صباح نعوش

زيادة النفقات تنعكس سلبا على المالية
أسباب ارتفاع الإنفاق العسكري
تداعيات اقتصادية سلبية
تقليص الإنفاق العسكري

زيادة النفقات العسكرية تنعكس سلبا على المالية
تعاني الدول العربية من مشاكل خطيرة أدت إلى زيادة نفقاتها العسكرية التي باتت تنعكس سلبا على المالية الداخلية والخارجية وعلى جميع القطاعات الاقتصادية، وأصبح من الضروري تقليص هذه النفقات الاستهلاكية دون الحد من القدرات الأمنية والدفاعية.

ولا تكشف الحكومات العربية بمعلومات دقيقة حول حجم مصروفاتها العسكرية. وفي حالة وجود الإحصاءات فإن حجمها المعلن أقل من مبلغها الحقيقي. وتتبع عدة وسائل للإخفاء كأن تدرج النفقات المخصصة للأبنية العسكرية ضمن اعتمادات الأبنية المدنية أو يستحدث باب خاص بمرتبات تقاعد العسكريين خارج اعتمادات وزارتي الدفاع والداخلية, أو تلحق فوائد الديون الناجمة عن قروض عسكرية بخدمة الديون الكلية.

وصل حجم النفقات العسكرية في 14 دولة عربية إلى 181172 مليون دولار عام 2012 أي أنها صرفت 20 مليون دولار كل ساعة طيلة السنة

أضف إلى ذلك حصول بعض الدول العربية كمصر والأردن وتونس والمغرب على مساعدات عسكرية من الولايات المتحدة غالبا ما لا تدرج في الإنفاق العسكري بل في الإيرادات العامة تحت اسم المساعدات الخارجية أو التعاون الدولي.

وتشكل هذه المساعدات خاصة في مصر نسبة لا يستهان بها من الإنفاق العسكري. كما توجد قوات عسكرية في بعض الدول العربية تابعة لأحزاب سياسية مساندة ومناوئة لنظام الحكم، وتملك هذه الأحزاب أسلحة متطورة متوسطة وأحيانا ثقيلة لا تتردد باستعراضها علنا. يجب أن تحتسب نفقات هذه القوات ضمن الإنفاق العسكري للدولة.

لكن تحديد حجم هذه العناصر صعب للغاية ويحتاج إلى دراسات ينبغي الشروع بها من قبل الجامعات ومراكز البحوث. وسوف يقتصر هذا المقال على تقدير حجم الإنفاق العسكري الحكومي انطلاقا من إحصاءات التقرير الاقتصادي العربي الموحد للعام 2013 والتقرير السنوي الأخير للمعهد الدولي لأبحاث السلام في ستوكهولم.

حسب هذا التقدير وصل حجم النفقات العسكرية في 14 دولة عربية إلى 181172 مليون دولار عام 2012. أي أنها صرفت عشرين مليون دولار كل ساعة طيلة السنة.

ويمكن تقسيم الدول العربية إلى ثلاث مجموعات وفق العلاقة بين حجم الإنفاق العسكري الحكومي والناتج المحلي الإجمالي.

المجموعة الأولى: دول ذات نفقات عسكرية معتدلة نسبيا ترصد أقل من 5% من الناتج المحلي الإجمالي للأمن والدفاع، وهي الإمارات العربية المتحدة (2.9%) ومصر (3.5%) وتونس (4.0%) وقطر (4.1%).

ويلاحظ أن هنالك فرقا شاسعا في حجم الإنفاق العسكري لهذه الدول، نظرا لاختلاف قدراتها الاقتصادية. فالمصروفات العسكرية الإماراتية البالغة 11145 مليون دولار تساوي ستة أضعاف المصروفات العسكرية التونسية البالغة 1853 مليون دولار.

المجموعة الثانية دول ذات نفقات عسكرية مرتفعة تخصص مبالغ تتراوح بين 5% و10% من الناتج المحلي الإجمالي للدفاع والأمن, وهي السودان واليمن والبحرين والعراق والأردن، علما بأن حجم الإنفاق العسكري العراقي البالغ 13395 مليون دولار في العام 2012 يعادل الإنفاق العسكري للدول الأربع الأخرى في هذه المجموعة إضافة إلى تونس مجتمعة.

