تامر بدوي

أوكرانيا والعقوبات الغربية على موسكو
مرور عقد من المفاوضات
الخلاف حول السعر والمسار

ما وراء السوق الصيني
هل يتأثر الغاز المسال القطري؟
هل يتجه الغاز التركماني غرباً؟

أوكرانيا والعقوبات الغربية على موسكو
لم تكن صفقة الغاز الروسية الصينية -التي تقضي بتصدير موسكو 38 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي لبكين لثلاثين عاماً- وليدة التحولات الأوكرانية وما تبعها من عقوبات غربية، وإن بقيت حافزاً لتقديم تنازلات لضمان أكبر سوق مستهلك للغاز الطبيعي في العالم.

فقد حفزت التحركات الأوروبية الأخيرة موسكو على التقدم نحو هذه الخطوة التي تصب في صالح تخفيف اعتماد الاقتصاد الروسي على صادرات الغاز إلى أوروبا في ظل جهود الأخيرة لتنويع وارداتها من الغاز الطبيعي من مُصدرين آخرين.

وبعد ضم روسيا جزيرة القرم، صرح إيغور سيشن رئيس شركة روسنفط (المعروف برجل روسيا الثاني) من اليابان بأنه "إذا حاولت الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا عزل روسيا، ستتجه موسكو نحو الشرق للاستثمار: عقد اتفاقيات في مجال الطاقة، وإبرام صفقات تسلح، والبحث عن تحالفات سياسية".

بعد ضم روسيا جزيرة القرم صرح رئيس شركة روسنفط إيغور سيشن من اليابان بأنه "إذا حاولت الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا عزل روسيا، ستتجه موسكو نحو الشرق للاستثمار في: عقد اتفاقيات في مجال الطاقة، وإبرام صفقات تسلح، والبحث عن تحالفات سياسية"

لم يكن مضمون تصريحات سيشن جديداً من حيث الجوهر، وإن جاء في لهجة حاسمة هذه المرة.

ففي مقابل المساعي الأوروبية للتخلي عن الغاز الروسي، كانت موسكو قد أعلنت من قبل في تقريرها "إستراتيجية الطاقة الروسية حتى عام 2030" الذي أصدرته في 2009، أنها ستركز صادراتها تدريجياً على الشرق بتخصيص 75 مليار متر مكعب من الغاز للمستوردين الآسيويين من مجمل صادراتها في السنوات القادمة.

أما بالنسبة للصين، فقد بدا من التصريح الصيني الروسي المشترك الذي صدر في مايو/أيار الماضي على خلفية زيارة بوتين أنها تبحث عن مرحلة جديدة تشكل فيها شراكة إستراتيجية مع موسكو. 

بدوره، أكد الرئيس الصيني شى جين بينغ أثناء زيارة له لموسكو العام الماضي أن "وجود علاقات صينية-روسية متينة ورفيعة المستوى ليس فقط ضرورياً للوفاء بمصالحنا، بل يشكل ضمانة لتحقيق السلام وتوازن إستراتيجي على المستوى الدولي".

على مستوى الطاقة، توجد أسباب اقتصادية وإستراتيجية دفعت الصين نحو عقد صفقة الغاز مع روسيا.

اقتصادياً، مع الاتجاه نحو الاستغناء التدريجي عن الفحم كوقود لصالح الغاز الطبيعي تواجه بكين طلباً متصاعداً على الغاز مع ارتفاع كلفة خيار التوسع في استيراد الغاز المسال. أما إستراتيجياً، فالتوترات الصاعدة بين الصين وجيرانها في ظل توجه أميركا نحو منطقة آسيا-المحيط الهادي تهدد أمن واردات الصين من الغاز المسال القادمة عبر مضيق ملقا.

مرور عقد من المفاوضات
تعود الجهود المشتركة بين موسكو والصين إلى بداية تسعينيات القرن الماضي للتوصل إلى صيغة مشتركة للتعاون في مجال الطاقة، بدأت المبادرة الأولى بين الطرفين في 1992، حيث تم الاتفاق بموجبها على التخطيط لنقل النفط الروسي من حقول شرق سيبيريا إلى الصين واليابان.

تبع المبادرة في 1994 التوقيع على مذكرة تفاهم بين روسيا والصين لبناء خطوط نفط وغاز من روسيا إلى الصين. وفي عامي 1997 و1999 تم التأكيد على مذكرات التعاون السابقة، وبدأت كل من روسيا والصين وكوريا الجنوبية دراسة جدوى مشروع لتصدير الغاز من حقل كوفيكتا الروسي عبر خط شرقي. تزامناً مع هذه الخطوات، بدأت غازبروم التخطيط لخط غاز آخر يتجه نحو غرب الصين.

