عبد الحافظ الصاوي*

فقد الاحتياطي
إضاعة الفرص

من المستفيد؟

هناك حالة من الاضطراب تسود سعر الصرف في مصر منذ أكثر من ثلاث سنوات، وذلك بسبب إصرار صانع السياسة النقدية على اتباع سياسة حماية سعر الجنيه المصري، والمسلّم به أن سياسة سعر الصرف يجب أن تتسم بالمرونة بما يعود بمردود إيجابي على مختلف المتغيرات الاقتصادية الأخرى، ويجب ألا تعمل السياسة النقدية بمفردها تجاه سعر الصرف، بل لابد أن تعمل معها باقي مفردات السياسة الاقتصادية، من سياسات مالية واستثمارية، وتلك الخاصة بالتجارة الخارجية.

ووفق بيانات النشرة الاقتصادية للبنك المركزي المصري لشهر يناير/كانون الثاني 2011، فإن متوسط سعر صرف الدولار بلغ قرابة 5.8 جنيهات مصرية، بينما في أغسطس/آب 2014 وصل هذا المتوسط نحو 7.18 جنيهات، أي أن قيمة الجنيه انخفضت بنسبة تصل إلى 23.7%، خلال الفترة المذكورة.

المفترض وفق قواعد التجارة الخارجية، وفي ظل ظروف أداء طبيعي، أن تنطلق الصادرات المصرية مستفيدة من انخفاض قيمة العملة، ولكن هذا لم يتحقق

المفترض وفق قواعد التجارة الخارجية، وفي ظل ظروف أداء طبيعي، أن تنطلق الصادرات المصرية مستفيدة من انخفاض قيمة العملة، ولكن هذا لم يتحقق لأمرين، الأول أن الاقتصاد المصري لا يعيش في ظل ظروف طبيعية منذ نجاح ثورة 25 يناير 2011، والأمر الثاني وبعيدا عن الثورة فإن الجهاز الإنتاجي بمصر غير مرن، أو يمكن وصفه بـ عديم المرونة تجاه ميزة انخفاض سعر العملة الوطنية.

فتقارير البنك المركزي المصري تشير إلى تراجع الصادرات السلعية لمصر نهاية عام 2012/2013 لتصل إلى 26 مليار دولار، بعد أن كانت بنهاية 2010/2011 تصل إلى 27 مليار دولار.

وما زاد من الآثار السلبية أن الواردات اتجهت إلى الزيادة خلال نفس الفترة من 50.8 مليار دولار إلى 57.5 مليارا لتشكل ضغطا على سعر الجنيه بشكل كبير، وبخاصة أن الموارد المعتادة لتدفقات النقد الأجنبي لمصر تأثرت هي الأخرى سلبًا خلال الفترة، مثل عوائد السياحة واستثمارات العاملين بالخارج، ولكن تحويلات العاملين بالخارج شهدت تطورا إيجابيا لتصل إلى قرابة 18 مليار دولار بنهاية عام 2012/2013.

وما يزال أداء الصادرات والواردات على هذا المنوال، فالنشرة الاقتصادية لشهر يوليو/ تموز 2014 -الصادرة عن مركز المعلومات التابع لمجلس رئاسة الوزراء المصري- تبين أن حجم الصادرات في مارس/ آذار 2014 بلغ 25.8 مليار دولار، بينما الواردات وصلت إلى 55.2 مليارا.

فقد الاحتياطي
في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية التي مرت بها مصر بعد ثورة 25 يناير، كان الأمر يتطلب التخلي عن سياسة حماية سعر الصرف، نظرا لأن التصرف الطبيعي للأجانب أنهم سيخرجون من السوق، وبخاصة الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة بسبب القلق الذي ينتابهم في ظل هذه الظروف.