بلغت النفقات العسكرية في العراق 7.0% من الناتج المحلي الإجمالي و20.8% من مجموع النفقات العامة في السنة المالية 2012 وزعت مناصفة تقريبا بين وزارتي الدفاع والداخلية

بلغت النفقات العسكرية في العراق 7.0% من الناتج المحلي الإجمالي و 20.8% من مجموع النفقات العامة في السنة المالية 2012 وزعت مناصفة تقريباً بين وزارتي الدفاع والداخلية.

وبموجب قانون الموازنة الاتحادية للعام 2013 وصل حجم الإنفاق العسكري إلى 19.7 تريليون دينار أي بزيادة قدرها 14.2% مقارنة بالسنة المالية السابقة. إن هذا المبلغ يفوق مجموع الاعتمادات المخصصة لوزارات التربية والصحة والصناعة والزراعة. ومما لا شك فيه ستشهد النفقات العسكرية للعام 2014 ارتفاعا هائلا بسبب النزاع الداخلي المسلح الذي اندلع منذ النصف الأول من يونيو/حزيران المنصرم. وبالتالي سيلتحق العراق قريباً بالمجموعة الثالثة.

المجموعة الثالثة: دول ذات نفقات عسكرية مرتفعة جدا تفوق 10% من الناتج المحلي الإجمالي. وهي الجزائر والمغرب وليبيا والمملكة العربية السعودية وسوريا.

وسجلت الجزائر الرقم القياس العربي من حيث علاقة النفقات العسكرية بالناتج المحلي الإجمالي الذي وصل إلى 14.7%.

ويعود الرقم القياسي العربي للعلاقة بين النفقات العسكرية والنفقات الكلية إلى سوريا والذي بلغ 44.7%. ومما لا شك فيه أن الإنفاق العسكري السوري البالغ 6924 مليون دولار عام 2010 ارتفع بصورة كبيرة جداً في العام 2013 والعام 2014 بسبب النزاع العسكري.

وبالنظر لهبوط القدرات الاقتصادية والمالية للدولة بسبب هذا النزاع فإن نسبة الإنفاق العسكري ترتفع بشدة مقارنة بالاعتمادات الكلية من جهة وبالناتج المحلي الإجمالي من جهة أخرى. كما تسجل السعودية الرقم القياسي العربي من حيث حجم نفقاتها العسكرية البالغة 76152 مليون دولار. أصبحت المملكة ضمن الدول العشر الأكثر إنفاقا في العالم. فقد بلغ الإنفاق العسكري للفرد السعودي 2608 دولارا مقابل 595 دولارا للفرد الأوروبي، علما بأنها ليست في حالة حرب فعلية ولا تعاني من نزاعات داخلية مسلحة.

وتجدر الملاحظة أن النفقات العسكرية في هذه المجموعة تفوق الأموال المخصصة للتعليم. ففي المغرب رصدت الدولة 31.1% من نفقاتها للأمن والدفاع مقابل 25.7% من نفقاتها للتعليم. وتزداد الفجوة في الدول الأخرى حتى تبلغ ذروتها في سوريا حيث تخصص الدولة 16.7% من نفقاتها للتعليم مقابل 44.7% من نفقاتها للدفاع والأمن.

أسباب ارتفاع الإنفاق العسكري
إن هذا الارتفاع نتيجة بديهية للتوتر السياسي في المنطقة والصراعات المسلحة الداخلية. أضف إلى ذلك ثلاثة عوامل أخرى لا بد هنا من التركيز عليها.

أولها الحالة المالية للدول العربية، فقد ارتفعت الصادرات النفطية العربية خلال فترة قصيرة ارتفاعا كبيرا من 369 مليار دولار عام 2009 إلى 719 مليار دولار عام 2012. كما ازدادت في هذه الفترة إيرادات ميزانيات الدول العربية من 595 مليار دولار إلى 1072 مليار دولار. يشجع هذا الوضع المالي على شراء المزيد من الأسلحة بعد تردي الاستخدامات الاستثمارية الخارجية للفوائض النفطية نتيجة الأزمة الاقتصادية العالمية. واستغلت الدول الصناعية هذا الوضع المالي العربي والاقتصادي العالمي لزيادة مبيعاتها.

وثانيها: القدرة العسكرية الإيرانية المتنامية، ترى دول مجلس التعاون في هذه القوة المدعومة بأسلحة نووية خطرا واضحا يهدد أمنها ومصالحها، لذلك لا تجد هذه الدول بدا من استيراد أحدث أنواع الأسلحة بصورة دورية وبأثمان باهظة.

