محمد عبد الله العريان

 العام الحالي تميز بتحولات غير متوقعة
الصراعات الجيوسياسية المتصاعدة
الاقتصادات الناشئة وعدم اليقين

العام الحالي تميز بتحولات غير متوقعة
كان هذا العام غير عادي بالنسبة للاقتصاد العالمي، فتميز بسلسلة من التحولات الاقتصادية والجيوسياسية والسوقية غير المتوقعة، ومن غير المرجح أن يختلف الحال في الربع الأخير المتبقي من العام.

ومن المؤكد أن الكيفية التي قد تنتهي إليها هذه التحولات في نهاية المطاف سوف تخلف تأثيرا كبيرا على مدى فعالية السياسات الحكومية، وغير ذلك الكثير.

لماذا إذاً كانت الأسواق المالية تتصرف وكأنها في عالم خاص بها؟

الواقع أن أسواق الأسهم التي احتفظت بهدوء أعصابها ظاهريا إزاء مستويات النمو المخيبة للآمال في الاقتصادات المتقدمة والناشئة، أو التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في شرق أوروبا والشرق الأوسط سجلت أرقاما قياسية الواحد تلو الآخر هذا العام، وقد تجاهل هذا الارتفاع المبهر مجموعة من العلاقات التاريخية، بما في ذلك العلاقة المتبادلة بين أداء الأسهم والسندات الحكومية، والواقع أن العلاقات المتبادلة بين عدد من فئات الأصول المالية المختلفة كانت تتصرف بطريقة شاذة، وفي بعض الأحيان غير مستقرة.

من ناحية أخرى، وعلى جبهة السياسات بدأ تماسك السياسة النقدية في البلدان المتقدمة ينهار في مواجهة نظام متعدد المسارات، حيث يعتمد البنك المركزي الأوروبي بشكل أكبر على التحفيز، في حين يسعى بنك الاحتياطي الفدرالي الأميركي إلى تخفيف التحفيز.

تلوح في الأفق وبشكل خاص على مدى الأشهر القليلة المقبلة صراعات جيوسياسية متصاعدة تقترب من نقطة اللاعودة التي من بعدها يقبع شبح اضطرابات خطيرة تخيم على الاقتصاد العالمي

وتدفع هذه العوامل الاقتصاد العالمي إلى ربع أخير من هذا العام مرهق ومثقل بقدر كبير من عدم اليقين والشكوك في العديد من المجالات.

الصراعات الجيوسياسية المتصاعدة
وفي الأفق تلوح بشكل خاص على مدى الأشهر القليلة المقبلة الصراعات الجيوسياسية المتصاعدة التي تقترب من نقطة اللاعودة التي من بعدها يقبع شبح اضطرابات خطيرة تخيم على الاقتصاد العالمي، ويصدق هذا بشكل خاص في أوكرانيا، حيث لم تتوصل روسيا والغرب رغم وقف إطلاق النار الحالي إلى وسيلة لتخفيف التوترات بشكل حاسم، وفي غياب أي تقدم فإن الجولة الحتمية الجديدة من العقوبات والعقوبات المضادة من المرجح أن تدفع روسيا وأوروبا إلى الركود، وهو ما من شأنه أن يضعف النشاط الاقتصادي العالمي.

وحتى في غياب مثل هذه التعقيدات لن يكون تنشيط التعافي الاقتصادي المتزايد التباطؤ في أوروبا بالمهمة السهلة، ومن أجل تحريك عجلة التقدم اقترح رئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي على الحكومات الأوروبية صفقة سياسية كبرى، فإذا نفذت هذه الحكومات إصلاحات بنيوية وعكفت على تحسين المرونة المالية يتعهد البنك المركزي بتوسيع ميزانيته العمومية لتعزيز النمو والتصدي للانكماش، وإذا لم تلتزم البلدان الأعضاء بجانبها من الصفقة فسوف يجد البنك المركزي الأوروبي صعوبة كبيرة في تحمل عبء السياسات بشكل فعال، وبالتالي يتعرض للانتقاد والضغوط السياسية.

وعبر المحيط الأطلسي يستعد بنك الاحتياطي الفدرالي الأميركي للخروج من التيسير الكمي-سياسة شراء الأصول على نطاق واسع- في الأسابيع القليلة المقبلة، مما يجعله يعتمد اعتمادا كليا على أسعار الفائدة والتوجيهات السياسية المقدمة لتعزيز الاقتصاد.

والواقع أن الانسحاب من التيسير الكمي بعيدا عن افتقاره إلى الشعبية بين بعض المشرعين والساسة سلط الضوء على المخاوف بشأن خطر عدم الاستقرار المتزايد واتساع فجوة التفاوت بين الناس، وكل من الأمرين قد يؤدي إلى تقويض التعافي الاقتصادي الضعيف بالفعل في أميركا.