أما في عهد رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين، فقد وقع الجانبان الروسي والصيني في مارس/آذار 2006 على بروتوكول يقضي بتصدير 68 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً بحلول عام 2011، مع تفضيل موسكو للخط الغربي وتفضيل بكين للخط الشرقي. استمرت المفاوضات بين الطرفين منذ ذلك الحين وصولاً إلى عام 2013 مع استمرار الخلافات.

الخلاف حول السعر والمسار
لماذا تأخر الجانبان في التوافق وإبرام الصفقة على الرغم من بدء المفاوضات منذ عام 1992؟ ولماذا لم يتم إنجازها إلا بعد نحو عقد في منتصف 2014؟

كان الخلاف طوال هذا العقد يدور حول نقطتين: تسعير الغاز ومسار خطوطه.

ونظراً لكون تسعيرة صادرات الغاز الروسي مرتبطة بسعر النفط في الأسواق العالمية (Oil-indexed)، كانت بكين في فترات انخفاض سعر النفط أكثر استعداداً للتفاوض في مقابل تردد موسكو. في المقابل، كانت موسكو في فترات ارتفاع سعر النفط أكثر استعداداً لإبرام صفقة في مقابل تردد بكين.

وفي الوقت الذي كانت فيه روسيا ترغب في بيع الغاز من حقل غرب سيبيريا إلى الصين بأسعار مقاربة لأسعار صادراتها إلى أوروبا، كان سعر الغاز الروسي من الحقل المذكور مرتفعا بالنسبة لبكين عند مقارنته بسعر واردات الغاز الصينية من ميانمار وتركمانستان بالإضافة إلى الإنتاج المحلي من الغاز (مع أخذ أسعار واردات الغاز المسال في الحسبان).

أما موضع الخلاف الثاني بين الطرفين سابقاً فكان اختيار مسار خطوط الغاز.

فبينما كانت الصين تُفضل خط غاز شرقيا يغطي الطلب الصاعد للأقاليم الشمالية الشرقية، كانت موسكو ترى أن حجم طلب الأقاليم الصينية في هذه المنطقة لا يبرر حجم الاستثمارات المطلوبة لتطوير حقول سيبيريا الشرقية.

في مقابل مسار الخط الشرقي، فضلت موسكو خطا غربيا (خط التاي) ينطلق من حقول غاز سيبيريا الغربية (الموجهة للغرب) إلى غرب الصين.

تعود الجهود المشتركة بين موسكو والصين إلى بداية تسعينيات القرن الماضي للتوصل إلى صيغة مشتركة للتعاون في مجال الطاقة، وبدأت المبادرة الأولى في 1992، حيث تم الاتفاق على التخطيط لنقل النفط الروسي من حقول شرق سيبيريا إلى الصين واليابان

وتنبع الأهمية الجيوسياسية لهذا الخط من كونه يُمَكن روسيا من إعادة تحويل الغاز الموجه غرباً إلى الصين في حال الاختلاف مع الزبائن الأوروبيين حول السعر أو استغنائهم تدريجياً عن الغاز الروسي كما هو مخطط. بذلك يُمَكن خط التاي موسكو من استخدام الغاز كأداة للمناورة بين أوروبا والصين.

مع ذلك، قبلت روسيا بخيار خط الغاز الشرقي عام 2011، وتم عقد اتفاق مايو/أيار 2014 على أساس تصدير الغاز الروسي عبر هذا المسار مع تقديم الصين قروض إلى روسيا لتطوير حقول سيبيريا الشرقية وبناء خط الغاز.

ما وراء السوق الصيني
لم يأت رد فعل اليابان وكوريا الجنوبية تجاه ضم موسكو القرم والتطورات الأوكرانية بحدة ردود فعل حلفائهم الغربيين، وإن جاءت على نفس الخط، ويمكن رد هذا الفتور النسبي جزئياً إلى رغبة الدولتين في عقد صفقات لاستيراد الغاز الروسي. لا شك أن زيارة إيغور سشين رئيس روسنفط الروسية لليابان وكوريا لبحث سبل التعاون في الطاقة كان لها أثر.

في أعقاب عقد الصفقة الأخيرة، طرح عدد من نواب برلمان الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم باليابان صفقة غاز يابانية-روسية تقضي بمد خط من جزر سخالين الروسية إلى اليابان بقيمة 5.9 مليارات دولار لاستيراد عشرين مليار متر مكعب من الغاز.