في الكثير من الدول العربية أصبحت المؤسسة العسكرية من أكبر المشغلين للعاطلين عن العمل دون جدوى اقتصادية وفاعلية عسكرية

وثالثها تضخم أعداد العسكريين، في الكثير من الدول العربية أصبحت المؤسسة العسكرية من أكبر المشغلين للعاطلين عن العمل دون جدوى اقتصادية وفاعلية عسكرية.

ففي الوقت الذي لا يتعدى عدد العسكريين 1.7% من اليد العاملة في روسيا و0.9% من اليد العاملة في الولايات المتحدة تصل النسبة إلى 2.6% في السعودية و5.9% في كل من الأردن وسوريا. وبلغ عدد أفراد القوات المسلحة العراقية 822 ألف شخص (الموازنة الاتحادية للعام 2010) أي ثلث موظفي الدولة و10.3% من اليد العاملة، وهذا أعلى معدل في العالم على الإطلاق.

لقد بلغ عدد العسكريين درجة بحث بات مساويا لعدد المزارعين في الأردن. أما في العراق فقد وصل عددهم إلى ضعف عدد العاملين في القطاع الزراعي.

ما إذن الآثار الاقتصادية لهذا الإنفاق العسكري المرتفع؟

تداعيات اقتصادية سلبية
تؤكد الدراسات على أهمية مساهمة النفقات العسكرية في زيادة النمو الاقتصادي، وفيما يلي تحليل هذه العلاقة.

ينجم تدهور معدلات النمو من تراجع الطلب أي الإنفاق بشقيه العام والخاص، لأن هبوط الطلب يؤدي إلى تباطؤ الاستثمار والإنتاج، وبالتالي إلى تدني القدرة على التشغيل فترتفع البطالة وتهبط الصادرات فيرتفع عجز الميزان التجاري وتهبط أرباح الشركات فتنخفض قيم أسهمها. وقد يصل مستوى تردي الطلب إلى درجة بحيث يولد أزمة اقتصادية. وهذا ما يجري حاليا في الدول الصناعية. للحد من هذه الأزمة تتخذ الدولة عدة إجراءات منها تقليص أسعار الفائدة وتخفيض الضغط الضريبي فتحفز الاستهلاك في القطاع الخاص. كما تسعى إلى زياد الطلب العام فترفع مصروفاتها العسكرية لتحسين قدراتها على التنافس في ميدان الأسلحة، وقد تدخل في حروب خارجية للترويج لها.

إن هذا التحليل لا ينطبق إطلاقا على الدول العربية. فعلى عكس الدول الصناعية يتسم القطاع العسكري في الدول العربية بكونه مستهلكا، فهو لا يسهم في زيادة الإنتاج ولا يخلق فرص عمل نافعة للمجتمع. كما أن الأسلحة غير مصنعة بالداخل بل مستوردة. وبالتالي فإن أي مبلغ يرصد للتسلح إنما هو إنفاق يحجب عن القطاعات الإنتاجية عندئذ يهبط النمو.

قد يرى البعض أن واقع بعض الدول العربية يشير إلى أن معدلات النمو تتحسن في الوقت الذي ترتفع فيه النفقات العسكرية، فقد ازدادت النفقات العسكرية في العراق للعام 2013 بنسبة 15.2% قياسا بالعام المنصرم، وارتفع في الوقت نفسه معدل النمو بنسبة 9% (رقم صادر عن وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي)، وهو من المعدلات العالية على الصعيد العالمي.

والواقع أنه لا توجد أي علاقة بين النفقات العسكرية والنمو بالصورة المذكورة أعلاه. إن القطاعات الاقتصادية زراعية كانت أم صناعية وحتى الخدمات تسجل في العراق تدهورا كبيرا بسبب انهيار الوضع الأمني وضعف البنية التحتية.

أثبتت التجارب في البلدان العربية أن تفاقم أزمة المديونية الخارجية لم ينجم عن قروض لتمويل مشاريع إنمائية بل لتغطية المصروفات العسكرية المتزايدة

فعلى سبيل المثال بلغت القيمة المضافة للصناعات التحويلية 2.2% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، وهي أقل بكثير من المعدل العربي البالغ 9.6% وهو من أدنى المستويات على الصعيد العالمي. وعلى هذا الأساس لو كانت الحسابات مقتصرة على تلك القطاعات لباتت معدلات النمو سلبية. لكن الاقتصاد العراقي يرتكز على الصادرات النفطية، وبالتالي عندما ترتفع أسعارها في السوق العالمية تتحسن الإيرادات فترتفع معدلات النمو.

