخرج عن كونها سحبت من الجهاز المصرفي كمدخرات لتضخ في الحساب بالجهاز المصرفي مرة أخرى.

لا توجد أموال جديدة تضخ في شرايين الاقتصاد المصري بعد أن تراجعت الاستثمارات الأجنبية المباشرة بسبب الأوضاع السياسية والأمنية غير المستقرة، وبذلك فكل الحديث عن تبرعات واكتتابات في مشروعات عامة مصرية ليس أكثر من إعادة تدوير لمدخرات الجهاز المصرفي.

المخاطر
المخاطر المرتبة على استمرار اعتماد الحكومة بشكل كبير على الاقتراض من الجهاز المصرفي على حساب القطاع الخاص يتداولها الاقتصاديون المصريون منذ فترة، ولكن الوضع يزداد سوءا في ظل التزايد السكاني وزيادة معدلات الفقر والبطالة بسبب عدم تغيير السياسات الاقتصادية التي لا تعرف سوى السير في اتجاه واحد لا يؤدي إلى تبني سياسات مالية جديدة من شأنها أن تستبدل آلية المشاركة بآلية الدين التي تمول بها الحكومة المصرية مشروعاتها.

ويمكننا أن نشير إلى أبرز مخاطر استمرار وضع مزاحمة الحكومة للقطاع الخاص في الإقراض من الجهاز المصرفي فيما يلي:

 - لا يؤدي الإنفاق الحكومي المتزايد، والذي يعتمد على الاقتراض من الجهاز المصرفي بشكل كبير إلى خلق فرص عمل جديدة، ولا يضيف قيمة مضافة للناتج المحلي الإجمالي، فمن خلال هيكل الموازنة العامة للدولة نجد أن الدعم وخدمة الدين ومخصصات الأجور للعاملين بالجهاز الحكومي تصل لنسبة 92% من إجمالي الإنفاق العام، وهو ما ساعد على أن تظل معدلات البطالة بمصر مرتفعة، لتصل إلى 13.5% خلال عام 2014، وحتى لا يقال إن ثورة 25 يناير وما تبعها من أحداث هي سبب ارتفاع المعدلات البطالة، فقد كانت البطالة حوالى 10% عام 2010.

 - ومن ناحية أخرى، فإن الإنفاق الجاري للحكومة يساعد على هشاشة الناتج المحلي الإجمالي، إذ أن طبيعة الإنفاق الحكومي في مجمله إنفاق استهلاكي وليس إنتاجيا، ولذلك نجد أن مصادر الناتج المحلي الإجمالي بمصر تعتمد على الاستهلاك بنسبة 85%، وهو ما عمق من تكريس الزيادة المستمرة في العجز بالميزان التجاري، والذي يصل لنحو 27 مليار دولار نهاية العام المالي 2012/2013.

بعض البنوك العامة الخاسرة التي تم دمجها في بنك واحد استطاعت تحقيق أرباح بعد عام واحد بفضل الاستثمار في سندات وأذون الخزانة

وهذا العجز ليس بجديد، فعلى مدار نحو أربعة عقود ظلت الصادرات المصرية تمثل 50% من حجم الواردات، فلم يحدث تغير يذكر في النشاط الإنتاجي خلال هذه الفترة يساعد على تراجع الواردات والحد منها.

 - ظلت البنوك المصرية تفضل إقراض الحكومة، وبخاصة البنوك العامة (الأهلي، مصر، القاهرة) على إقراض القطاع الخاص لعدة أسباب منها: انعدام المخاطر في الإقراض الحكومي وهامش الربح المرتفع من عوائد الإقراض الحكومي، فكانت الفوارق بين ما تحصل عليه البنوك من عوائد الإقراض الحكومي وما تعطيه للمودعين تصل نسبته لـ5%، وهي النسبة التي رفعت أرباح العديد من البنوك، بل كانت أحد الأسباب الرئيسة لربحية البنوك، حتى أن بعض البنوك العامة الخاسرة التي تم دمجها في بنك واحد استطاعت تحقيق أرباحا بعد عام واحد بفضل الاستثمار في سندات وأذون الخزانة. وبذلك انخفضت مخاطر البنوك في تمويل الاستثمار الحقيقي من حيث تمويل الأنشطة الإنتاجية في الزراعة والصناعة، مقارنة بما يتم إقراضه للحكومة.

