كلاوديو بوريو* وبيتي ديسياتات**

- هيمنة الفائدة المنخفضة
- محددات أسعار الفائدة
- الادخار ومحددات الاستثمار
- تراكم الديون

هيمنة الفائدة المنخفضة
اليوم تستطيع الحكومة الأميركية أن تقترض لعشر سنوات بسعر فائدة ثابت يبلغ نحو 2.5%. وبعد تعديل هذه النسبة تبعا لمعدل التضخم المتوقع فإنها تترجم إلى تكاليف اقتراض حقيقية أقل من 0.5%.

وقبل عام، كانت أسعار الفائدة الحقيقية سلبية في واقع الأمر. ومع هيمنة أسعار الفائدة المنخفضة على العالم المتقدم، يخشى كثيرون أن حقبة من الركود المادي قد بدأت.

إن مدى تعقيد أسعار الفائدة المنخفضة يتوقف على الأسباب التي أدت إلى انحدارها. ويتلخص الرأي السائد في أن هذا الاتجاه النزولي يعكس إلى حد كبير هبوطا في أسعار الفائدة المتوازنة أو "الطبيعية"، بسبب التغيرات الطارئة على أساسيات الادخار والاستثمار. بعبارة أخرى، أدى الميل الزائد إلى الادخار في الاقتصادات الناشئة، جنبا إلى جنب مع تفضيل المستثمرين بشكل متزايد للأصول الآمنة، إلى زيادة المعروض من الادخار في مختلف أنحاء العالم، حتى مع تسبب توقعات  النمو الضعيف وتفاقم حالة عدم اليقين في الاقتصادات المتقدمة في تثبيط الطلب على الاستثمار.

ويُنظَر إلى هذا الانحدار "الطبيعي" في أسعار الفائدة باعتباره عقبة رئيسية تحول دون تحقيق التعافي الاقتصادي، لأنها تعوق قدرة السياسة النقدية على توفير الحوافز الكافية من خلال دفع أسعار الفائدة الحقيقية إلى ما دون مستوى التوازن، لأن أسعار الفائدة الاسمية عند مستوى الصفر بالفعل. وبالتالي فإن كيفية وقف الانحدار في أسعار التوازن أصبحت موضوعا لمناقشة نشطة.

أسعار الفائدة عند نقطة معينة من الزمن تعكس التفاعل بين وظيفة رد الفعل لدى البنوك المركزية ومعتقدات القطاع الخاص

محددات أسعار الفائدة
ولكن يغيب عن هذه المناقشة بوضوح الدور الذي تلعبه العوامل المالية في تفسير الميل إلى الانحدار في أسعار الفائدة الحقيقية. فعلى أية حال، لا تتحدد أسعار الفائدة بواسطة قوة طبيعية خفية، بل يحددها بشر مثلنا.

وتعمل البنوك المركزية على تثبيت النهاية القريبة من منحنى العائد، في حين يحدد المشاركون في الأسواق المالية سعر العائدات الأطول أمداً استنادا إلى توقعاتهم بشأن استجابة السياسة النقدية للتضخم والنمو في المستقبل، مع الوضع في الاعتبار المخاطر المرتبطة بهذه الاستجابة. ويتم قياس أسعار الفائدة الحقيقية المرصودة عن طريق خصم التضخم المتوقع من هذه الأسعار الاسمية.

وبالتالي فإن أسعار الفائدة عند نقطة معينة من الزمن تعكس التفاعل بين وظيفة رد الفعل لدى البنوك المركزية ومعتقدات القطاع الخاص.

ومن خلال تحديد تطور أسعار الفائدة الحقيقية بأساسيات الادخار والاستثمار، يصبح الافتراض الضمني هنا أن البنك المركزي والأسواق المالية بوسعها أن تتبع تقريباً تطور سعر الفائدة المتوازن بمرور الوقت.

ولكن الأمر ليس بهذه البساطة والوضوح بأي حال من الأحوال. فبالنسبة للبنوك المركزية يشكل قياس أسعار الفائدة المتوازنة -وهو مفهوم مجرد لا يمكن ملاحظته- تحديا هائلا.

ولتوجيه الأسعار في الاتجاه الصحيح، تعتمد البنوك المركزية عادة على تقديرات لمتغيرات لا يمكن ملاحظتها، بما في ذلك سعر الفائدة المتوازن ذاته، والناتج المحتمل، واتجاه البطالة. وهذه التقديرات غير مؤكدة على الإطلاق، فهي تعتمد بقوة على النماذج، وتخضع لمراجعات وتنقيحات كبيرة.

وعلاوة على ذلك، قد تكون أطر سياسات البنوك غير مكتملة. فبتركيزها إلى حد كبير على التضخم في الأمد القريب وتثبيت استقرار الناتج، قد لا تولي السياسة النقدية القدر الكافي من الاهتمام للتطورات المالية. ولأن الدورة المالية أطول أمدا من دورة الأعمال، فإن الآفاق السياسية النموذجية قد لا تسمح للسلطات بأن تضع في حسبانها بالقدر الكافي التأثير الذي تخلفه قراراتها على النتائج الاقتصادية في المستقبل. وما يزيد الأمر تعقيداً أن طفرات الرواج والكساد المالية من الممكن أن تحدث في ظل تضخم مستقر. 

