مايكل أوسوليفان وستيفانو ناتيلا

صعود الدول الصغيرة
تجنب التقليد

بناء المؤسسات

صعود الدول الصغيرة
كان تصويت أسكتلندا في الاستفتاء بشأن الاستقلال عن المملكة المتحدة سبباً في إثارة مناقشة واسعة حول انفصال دول صغيرة، مثل سلوفينيا وكرواتيا في عام 1991، أو الحملة التي تنادي اليوم باستقلال منطقة كاتالونيا التي تتمتع بالحكم الذاتي عن إسبانيا.

لكن لا ينبغي لهذا التركيز الضيق على العواقب السياسية والاقتصادية بالنسبة لأسكتلندا والمملكة المتحدة، ولا نتيجة الاستفتاء التي جاءت حاسمة لصالح الوحدة، أن تحجب الدروس الأكثر عمقاً المستفادة من واحد من الاتجاهات الجيوسياسية الأكثر تعرضاً للتجاهل والإهمال في عصرنا هذا أو الاتجاه المتمثل في صعود الدول الصغيرة.

إن ما يقرب من 75% من الدول الصغيرة اليوم تشكلت في السنوات السبعين الأخيرة، وغالباً نتيجة لتحولات ديمقراطية أوسع نطاقاً وبالترادف مع نمو التجارة والعولمة.

والواقع أن نجاح هذه الدول الصغيرة وفشلها قضية أكثر ارتباطاً بالمناقشة الحالية, من العواقب المالية التي قد تترتب على استقلال أسكتلندا على سبيل المثال.

تتفوق الدول الصغيرة الأقدم على الدول المتوسطة والكبيرة الحجم من حيث الأداء الاقتصادي والاجتماعي، والانفتاح على التجارة الدولية، والحماس للعولمة  وهي المظاهر التي يتعين على البلدان الأحدث أن تعمل على تشجيعها وتعزيزها

إن الدروس التي ينبغي لنا أن نستخلصها من هذه الحالات مفيدة، وليس فقط للدول الصغيرة الجديدة والدول الصغيرة المستقبلية.

فمن الممكن أيضاً أن تستفيد الدول الصغيرة الشابة نسبياً في أفريقيا ومنطقة الكاريبي والشرق الأوسط من خلال دراسة الأسرار وراء نجاح سنغافورة، والأسباب وراء الفقاعة العقارية في إيرلندا والعواقب التي ترتبت عليها، والقرار الذي اتخذته الدانمارك ببناء قدرات قوية في مكافحة الإرهاب، برغم أمانها النسبي. والواقع أن مثل هذه الاعتبارات من الممكن أن تساعدها في رسم مسارها إلى الازدهار الاقتصادي والتماسك الاجتماعي.

تجنب التقليد
بطبيعة الحال عندما تتعلم الدول من بعضها البعض فيتعين عليها دوماً أن تكون حريصة على تجنب "حماقة التقليد". فقد استفادت بلدان الشمال على سبيل المثال من الخصائص الاجتماعية والقانونية والسياسية الراسخة التي لا يسهل نقلها إلى نظيراتها من مجتمعات الدول النامية.

وعلاوة على ذلك ينبغي للدول الصغيرة الشابة أن تدرك أن بناء المؤسسات والاقتصادات التي تطمح إلى بنائها سوف يستغرق وقتاً طويلا. والواقع أن متوسط أعمار السكان سوف يكون العامل الأكثر أهمية في أداء الدول الصغيرة، حيث يعادل نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي في الدول الصغيرة التي تأسست قبل عام 1945 أربعة أمثال نظيره في الدول الصغيرة الأحدث ظهورا.

وتتصدر الدول الصغيرة الأكثر رسوخاً أيضاً الترتيب في ما يتصل بمقاييس أخرى. فهي على سبيل المثال تحتل ما يقرب من نصف أعلى عشرين مركزاً على مؤشر الأمم المتحدة للتنمية البشرية.

في عموم الأمر تتفوق الدول الصغيرة الأقدم على الدول المتوسطة والكبيرة الحجم من حيث الأداء الاقتصادي والاجتماعي، والانفتاح على التجارة الدولية، والحماس للعولمة وهي المظاهر التي يتعين على البلدان الأحدث أن تعمل على تشجيعها وتعزيزها. ولكن النمو الاقتصادي في البلدان الصغيرة الحجم أكثر تقلباً غالبا وهو الميل الذي ينبغي للبلدان الصغيرة أن تتعلم كيفية احتوائه إذا كان لها أن تزدهر في الأمد البعيد.

الواقع أن مسألة حجم الحكومة، سواء كانت "كبيرة" أو "صغيرة" أقل أهمية، برغم الانطباع الذي تعطيه المناقشات المحتدمة في الدول الكبيرة مثل الولايات المتحدة.

