ستيفن روتش-نيوهافين*

كان الحوار الإستراتيجي والاقتصادي الذي اختتم أعماله مؤخراً بين الولايات المتحدة والصين مصدر خيبة أمل كبيرة. فقد افتقر إلى الإستراتيجية في وقت يواجه البلدان تحديات هائلة على العديد من الجبهات.

لم يكن ذلك الحوار أكثر من سلسلة من الخطب ونقاط الحديث المكتوبة بإحكام. والأمر الأكثر أهمية أن الحوار فشل في معالجة عجز الثقة المتزايد والذي يشكل التهديد الأشد خطورة الذي تواجهه العلاقات الصينية الأميركية في خمسة وعشرين عاما.

وكانت الظروف عصيبة خلال فترة التحضير للمحادثات. فكانت وزارة الخزانة الأميركية تشتكي مرة أخرى بشأن العملة الصينية، التي ارتفعت بنسبة 2.4% في مقابل الدولار في النصف الأول من عام 2014، بعد ارتفاعها بنسبة 37% على مدى السنوات الثماني ونصف السنة الماضية.

وكانت وزارة الخارجية الأميركية ووزارة الشؤون الخارجية في الصين منهمكتان في حرب كلامية حول النزاعات المتصاعدة على مناطق في بحري الصين الشرقي والجنوبي.

الجبهة السيبرانية
ولكن أحلك الغيوم كانت على الجبهة السيبرانية (شبكة الإنترنت). فقبل شهرين من بدء الحوار الإستراتيجي والاقتصادي وجهت وزارة العدل الأميركية إلى خمسة ضباط من جيش التحرير الشعبي 31 اتهاماً يتراوح بين الاحتيال في مجال الكمبيوتر والقرصنة إلى سرقة الهوية والتجسس الاقتصادي.

ورداً على ذلك، علقت الصين مشاركتها في التبادلات العسكرية الثنائية حول التهديدات السيبرانية (التهديدات عبر شبكة الإنترنت). ومن ناحية أخرى، ترددت أصداء الكشف عن النطاق الواسع من أنشطة التجسس السيبرانية التي تديرها الولايات المتحدة من الكونغرس إلى برلين، الأمر الذي أدى إلى ظهور تشريعات تهدف إلى السيطرة على ممارسات وكالة الأمن القومي الأميركية غير المنضبطة إلى حد كبير وإفساد أجواء العلاقات الأميركية الألمانية البالغة الأهمية.

المسؤولون الصينيون لا يرون اختلافاً كبيراً بين التهديد السيبراني الذي تفرضه وكالة الأمن القومي وذلك الذي يفرضه جيش التحرير الشعبي، خاصة وأن الاختراقات السيبرانية الأميركية كانت تستهدف أيضاً شركات أجنبية ومفاوضين تجاريين وزعماء دوليين، وجميعهم يشاركون بشكل مباشر أو غير مباشر في أنشطة تجارية

وقد تركزت الاتهامات والاتهامات المضادة بشأن المسألة السيبرانية حول الدوافع في المقام الأول. فقد سارعت الولايات المتحدة إلى التمييز بين التجسس التجاري والعسكري. ولكن في نظر الصين لا يعني هذا التمييز شئيا.

فلا يرى المسؤولون الصينيون اختلافاً كبيراً بين التهديد السيبراني الذي تفرضه وكالة الأمن القومي وذلك الذي يفرضه جيش التحرير الشعبي، خاصة وأن الاختراقات السيبرانية الأميركية كانت تستهدف أيضاً شركات أجنبية ومفاوضين تجاريين وزعماء دوليين، وجميعهم يشاركون بشكل مباشر أو غير مباشر في أنشطة تجارية. وفي النهاية، يُعَد هذا التقسيم الأخلاقي الدقيق أقل أهمية من لعبة توجيه اللوم في حد ذاتها، وهو مظهر واضح من مظاهر انعدام الثقة الثنائي المتعمق الناجم عن مرحلة مدمرة من الاعتماد المتبادل بين الصين وأميركا.

وعلى هذه الخلفية، لم يكن من المستغرب أن يسفر الحوار الإستراتيجي والاقتصادي عن أقل القليل من النتائج. فلم تتم إعادة تشغيل عملية التبادل السيبراني بين المؤسستين العسكريتين، وكانت معاهدة الاستثمار الثنائية (إطار المنفعة المتبادلة القائم على القواعد والذي قد يقطع شوطاً طويلاً نحو فتح أسواق البلدين أمام شركات أميركية وصينية متزايدة الخضوع للعولمة) مخيبة للآمال بشكل خاص. وقبل عام، تحقق تقدم مشجع بشأن معاهدة الاستثمار، ولكن هذا العام حدثت انتكاسة، بعد تأجيل إطلاق المفاوضات الصريحة بشأن الصناعات التي تستحق الإعفاء -"القائمة السلبية" المثيرة للجدال دوما- إلى عام 2015.