كانت اليابان وقعت في يونيو/حزيران 2012 على مذكرة تفاهم مع موسكو لاستيراد كميات أكبر من شحنات الغاز المسال الروسي بحلول 2018 مع افتتاح منشأة تسييل فلاديفتسوك.

لم تستبعد اليابان آنذاك إعطاء فكرة مد خط غاز أولوية كبديل لخيار زيادة حجم واردات الغاز المسال، وهو الخيار الذي يبدو أنه يلاقي قبولاً في اليابان في الوقت الحالي.

أما بالنسبة لكوريا الجنوبية، فتبدو خطط تصدير الغاز الروسي لها الآن أكثر قابلية للتحقق من ذي قبل.

وخلافاً لاقتراحات تصدير الغاز عبر خط يمر بكوريا الشمالية أو عبر خط بحري من روسيا مباشرة، اقترحت بكين في عام 2012 خطا يتفرع من الخط الشرقي المخطط له ليصل إلى كوريا الجنوبية بحراً عبر مقاطعة شاندونج الصينية، وفي حال تحقق هذا السيناريو ستزيد ربحية خط الغاز الشرقي وأهميته الإستراتيجية.

في هذا السياق، كانت رئيسة كوريا الجنوبية أعلنت في نهاية العام الماضي عن رغبتها في تأسيس "مبادرة أوراسية" تتضمن بناء شبكة طاقة تربط كوريا الجنوبية بروسيا.

حذت الهند حذو اليابان وكوريا الجنوبية بإعلانها مؤخراً رغبتها في عقد صفقة لاستيراد الغاز الروسي من خلال خط يمر عبر الصين بعد الإعلان عن صفقة الغاز الصينية-الروسية.

هل يتأثر الغاز المسال القطري؟
صدرت شركتا قطر غاز وراس غاز 9.2 مليارات متر مكعب من الغاز القطري للصين، أي تقريباً 10% من مجمل صادرات الغاز القطرية. وفي عام 2012 شكلت صادرات الغاز القطرية ثلث الواردات الصينية من الغاز المسال.

بعقد صفقة الغاز الأخيرة مع روسيا التي ستغطي 25% من الطلب الصيني، من المتوقع أن تتأثر الصادرات القطرية في مقابل منافسة الغاز الروسي

بعقد صفقة الغاز الأخيرة مع روسيا -التي ستغطي 25% من الطلب الصيني- من المتوقع أن تتأثر الصادرات القطرية في مقابل منافسة الغاز الروسي، في حين أن السعر الذي يتوقع الخبراء أنه تم الاتفاق عليه يقارب عشرة دولارات للوحدة الحرارية البريطانية، فإن هذا السعر يقل بقيمة خمسة دولارات تقريباً عن سعر الغاز المسال الذي يشتريه المستهلكون الآسيويون من الدوحة.

بقدوم الغاز الروسي مستقبلاً، ستتوفر لدى بكين قريباً إمكانية الضغط لإعادة التفاوض حول عقود الغاز المسال القديمة مع الدوحة للحصول على أسعار أكثر تنافسية.

لكن الأمر لا يتوقف على الغاز الروسي القادم عبر الأنابيب فقط، بل الغاز المسال الأميركي أيضاً الذي سيتنافس مع الغاز المسال القطري والغاز التركماني أيضاً القادم من قلب آسيا الوسطى إلى الصين عبر الخطوط. إذا تم مد خطوط غاز من روسيا إلى اليابان وكوريا الجنوبية سيواجه الغاز القطري تحدياً أكبر في المستقبل.

مع ذلك، من المتوقع أن يتضاعف الطلب العالمي خلال السنوات العشر القادمة على الغاز المسال في ظل احتلال السوق الآسيوي 75% من الطلب العالمي في الوقت الحالي، وتلبية الغاز القطري لأكثر من ثلث الطلب العالمي (33%) خلال السنوات الأخيرة.

ورغم استمرار تمتع الغاز المسال القطري بموقع محوري، فإنه سيتأثر بدخول لاعبين جدد إلى منطقة آسيا-المحيط الهادي كأميركا وأستراليا وعدد من الدول الأفريقية مثل أنغولا وموزمبيق، وهو ما سيحتاج من الإدارة القطرية تطوير إستراتيجيات جديدة في مقابل الانخفاض المتوقع لأسعار الغاز المسال في الأسواق الآسيوية على المديين المتوسط والبعيد.

في مقابل المنافسة المتزايدة في آسيا، فإن الطلب على الغاز المسال من المتوقع أن يرتفع في أميركا اللاتينية، حيث تضاعف عدد الدول بأميركا اللاتينية المستوردة للغاز المسال من ثلاث دول عام 2007 إلى ست دول في 2013، وهو ما يوفر للدوحة أسواقا جديدة.