ولأن المشاركين في الأسواق المالية يحيط بهم الظلام بقدر ما يحيط بالقائمين على البنوك المركزية، فإن الأمور قد تسوء إلى حد كبير. وهذا هو ما حدث بالفعل. فعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، كانت طفرات الرواج والكساد العديدة المدعومة بالائتمان سببا في إلحاق أضرار كبرى ومستدامة بالاقتصاد العالمي. ومن الصعب التوفيق بين هذا الواقع ووجهة النظر القائلة بأن أسعار الفائدة -التي تحدد ثمن الاستدانة- كانت على مسار التوازن طيلة الوقت.

العوامل المالية، وخاصة الاستدانة، لا يمكنها تضخيم التقلبات الدورية فحسب، بل ومن الممكن أيضاً أن تدفع الاقتصاد بعيداً عن مسار النمو المستدام

الادخار ومحددات الاستثمار
إن التركيز على الادخار الأساسي ومحددات الاستثمار لأسعار الفائدة أمر منطقي تماماً من منظور نماذج الاقتصادي الكلي السائدة، والتي تفترض أن المال والتمويل غير مؤثرين (محايدين) على مسار الناتج في الأمد البعيد. ولكن الأزمات المتلاحقة أظهرت أن التمويل من الممكن أن يخلف تأثيرا طويل الأمد.

والواقع أن العوامل المالية، وخاصة الاستدانة، لا يمكنها تضخيم التقلبات الدورية فحسب، بل ومن الممكن أيضاً أن تدفع الاقتصاد بعيداً عن مسار النمو المستدام. والواقع أن مجموعة متزايدة من الأدلة تؤكد أن الناتج ينحدر على نحو دائم في أعقاب أي أزمة مالية.

ويشير كل هذا إلى أن الاتجاه إلى الانحدار في أسعار الفائدة الحقيقية لا يعكس سلبا التغيرات في أساسيات الاقتصاد الكلي الجوهرية فحسب، بل إنه يساعد أيضا في تحريكها. ومن الممكن أن تنثر أسعار الفائدة المنخفضة بذور طفرات الرواج والكساد.

والسياسات التي لا تستفيد من طفرات الرواج ولكنها تتساهل إلى حد كبير وبشكل مثابر خلال طفرات الكساد تستحث انحيازا نزوليا في أسعار الفائدة بمرور الوقت، وانحيازاً صعودياً في مستويات الدين. وهذا من شأنه أن يخلق شيئاً أشبه بفخ الديون، حيث يصعب رفع أسعار الفائدة من دون إلحاق الضرر بالاقتصاد.

يؤدي تراكم الديون والتشوهات في أنماط الإنتاج والاستثمار نتيجة لأسعار الفائدة المنخفضة بشكل مستمر إلى إعاقة محاولات إعادة هذه الأسعار إلى مستويات أكثر طبيعية. وبالتالي تصبح أسعار الفائدة المنخفضة ذاتية التعزيز

تراكم الديون
كما يؤدي تراكم الديون والتشوهات في أنماط الإنتاج والاستثمار نتيجة لأسعار الفائدة المنخفضة بشكل مستمر إلى إعاقة محاولات إعادة هذه الأسعار إلى مستويات أكثر طبيعية. وبالتالي تصبح أسعار الفائدة المنخفضة ذاتية التعزيز.

ويسلط هذا المنظور البديل الضوء على المقايضة المتأصلة في السياسة النقدية المفرطة التوفيق والملاءمة. فالسياسة النقدية لا يمكنها أن تتغلب على العوائق البنيوية التي تحول دون تحقيق النمو.

ولكن التدابير التي تتخذها البنوك المركزية اليوم من الممكن أن تؤثر على تطور الاقتصاد الكلي الحقيقية في الأمد البعيد، في المقام الأول من خلال تأثيرها على الدورة المالية.

ولا بد من قياس هذه التأثيرات الجانبية المتوسطة والطويلة الأمد بدقة وعناية في مقابل الفوائد المترتبة على الحوافز القصيرة الأمد.

ورغم أن أسعار الفائدة المنخفضة قد تكون استجابة طبيعية لتصورات نقص الطلب المزمن، فإن مثل هذه التصورات ليست صحيحة دائما وقد تكون باهظة التكلفة في المستقبل.

إن إرساء أسس التعافي المستدام يتطلب اتخاذ تدابير واضحة لتعزيز الموازنات العمومية للقطاعين العام والخاص، فضلاً عن تطبيق الإصلاحات البنيوية الرامية إلى زيادة الإنتاجية وتحسين احتمالات النمو.

صحيح أن المزيد من التحفيز قد يعزز الناتج في الأمد القريب، ولكنه من الممكن أيضا أن يؤدي إلى تفاقم المشكلة، وبالتالي تصبح الجرعات الأكبر لأزمة بمرور الوقت. وقد يكون بوسعنا أن نتجنب الاعتماد غير الصحي على المسكنات، ولكن شريطة أن ننتبه إلى المخاطر في الوقت المناسب.
ــــــــــــــــــــــ
* كلاوديو بوريو: رئيس القسم الاقتصادي والنقدي لدى بنك التسويات الدولية.
** بيتي ديسياتات: مدير البحوث في بنك تايلند.

المصدر : بروجيكت سينديكيت