إن العراق وكذلك دول الخليج تستغل النمو الاقتصادي أي قدراتها المالية لزيادة نفقاتها العسكرية ولا توجد لديها أي إمكانية لتحسين النمو عن طريق الإنفاق العسكري.

لقد أثبتت التجارب في البلدان العربية أن تفاقم أزمة المديونية الخارجية لم ينجم عن قروض لتمويل مشاريع إنمائية بل لتغطية المصروفات العسكرية المتزايدة. ولم تستطع هذه الدول معالجة أزمتها عن طريق سياسات مالية صائبة بل بتدخل عوامل خارجية، وهي اتفاقات إعادة برمجة الديون المبرمة مع صندوق النقد الدولي (المغرب والأردن) والحصول على مساعدات مالية أميركية (مصر والأردن) وتسهيلات روسية مالية وتجارية (سوريا) وإلغاء القسط الأكبر من الديون الخارجية في إطار نادي باريس (العراق ومصر). أدت هذه الوسائل إلى فقدان الثقة بمالية الدولة ناهيك عن شروطها التي تحد من سيادة الدولة.

تقليص الإنفاق العسكري
سيقود تخفيض النفقات العسكرية في الأقطار العربية إلى زيادة الاستهلاك الخاص، فيرتفع الاستثمار والإنتاج ويتقلص عبء المديونية. وتحت تأثير المضاعف المعروف في النظرية الاقتصادية فإن أي تخفيض للنفقات العسكرية سيقابله ارتفاع أكبر في المنافع الاقتصادية والمالية. وقد سبق لصندوق النقد الدولي أن قدم تقريرا في التسعينيات من القرن الماضي يؤكد فيه على أن تخفيض النفقات العسكرية في الدول النامية بمبلغ 4.2 مليارات دولار يقود في السنة الأولى إلى زيادة الاستثمار والاستهلاك بمبلغ 4.5 مليارات دولار. وترتفع المكاسب بصورة أكبر في السنوات اللاحقة.

ستتمخض عن تخفيض المصروفات العسكرية تداعيات مالية إيجابية، فمن المعلوم أن غالبية الدول العربية تعاني من عجز مالي مزمن يعالج بالقروض فتتفاقم المديونية أو الإصدارات النقدية فترتفع معدلات التضخم. وعامة لا يتأتى عجز ميزانيات هذه الدول من نقص الإيرادات بقدر ما ينجم عن الفساد المالي والتبذير وارتفاع الإنفاق العسكري.

فإذا افترضنا أن المصروفات العسكرية انخفضت بنسبة 50% فسوف تكون النتائج كالتالي: سوف يهبط العجز المالي بنسبة 43% في المغرب وبنسبة 51% في العراق. وستنتقل الميزانية العامة في الجزائر من عجز إلى فائض. وستتحول الميزانية العامة من عجز إلى توازن في كل من تونس والسودان واليمن.

ويؤثر ارتفاع الإنفاق العسكري سلبيا على مالية الدولة، حتى وإن كانت الميزانية العامة في حالة فائض، لأن هذا الارتفاع يفضي إلى إضعاف حجم الفوائض المالية التي يمكن استخدامها في العمليات الاستثمارية المختلفة وفي سد عجز محتمل في سنوات لاحقة. وعلى هذا الأساس سيقود تقليص الإنفاق العسكري السعودي بنسبة 50% إلى ارتفاع الفائض المالي من 99.5 مليار دولار إلى 137.5 مليار دولار.

بكيفية عامة فإن تخفيض المصروفات العسكرية العربية بالنسبة المذكورة سيؤدي إلى توفير أكثر من تسعين مليار دولار في السنة، يكفي هذا المبلغ لتغطية حاجات جميع الدول العربية من الواردات الغذائية، بطبيعة الحال لكل دولة خصوصياتها التي تحكم نسبة التخفيض المناسبة لها.

ولكن لا يجوز تقليص الإنفاق العسكري عشوائيا، بل يتعين الاستناد إلى سياسة مالية رشيدة مبنية على دراسة عميقة. كما يجب ألا يؤثر سلبيا على الأمن الداخلي والقدرة على حماية البلد من أي اعتداء خارجي، لذلك لا بد من العمل على ثلاثة محاور في آن واحد:

المحور الأول ترسيخ العقيدة الوطنية للقوات المسلحة، فواجب الجيش الذود عن الوطن دون التدخل في النزاعات السياسية الداخلية، ومن غير المقبول استخدام الجيش لحماية طائفة دون أخرى في البلد الواحد، ومن المحرمات دوليا زج الدبابات والصواريخ في معارك ضد استياء شعبي سلمي. وبعبارة واحدة لا يجوز استغلال القوات المسلحة لتعزيز سلطة الحكم.