خرجت نهاية يونيو/ حزيران 2011 نحو ثمانية مليارات دولار لمستثمرين أجانب بلا أي تكلفة بعد أن جنت أرباحا طائلة من العوائد العالية على سندات الحكومة

وكان الثمن غاليا حيث خرجت مع نهاية يونيو/ حزيران 2011 نحو ثمانية مليارات دولار لمستثمرين أجانب كانت توظف في السندات الحكومية، فخرجت هذه الأموال بلا أي تكلفة بعد أن جنت أرباحا طائلة من العوائد العالية على سندات الحكومة، ولم تخسر شيئا نظير فارق تحويل رؤوس أموالهم من العملة المحلية إلى الدولار، بسبب إصرار البنك المركزي على سياسة حماية سعر الصرف.

وكانت النتيجة غير المحمودة -مع نهاية ولاية المجلس العسكري بإدارة المرحلة الانتقالية الأولى- أن فقد احتياطي النقد الأجنبي عشرين مليار دولار خلال عام ونصف عام، وهو ما يمثل نسبة 55.5% من إجمالي احتياطي النقد الأجنبي نهاية ديسمبر/ كانون الأول 2010.

ومنذ ذلك التاريخ، والبنك المركزي يدور في ورطة احتياطي النقد الأجنبي ومخاوف تناقصه عن الحد الأدنى لتوفير احتياجات ستة أشهر من احتياجات مصر من الواردات الأساسية، والمقدرة بـ18 مليار دولار. والرصيد الحقيقي بدون الودائع الخليجية في مكون الاحتياطي يُظهر تدني احتياطي مصر من النقد الأجنبي لمعدلات خطرة، ومما يدلل على ذلك حالة الارتباك التي تنتاب الإدارة المصرية من حلول سداد استحقاقات الوديعة القطرية المقدرة بثلاثة مليارات دولار، والمستحقة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2014.

إذا كان البنك المركزي المصري من خلال سياسة حماية الجنيه المصري يريد أن يعطي انطباعًا باستقرار سعر الصرف في مصر في ظل هذه الظروف، لتتشابه الأوضاع على ما كانت عليه قبل ثورة 25 يناير، فقد فشل في تحقيق هذا الهدف، حيث تحرك سعر الصرف بنسبة كبيرة، كما أن ظروف ما قبل الثورة ساعدت على تكوين احتياطي النقد الأجنبي من مصادر استثنائية، منها خصخصة بنك الإسكندرية وبيع رخصة الهاتف المحمول الثالثة وخصخصة عدد كبير من الشركات العامة لصالح أجانب، ولكن الظروف الحالية لا تتيح هذه الظروف الاستثنائية مرة أخرى.

إضاعة الفرص
كانت أمام صانع السياسة الاقتصادية بمصر فرصة كبيرة في ظل انخفاض قيمة الجنيه المصري، بحيث يتم تشجيع الصناعات المحلية لاتباع سياسة إحلال الواردات في ظل ارتفاع تكلفة الواردات، وهو ما يعني البحث وتوظيف الموارد المحلية الأولية وتحويلها إلى منتجات وسيطة ونهائية، بما يترتب على ذلك من تحريك النشاط الإنتاجي وخلق فرص عمل جديدة وتخفيف حدة البطالة.

ولكن على ما يبدو، فإن حماية سعر الصرف سياسة مقدسة لدى البنك المركزي المصري حتى لو أدت إلى انهيار احتياطي النقد وتراجع معدلات النمو وزيادة نسبة الفقر والبطالة.

معظم الدول التي مرت بأزمات اقتصادية انخفضت قيمة عملتها المحلية، ولكنها لم تقف عند هذه النقطة وحسب بل حولت الأزمة إلى فرصة

إن معظم الدول التي مرت بأزمات اقتصادية انخفضت قيمة عملتها المحلية، ولكنها لم تقف عند هذه النقطة وحسب بل حولت الأزمة إلى فرصة، وهو الدرس المستفاد من أزمة أسواق المال في دول جنوب شرق آسيا العام 1997، حيث استفادت هذه الدول من انخفاض سعر عملاتها في تصفية مخازنها وانطلاق النشاط الإنتاجي بها لتتحرك مختلف الأنشطة الاقتصادية، ولتخرج من الركود إلى الرواج. 