ومما يزيد الأمور تعقيدا اقتراب انتخابات الكونغرس في الولايات المتحدة في نوفمبر/تشرين الثاني، ونظرا لاحتمال استمرار الجمهوريين في السيطرة على الأقل على أحد مجلسي الكونغرس فربما تظل المرونة السياسية التي يتسم بها الرئيس الأميركي باراك أوباما مقيدة بشدة ما لم يجد البيت الأبيض والكونغرس أخيرا طريقة للعمل معا بطبيعة الحال.

وفي اليابان من ناحية أخرى، سوف يخضع للاختبار صبر القطاع الخاص في تحمل إستراتيجية رئيس الوزراء شينزو آبي الثلاثية المحاور لتنشيط الاقتصاد الذي طال ركوده والتي يطلق عليها مسمى "اقتصاد آبي" خاصة في ما يتصل بالتنفيذ الذي طال انتظاره للإصلاحات البنيوية لتكميل التحفيز المالي والتيسير النقدي.

الانسحاب من التيسير الكمي بعيدا عن افتقاره إلى الشعبية بين بعض المشرعين والساسة سلط الضوء على المخاوف بشأن خطر عدم الاستقرار المتزايد واتساع فجوة التفاوت بين الناس، وكل من الأمرين قد يؤدي إلى تقويض التعافي الاقتصادي الضعيف بالفعل في أميركا

وإذا فشل "سهم" اقتصاد آبي الثالث في تحقيق الغرض منه فسوف يتزايد عزوف المستثمرين عن المخاطرة، وهو ما من شأنه أن يعيق الجهود الرامية إلى تحفيز النمو وتجنب الانكماش.

الاقتصادات الناشئة وعدم اليقين
كما أصبحت الاقتصادات الناشئة خاضعة لقدر كبير من عدم اليقين، وسوف تحدد انتخابات الرئاسة المقبلة في البرازيل في أكتوبر/تشرين الأول ما إذا كانت البلاد قد تحرز تقدما نحو نموذج نمو جديد وأكثر استدامة أم إنها سوف تغرق إلى أعماق أكبر في إستراتيجية اقتصادية منهكة تعمل على تعزيز ميلها إلى التضخم المصحوب بالركود.

وفي الهند، بات السؤال الآن هو ما إذا كان رئيس الوزراء المنتخب حديثا نارندرا مودي سوف يتحرك بحزم لتحقيق توقعات الناخبين العالية في مجال الإصلاح الاقتصادي قبل أن ينتهي شهر العسل ما بعد النصر، وسوف تضطر الصين إلى تخفيف المخاطر المالية إذا كانت راغبة في تجنب الهبوط الحاد.

ويتمثل المصدر الأخير لعدم اليقين في قطاع الشركات، فحتى اللحظة من هذا العام كانت الشركات الموفورة الصحة تفتح خزائنها ببطء، وهو التباعد الملحوظ عن السلوك الكاره للمجازفة والذي ساد منذ الأزمة المالية العالمية.

الواقع أن عددا متزايدا من الشركات بدأت تنشر مخزونات هائلة من النقود التي احتفظت بها على ميزانياتها العمومية، أولا لزيادة الأرباح وإعادة شراء الأسهم، ثم لمتابعة عمليات الاندماج والاستحواذ بمعدل غير مسبوق منذ عام 2007.

والسؤال هو ما إذا كانت الشركات أيضا سوف تخصص أخيرا المزيد من النقود لاستثمارات جديدة في المنشآت والمعدات والبشر، وهو مصدر رئيسي لدعم الاقتصاد العالمي.

الحق أنها قائمة ثقيلة من التساؤلات، ورغم هذا فقد تحاشاها المشاركون في الأسواق المالية إلى حد كبير، متجاهلين مخاطر اليوم الكبرى وما تنطوي عليه من تقلبات محتملة، وبدلا من ذلك وضع المستثمرون الماليون ثقتهم في الدعم الثابت من قِبَل البنوك المركزية، وهم على يقين من أن السلطات النقدية سوف تنجح في النهاية في تحويل النمو الذي تستحثه السياسات إلى نمو حقيقي، وبطبيعة الحال استفادوا بشكل كبير من تدفق الأموال النقدية للشركات.

في الأشهر القليلة المقبلة قد يثبت التفاؤل الذي يسود الأسواق المالية اليوم أنه مبرر، ولكن من المؤسف أن الاحتمال الأكثر ترجيحا هو أن تكون توقعات المستثمرين وردية بشكل مفرط.
ــــــــــــــــــــــــــ
كبير المستشارين الاقتصاديين في أليانز وعضو لجنتها التنفيذية الدولية، وهو رئيس مجلس الرئيس باراك أوباما للتنمية العالمية، وأحدث مؤلفاته كتاب "عندما تتصادم الأسواق".

المصدر : بروجيكت سينديكيت