 - في ظل تفضيل البنوك لتقديم الإقراض الحكومي لما يدر عليها من أرباح، تراجعت البنوك المصرية عن تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتركت هذه المهمة للصندوق الاجتماعي للتنمية، والذي يقدم خدماته عبر البنوك.

حاولت الحكومة التخفيف من تكلفة الاقتراض عبر ثلاثة تخفيضات لسعر الفائدة على الأذون والسندات، إلا أن النتيجة كانت على حساب المدخرين الذين انخفضت عوائد مدخراتهم، بل وتضررت أصول المدخرات

ونجد الفارق كبيرا بين تمويل البنوك وتمويل الصندوق الاجتماعي للتنمية من خلال بعض الأرقام المعلنة بوسائل الإعلام، فحينما يعلن الصندوق الاجتماعي عن توفير تمويل قدره نحو ثلاث مليارات جنيه للمشروعات الصغيرة، نجد أن البنك الأهلي المصري فقط يعلن عن تخصيص 36 مليار جنيه مصري خلال عام 2014 للتجزئة المصرفية، وهو نشاط طفيلي أيضا يساعد على الاستهلاك أكثر من المساعدة على تبني الأنشطة الإنتاجية. فلو أن البنوك المصرية اتجهت لتمويل المشروعات الصغيرة لكانت أوضاع الفقر والبطالة بمصر أقل مما هي عليه الآن بكثير.

 - حاولت الحكومة التخفيف من تكلفة الاقتراض بعد أن وصلت لنسبة 16% نهاية العام المالي 2012/2013 إلى نحو 10% في ظل حكومة الانقلاب العسكري برئاسة د. حازم الببلاوي، عبر ثلاثة تخفيضات لسعر الفائدة على الأذون والسندات. إلا أن النتيجة كانت على حساب المدخرين الذين انخفضت عوائد مدخراتهم، بل وتضررت أصول المدخرات في ظل تراجع العائد وارتفاع معدلات التضخم، ومن هنا انكشف الجهاز المصرفي المصري لتظهر نتيجة مفادها أن الجهاز المصرفي يستمد قوته من الاستثمار في الدين الحكومي وعجز الموازنة.

وفي إطار عدم وجود رؤية متكاملة للتعامل مع مشكلات الاقتصاد المصري، عاد البنك المركزي ليرفع سعر الفائدة منذ شهور بشكل عام ليقترب من 12%، وبذلك ترتفع تكلفة الدين الحكومي مرة أخرى.

ومع ذلك لم تتوقف إصدارات الحكومة من السندات والأذون الأسبوعية، لتستمر متوالية الدين الحكومي والتمويل غير الرشيد من الجهاز المصرفي.

سقف لتقديم القروض 
ليس المطلوب أن تتوقف البنوك المصرية عن إقراض الحكومة، ولكن المطلوب أن يكون هناك توازن في ضوء المردود الاقتصادي لهذا الإقراض على المستوى القومي.

فوضع سقف لتقديم قروض الجهاز المصرفي للحكومة من شأنه أن يدفع الحكومة لترشيد إنفاقها من جهة، ومن جهة أخرى يدفعها للبحث عن مصادر غير تقليدية لتمويل احتياجاتها، وبخاصة تلك المشروعات التي يمكن أن تعوض رأسمالها من خلال تكلفة الخدمات التي تقدمها.

ولقد كان أمام الحكومة المصرية إحدى الفرص المهمة التي تساعدها على الخروج من شرنقة الدين إلى مندوحة المشاركة، وهي آلية الصكوك الإسلامية، ولكنه العناد الذي صاحب الانقلاب العسكري، حيث تم إلغاء قانون الصكوك، وإن كانت الحكومة الحالية تحاول إحياء آلية الصكوك مرة أخرى، ولكن بعيدا عن وصفها بالإسلامية، وإجراء بعض التعديلات على القانون الذي صدر في عهد الدكتور محمد مرسي.
_______

* كاتب صحفي مصري

المصدر : الجزيرة