خميس بن بريك-تونس

يعيش المواطن التونسي إبراهيم قرين أوضاعا اجتماعية صعبة بسبب تدهور قوته الشرائية في ظل ما شهدته أسعار المواد الاستهلاكية من زيادات متتالية في بلد يعيش مواجهة مع ما يسمى بالإرهاب زادت من حدة تقلبات الأزمة الاقتصادية الراهنة.

وقرين موظف حكومي بسيط يعيش مع زوجته وأولاده الأربعة في العاصمة بأجر شهري متواضع لا يكفيه لمجابهة متطلبات العيش الكريم، ويشير إلى أنه بالكاد يصل إلى تأمين قوته وقوت عائلته بسبب غلاء الأسعار الذي أرهق كاهله كثيرا.

قرين.. مواطن يلجأ لطلب سلفة على أجره ليتمكن من كفاية حاجاته (الجزيرة)

يقول للجزيرة نت إنه لا يدخر شيئا من دخله الشهري (قرابة أربعمائة دولار). وكغيره من الموظفين الحكوميين يلجأ إبراهيم في أغلب الأحيان لطلب سلفة على أجره حتى يتسنى له شراء ما يمكنه من مستلزمات الأكل والشرب والدواء.

وهذا الوضع ينطبق في تونس على الكثير من شرائح المجتمع التي تعيش أوضاعا صعبة بسبب دخلها الشهري المحدود، مقابل ارتفاع قياسي بنسبة التضخم المالي الذي يتراوح معدله الشهري بين 5% و7% جراء الزيادات المتتالية بالأسعار.

وفي النصف الأول من العام الجاري، شملت الزيادات في الأسعار العديد من السلع الاستهلاكية ومواد البناء والخدمات ورسوم الكهرباء والغاز والنقل العمومي، ولم يتوقف الأمر عند ذلك الحد فقد قررت الحكومة زيادة أسعار المحروقات.

ومن جهتها، تشتكي الحكومة من تفاقم عجز الموازنة بسبب ارتفاع المصاريف وتراجع المداخيل، وتبعا لذلك اقترحت الحكومة مشروع موازنة وقانون مالية تكميليين بهدف ترشيد النفقات العمومية والحدّ من عجز الموازنة الذي يبلغ نحو 7%.

ويتضمن قانون المالية الذي أحيل إلى أنظار المجلس التأسيسي (البرلمان) في انتظار التصديق عليه قريبا، العديد من الأحكام الجديدة كتشديد العقوبات على التهريب والتهرب الضريبي، لكنها تضمنت ضرائب جديدة على المواطنين والمؤسسات.

بن حمودة: أولوياتنا دعم القيام بالواجب الجبائي والتصدي للتجارة الموازية (الجزيرة)

إنعاش الخزينة
يقول وزير الاقتصاد حكيم بن حمودة إن الهدف من الموازنة التكميلية "إنعاش الخزينة العمومية وتعبئة مداخيل ضريبية جديدة والحدّ من النفقات بهدف استرجاع التوازنات المالية ودفع النمو ووضع الاقتصاد التونسي على سكة الانتعاش".

ويضيف بن حمودة للجزيرة نت أن أهم الأولويات التي رسمتها الحكومة لتحقيق الانتعاش هي دعم القيام بالواجب الجبائي بسبب ارتفاع التهرب الضريبي، والتصدي للتجارة الموازية غير المهيكلة ومقاومة تهريب السلع، وهي ظواهر "تمثل مصدر نقص في موارد موازنة الدولة".

ويقول أيضا إن الهدف من توسيع قاعدة الجباية "ليس إثقال كاهل الأجراء والمؤسسات بمزيد من الضرائب" مؤكدا أن التوجه يتمثل في إرساء منظومة العدالة الجبائية والحد من التخلف عن دفع الضرائب وتحسين عمليات المراقبة والاستخلاص.

وحول الانعكاسات المحتملة على المواطنين جراء رفع الأسعار وتقليص نفقات الدعم الحكومي، يقول إن استرجاع التوازنات المالية "لن تتحمله الأسر الضعيفة" مؤكدا أنه لن يقع الترفيع في أسعار المواد المدعمة كالزيت النباتي والعجين الغذائي.

وأشار إلى أن الحكومة تعمل حاليا على ضبط قاعدة بيانات وتحديد قائمات للعائلات الفقيرة من أجل توجيه الدعم الحكومي مباشرة إليها، موضحا أن الدعم الحكومي بصيغته الراهنة لا يوجه إلى مستحقيه الفعليين وإنما إلى الطبقات الأكثر استهلاكا.

الجودي: الموازنة التكميلية تأخرت وتضمنت قرارات ترقيعية لا تخدم المواطن (الجزيرة)

ارتفاع الدعم
ومسألة الدعم الحكومي تثير قلق الحكومة التي تعتبرها أحد أبرز مسببات اختلال التوازنات المالية. ووفق إحصاءات وزارة الاقتصاد فإن حجم الدعم المباشر ارتفع من نحو مليار دولار عام 2010 إلى 2.5 مليار منتظرة العام الجاري.

غير أن الخبير الاقتصادي معز الجودي يقول إن الموازنة التكميلية "جاءت متأخرة وتضمنت قرارات ترقيعية لا تخدم المواطن أو المؤسسة" لافتا إلى وجود إتاوات وضرائب ومساهمات جديدة على المواطنين والمؤسسات التي تعيش أوضاعا صعبة.

ويقول كذلك إن الحكومة فرضت على المؤسسات الصغرى والمتوسطة دفع خمسة آلاف دينار(ألفين وخمسمائة دولار) مساهمة في موازنة الدولة، إضافة إلى خصم أيام عمل لكل عامل له دخل سنوي يوفق ثمانمائة دولار، وذلك بالتوازي مع الضرائب المدفوعة للدولة.

ويضيف الجودي للجزيرة نت أن الزيادة بأسعار المحروقات وتقليص نفقات الدعم الحكومي وعدم الزيادة بالأجور وتجميد الانتدابات في الوظائف العمومية ستزيد من ارتفاع التضخم، وستعمق تدهور القوة الشرائية للمواطنين خاصة من الطبقة الفقيرة.

وحول ما إذا كانت الموازنة التكميلية ستنجح في تحقيق انتعاشة اقتصادية، يقول إن الحكومة تسعى لتحقيق نمو بـ2.8%، مؤكدا أن الانتعاش الاقتصادي لا يتحقق إلا بدفع الاستثمار الذي تعطل بعد الثورة بسبب التوترات الأمنية، وفق تعبيره.

المصدر : الجزيرة