إن إنفاق الحكومة الإجمالي يرتبط بحجم الحكومة ارتباطاً ضعيفا. وقد يكون المقياس الأفضل رواتب القطاع العام المنطقة الوحيدة حيث تتجلى استفادة الدول الكبيرة من الاقتصاديات الكبيرة الحجم. فالبلدان الصغيرة تنفق أكثر من غيرها، كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، على التعليم والرعاية الصحية وهي عادة أخرى يجدر بالدول الصغيرة الجديدة أن تتمسك بها.

وهناك في واقع الأمر ارتباط إيجابي قوي بين وتيرة النمو الاقتصادي و"البنية الأساسية غير المادية" التعليم والرعاية الصحية والتكنولوجيا وسيادة القانون، وكلها عناصر تعمل على تعزيز تنمية رأس المال البشري وتمكين الشركات من النمو بكفاءة. وتمثل الدول الصغيرة سبعا من أفضل عشر دول في مجال البنية الأساسية غير المادية.

وإذا أضفنا إلى هذا مقاييس مثل جودة المؤسسات، ومدى ملاءمتها لتحقيق الازدهار في عالم تحكمه العولمة، واستقرار الناتج الاقتصادي، ومستوى التنمية البشرية، فسوف يكون بوسعنا توليد مؤشر لقوة الدول، حيث سنجد أن 13 من أفضل عشرين دولة من حيث الأداء صغيرة الحجم، وحيث الدول الأكثر نجاحاً هي سويسرا وسنغافورة والدانمارك وإيرلندا والنرويج.

وهناك كتلة تتألف من دول أكبر حجماً وتقودها أستراليا وهولندا والمملكة المتحدة. ومن بين الدول الصغيرة الأخرى "المرنة" فنلندا والنمسا والسويد ونيوزيلندا.

لا يخلو الأمر بكل تأكيد من تحيز واضح لصالح ما يسمى "أوروبا القديمة" هنا. فالدول النامية الصغيرة مثل كرواتيا وعمان والكويت وأورغواي قد ترى أن النصائح بشأن محاكاة دول مثل سويسرا والنرويج غير عملية.

ينبغي للدول النامية الصغيرة أن تركز على بناء المؤسسات، مثل البنوك المركزية ووزارات المالية، والتي تسعى بشكل واضح إلى الحد من تقلبات الاقتصاد الكلي المرتبطة بالعولمة

ولكن من الممكن استخلاص مجموعة مفيدة من الأولويات من خبرات هذه الدول.

بناء المؤسسات
وعلى وجه التحديد، وينبغي لها أيضاً أن تعمل على تعزيز سيادة القانون، وتطوير أنظمة التعليم العام والرعاية الصحية بحيث تتمتع بالقدر الكافي من القوة والكفاءة، وتشجيع الصناعة المحلية للتأكيد على عائد رأس المال، وليس تكاليفه، باعتباره معياراً توجيهيا.

وبعيداً عن المحاكاة والتقليد، فإن الدول الصغيرة قادرة على مساعدة بعضها البعض من خلال التحالفات المباشرة. والأمر المثير للدهشة أن قِلة قليلة للغاية من مثل هذه التحالفات قائمة بالفعل، حيث تهتم الدول الصغيرة -وخاصة النامية منها- بتعزيز العلاقات مع الدول الكبيرة أو الانغماس في هياكل فدرالية إقليمية. وبطبيعة الحال، يكمن الخطر هنا في خفوت أصوات هذه الدول بفعل صخب الدول الكبيرة، وهو ما من شأنه أن يعيق قدرتها على القيام بما هو أفضل لمواطنيها.

في بيئة جيوسياسية واقتصادية سريعة التغير وتتسم بتحديات مثل ارتفاع أسعار الفائدة بسبب مستويات الاستدانة المرتفعة، وخفض الضرائب المفروضة على الشركات بشكل تنافسي، وأنماط الهجرة المتغيرة، والتباطؤ المحتمل لوتيرة العولمة ينبغي للدول الصغيرة أن تكون قادرة على تحديد وتقييم المخاطر، وتعديل إستراتيجياتها وفقاً لهذه المخاطر.

والواقع أنه حتى في غياب الاستقلال الكامل، فإن هذا هو على وجه التحديد ما يتعين على أسكتلندا أن تقوم به، خاصة وقد وُعِدَت بقدر من الحكم الذاتي أعظم من أي وقت مضى ضمن حدود المملكة المتحدة.
ــــــــــــــــ
مايكل أوسوليفان عضو معهد أبحاث كريدي سويس، ومؤلف كتاب "إيرلندا والسؤال العالمي"، والمحرر المشارك لكتاب "ماذا فعلنا من صواب".
ستيفانو ناتيلا عضو معهد أبحاث كريدي سويس.

المصدر : بروجيكت سينديكيت