سيقود تخفيض النفقات العسكرية في الأقطار العربية إلى زيادة الاستهلاك الخاص فيرتفع الاستثمار والإنتاج ويتقلص عبء المديونية

المحور الثاني العمل على بناء قاعدة إنتاجية عسكرية عريضة، لأن إنتاج الأسلحة محليا يقود إلى دعم مركز الميزان التجاري وتحسين فرص العمل وتنمية التكنولوجيا. في هذه الحالة فقط سيقود الإنفاق العسكري إلى ظهور المعادلة المعروفة في البلدان الصناعية، وهي أن زيادة الإنفاق العسكري تؤدي إلى تحسين النمو الاقتصادي. ناهيك عن أن الإنتاج المحلي لأي سلعة خاصة في ميدان الأسلحة يكسب الدولة استقلالا في صنع القرارات المختلفة على صعيد العلاقات الدولية.

وفي هذا السياق لا بد من الإشادة بالصناعات العسكرية لبعض الدول العربية التي تحتاج إلى دعم مالي أكبر وإلى الإسراع في اكتساب التكنولوجيا. يجب تشجيع هذه الصناعات رغم كونها تجميعية وتستند بالتالي إلى اتفاقات الترخيص المبرمة مع الشركات الأجنبية صاحبة براءات الاختراع.

ففي الأردن تنتج قطع غيار طائرات أف 16 الأميركية وقذائف النشاب 32 (نسخة متطورة من آر بي جي الروسية). واتجهت الإمارات نحو بناء السفن الحربية. وتهتم السعودية بعربات القتال المدرعة وأجهزة اللاسلكي والبنادق المتطورة والناقلات البرمائية. وتنتج مصر مدافع ثقيلة ودبابات إم واحد وطائرات الفاجيت ومروحيات غازيل وطائرات كا 8 وأجزاء من طائرة ميراج 2000, إضافة إلى الذخيرة والصواريخ وأجهزة الرادار.

المحور الثالث التوازن العسكري الإقليمي، لأن تقليص الإنفاق العسكري يجب أن يقابله تحسين شروط السلام، وفي مقدمتها خلو المنطقة من أسلحة الدمار الشامل. لكن إسرائيل (العدو المشترك وربما الوحيد للعرب) لا تزال تمتلك هذه الأسلحة وغير مستعدة للتخلي عنها.

إن امتناع الدول العربية عن امتلاك السلاح النووي يشكل خطورة أمنية من زاوية وخسارة مالية من زاوية أخرى. تتأتى الخطورة الأمنية من اختلال التوازن العسكري في المنطقة الذي يحول دون السلام الحقيقي. ويشتد الاختلال عند امتلاك إيران لهذا السلاح. وخسارة مالية لأن الدول العربية وبسبب عدم استطاعتها (أو عدم رغبتها) في الحصول على السلاح النووي تضطر إلى رصد أموال طائلة للهرولة وراء استيراد أحدث الأسلحة التقليدية. لم يعد المثل القائل "الحاجة أم الاختراع" منطبقا على مشتريات الأسلحة بل بالعكس تماما أصبح الاختراع يولد الحاجة. وتجدر الإشارة إلى إن السلاح النووي يمتاز برخص كلفته قياسا بالأسلحة التقليدية التي تحقق قدرا مماثلا من الحماية. إن الجدوى الاقتصادية للسلاح النووي مقابل الأسلحة التقليدية تشبه كلفة إنتاج الكهرباء من الطاقة النووية مقابل إنتاجه من الوقود الأحفوري.

إن القطاع العسكري في الدول العربية مستهلك ومستورد وليس له أي دور إيجابي في الإنتاج وفي التجارة الخارجية. ورغم ذلك تتجه نفقاته نحو الارتفاع سنويا حتى أصبحت تحتل مرتبة الصدارة في الميزانيات العامة والموازين الخارجية. بات من اللازم إذاً تقليص هذه النفقات الاستهلاكية ودعم مختلف الصناعات المدنية والعسكرية. عندئذ تتحسن المقدرات الدفاعية وترتفع معدلات النمو.
ــــــــــــــــــ
باحث اقتصادي عراقي

المصدر : الجزيرة