والمشكلة في هذا التأخير هي أن الطريق يؤدي بشكل مباشر إلى دورة الانتخابات الرئاسية المقبلة في الولايات المتحدة، وهو الوقت الذي يشهد دوماً احتدام المناقشة بشأن الصين. وإذا أضفنا إلى هذا حالة الاستقطاب والخلل التي يعاني منها الكونغرس، فسوف يذكرنا الإطار الزمني لإبرام معاهدة الاستثمار بين الولايات المتحدة والصين بشكل مخيف بعملية دامت عشر سنوات والتي كانت مطلوبة قبل انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001. وهو أمر سيئ بالنسبة للبلدين، حيث يواجه كل منهما الآن تحديات اقتصادية ملحة.

كنت في الصين خلال الأسبوع التالي للحوار الإستراتيجي والاقتصادي، وكانت الدوائر الرسمية تتحدث بحماس عن فرص النمو الجديدة المترتبة على إعادة التوازن بقيادة قطاع الخدمات. وكان هناك أيضاً إدراك واضح للتقدم الكبير الذي تم إحرازه على هذه الجبهة، حيث شهد قطاع الخدمات في الصين نمواً أسرع من ذلك الذي شهده قطاع التصنيع والبناء للعام الثالث على التوالي، وهو ما يكفي لجعل قطاع الخدمات القطاع الأكبر في الاقتصاد الصيني للمرة الأولى على الإطلاق.

وليس هذا فحسب. فعند مستوى 47% من الناتج المحلي الإجمالي تقريبا، يظل قطاع الخدمات الوليد في الصين أقل كثيراً من نسبة 60% إلى 65% التي تحققها الاقتصادات المتوسطة الدخل عادة.

إن فشل زعماء الولايات المتحدة والصين في إدراك المنافع المتبادلة المترتبة على معاهدة الاستثمار أمر مزعج ومقلق للغاية. والواقع أن التباطؤ على مسار هذا الإصلاح الذي يعود بالفائدة على الجميع، يشير إما إلى أن كلا الجانبين لا يكترث بحتمية النمو أو أنهما غير مستعدين لمعالجة هذه الحاجة الملحة من خلال التعامل بجدية

وفي الوقت ذاته، يدرك المسؤولون الصينيون أن تحقيق المزيد من التقدم نحو إعادة التوازن الاقتصادي بقيادة قطاع الخدمات سوف يتباطأ في غياب المواهب والأنظمة اللائقة والخبرة وبلوغ حجم الشركات العالمية المتعددة الجنسيات التي تقدم الخدمات. ومَن أفضل من الولايات المتحدة في تقديم المطلوب لتحقيق هذه الغايات، فهي الدولة صاحبة الاقتصاد الأكبر والأكثر قدرة على المنافسة في قطاع الخدمات على مستوى العالم.

ولأن الولايات المتحدة شهدت عاماً آخر من الأداء الضعيف، فقد يتصور المرء أن هذه الفرصة لتحقيق النمو كانت لتلقى القبول على الجانب الأميركي من طاولة الحوار الإستراتيجي والاقتصادي.

إن فشل زعماء الولايات المتحدة والصين في إدراك المنافع المتبادلة المترتبة على معاهدة الاستثمار أمر مزعج ومقلق للغاية. والواقع أن التباطؤ على مسار هذا الإصلاح الذي يعود بالفائدة على الجميع، يشير إما إلى أن كلا الجانبين لا يكترث بحتمية النمو أو أنهما غير مستعدين لمعالجة هذه الحاجة الملحة من خلال التعامل بجدية مع عجز الثقة المتزايد الذي يفرق بينهما. وأظن أن الاحتمال الأخير هو الأرجح.

إن الزعماء على الجانبين يدركون حجم التحديات التي يواجهها النمو في البلدين. ولكن يبدو أنهما غير راغبين في معالجة انعدام الثقة الذي تفاقم خلال العام الماضي بسبب القضية السيبرانية. وهنا تأتي لعبة توجيه اللوم لتكذب ما هو واضح: فكل من البلدين يمارس الاختراقات السيبرانية، وكل منهما فقد السيطرة على المتسللين. وعلاوة على ذلك فإن محاولات الاختراق السيبرانية في حد ذاتها تنمو بمعدل هائل في عالم اليوم المتزايد الترابط. بعبارة أخرى، من الواضح أن لعبة توجيه اللوم عقيمة وبلا طائل.

إن تقبل المسؤوليات المشتركة في التعامل الجاد مع التوترات السيبرانية يشكل ضرورة أساسية إذا كان للولايات المتحدة والصين أن يعودا إلى التواصل بشأن التحديات الجيوستراتيجية والاقتصادية التي يواجهها البلدان.

والواقع أن فشل الحوار الإستراتيجي والاقتصادي في يوليو/تموز كان بمثابة علامة خطر، ولكنه أيضاً يمثل إشارة أخرى إلى أن العلاقات الثنائية تسير في الاتجاه الخاطئ. والاستمرار على نفس المسار الحالي ليس بالخيار الوارد على الإطلاق.

ترجمة/مايسة كامل   

*ستيفن روتش عضو هيئة التدريس في جامعة ييل ورئيس مورجان ستانلي في آسيا سابقا، ومؤلف كتاب "علاقة غير متوازنة: الاعتماد المتبادل بين أميركا والصين".
المصدر: بروجيكت سنديكيت

المصدر : بروجيكت سينديكيت