وحتى الصين تحرص على بقاء عملتها الوطنية بحدود معينة وترفض رفع قيمتها منذ بداية الألفية الثالثة، وذلك رغم الضغوط الشديدة عليها في هذا المجال من قبل أميركا والاتحاد الأوروبي، وتستهدف الصين من ذلك الحفاظ على صادراتها وزياداتها في ظل الأسعار المنخفضة.

إن استمرار هذه الحالة المضطربة للسياسة النقدية تجاه سعر صرف الجنيه وحمايته يؤدي إلى نتيجة سلبية لدى المستثمرين المحليين والأجانب على السواء، فمن صالح المستثمر أن يكون هناك استقرار في سعر الصرف حتى يتمكن من اتخاذ قراراته على الأجلين المتوسط والبعيد.

ولكن نظرا لقصور إمكانيات مصر في النقد الأجنبي لتبنّي سياسة كاملة لحماية الجنيه، فإن الواقع يسفر عن انخفاض لقيمة الجنيه بشكل تدريجي في السوق الرسمية، وبشكل أسرع في السوق السوداء، مما يوجد حالة من الضبابية وزيادة المخاطر في سوق الاستثمار بمصر.

وتظهر مخاطر هذا الوضع على خطة الحكومة المصرية التي تستهدف جذب الاستثمارات الأجنبية بشكل كبير كمخرج لأزمتها التمويلية الحالية، ولم يسفر الواقع عن نتائج إيجابية في تدفق استثمارات أجنبية مباشرة بمصر خلال السنوات الماضية بشكل ملحوظ، ففي أحسن الأحوال تقترب مصر من 3.5 مليارات دولار تدفقات سنوية، وهي أقل من معدلات عام 2010.

وهذه نتيجة طبيعية، حيث إن الحكومة تستهدف شيئا وتنفذ ما يساعد على عدم تحقيقه، وخير مثال على ذلك ما يتم بشأن حماية سعر صرف الجنيه.

من المستفيد؟
في بداية ثورة 25 يناير وحتى نهاية عام 2011، استفاد المستثمرون الأجانب من سياسة حماية سعر الصرف، حيث خرجوا من السوق المصرية بلا خسائر نتيجة فروق العملة كما ذكرنا، كما استفاد من ذلك رجال مبارك الذي استطاعوا تهريب أموالهم للخارج، سواء بشكل رسمي أو غير رسمي، وهو ما خلق أجواء غير إيجابية على  المتاح من العملات الأجنبية بالسوق المصرية.

كما استفاد المضاربون وتجار السوق السوداء من هذه السياسة الخاطئة لحماية سعر الصرف في العملات الأجنبية، حيث زاد نشاطهم بشكل ملحوظ، وبخاصة في حالة التراخي الرقابي من الأجهزة الأمنية والفنية المعنية بمراقبة شركات الصرافة وغيرها من العاملين في سوق الصرف بصورة غير رسمية، مما ساعد على تمويل الاقتصاد الأسود بشكل كبير.

كما استفاد من هذه السياسة المصدّرون للاقتصاد المصري -وكما أظهرنا من خلال الأرقام- حيث زادت واردات مصر وتراجعت صادراتها، مما يعني أن الصناعة المحلية هي الخاسر الأكبر، ومن جهة أخرى فإن زيادة الواردات وتراجع الصادرات يعكس مؤشرَ خطرٍ على زيادة تبعية الاقتصاد المصري للخارج وتعرضه للصدمات الخارجية بشكل كبير.

وتظل قضية حماية سعر الصرف وما جلبته من تداعيات سلبية على الاقتصاد المصري بلا محاسبة، شأن العديد من القضايا الاقتصادية، وبخاصة في ظل غياب برلمان منتخب في أجواء ديمقراطية صحيحة، فضلا عن استمرار الحكومة على نفس طريقة الحكومات السابقة في إطار إستراتيجية الجزر المنعزلة، فلا يوجد رابط بين ما يقوم به البنك المركزي وما يقع على الصناعة وباقي الأنشطة الاقتصادية الأخرى المتعلقة بالإنتاج.
______
* كاتب صحفي مصري

المصدر : الجزيرة