أما في أوروبا، فعلى الرغم من بطء الطلب على الغاز الطبيعي فمن المتوقع أن يزيد الاعتماد الأوروبي على الغاز المسال القطري مستقبلاً.

وفي مقابل تراجع حجم الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي من 45.1% إلى 31.8% بين 2003 و2010، قفز النصيب القطري من 1% إلى 11% عام 2011.

خلافاً لتخوفات منافسة الغاز المسال الأميركي للغاز المسال القطري والروسي بآسيا، هناك من يرى أن الغاز المسال الأميركي لن يشكل تهديداً كبيراً.

بحسب ما يرى الرئيس التنفيذي لقطاع الصادرات بشركة غازبروم ألكساندر ميدفيديف، يتأرجح سعر الغاز الأميركي بين 4 و5 دولارات للوحدة الحرارية البريطانية، وهو سعر منخفض بالنسبة لتكاليف إنتاج الغاز الصخري، ومن ثم -بحسب ميدفيديف- سيكون تغيير تسعير الغاز حتمياً لأن هناك تكاليف أخرى (كالتسييل، والنقل، وطول المسافة، وإعادة تحويل الغاز المسال لحالته الطبيعية) ستجعل من سعر الغاز الأميركي عند دخول الأسواق مقارباً لصادرات الغاز المسال المنافسة.

هل يتجه الغاز التركماني غرباً؟
بعد عقد صفقة الغاز الروسية-الصينية تتواتر أنباء من مسؤولين بالكرملين عن احتمال عقد صفقة أخرى تقضي ببناء خط غاز التاي الغربي الذي كانت موسكو تطمح إليه.

في المقابل، قد تصبح هذه الصفقة كابوساً بالنسبة لـ"عشق آباد" التي تُصدر غازها إلى غرب الصين، وهي نفس المنطقة التي سيتجه إليها خط التاي، مما قد يشعل حرب أسعار بين موسكو و"عشق آباد". مع ذلك، لا يزال الغاز التركماني يتمتع بسعر تنافسي. لكنه ليس معلوماً بعد نظام التسعير الذي سيتم الاتفاق عليه في حال الاتجاه لعقد اتفاقية جديدة بين الطرفين.

من المتوقع أن يتضاعف الطلب العالمي خلال السنوات العشر القادمة على الغاز المسال في ظل احتلال السوق الآسيوي 75% من الطلب العالمي في الوقت الحالي، وتلبية الغاز القطري أكثر من ثلث الطلب العالمي (33%) خلال السنوات الأخيرة

في حال بناء خط التاي الغربي وتلبية روسيا جزءا معتبرا من طلب أقاليم غرب الصين بسعر تنافسي في هذه المنطقة مستقبلاً، قد تتجه "عشق آباد" إلى إعادة توجيه جزء من فوائض صادراتها نحو أوروبا مبكراً لضمان نصيب من الطلب الأوروبي.

وعلى الرغم من أن الطلب الصيني على الغاز الطبيعي من المتوقع أن يرتفع بنسبة 90% بحلول 2019، فليس من مصلحة "عشق آباد" الاعتماد كلياً على الصين، حتى وإن كان طلبها الصاعد سيوفر سحب جميع صادرات الغاز التركمانية.

بالنسبة لموسكو، الأفضل لها أن يتوجه الغاز التركماني إلى الصين عوضاً عن أوروبا. ولذا, ليس من مصلحة موسكو التضييق على الغاز التركماني لأنه سيدفع "عشق آباد" إلى التوجه نحو أوروبا في خطوة ستضر بموقع الغاز الروسي بأوروبا إذا وصل الغاز التركماني بسعر منافس.

في الوقت الذي يواجه فيه مشروع خط الغاز العابر لقزوين (لإيصال الغاز التركماني إلى تركيا ثم أوروبا عبر أذربيجان) عوائق بسبب مشكلة الوضع القانوني لبحر قزوين، تسنح الفرصة لدى طهران اليوم لنقل الغاز التركماني إلى تركيا وهو الأمر الذي كان محل مباحثات الرئيس حسن روحاني مع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في شهر يونيو/حزيران الماضي بأنقرة.

بذلك، قد توفر صفقة غاز جديدة تتضمن بناء خط غربي بين موسكو وبكين فرصة لطهران لتعزيز موقعها الإقليمي والدولي كمعبر لخطوط الغاز على غرار تركيا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
باحث مصري متخصص في الشأن الإيراني ومهتم بالشؤون الدولية.

المصدر : الجزيرة