جورج سوروس

 

نتائج أوروبية متناقضة
روسيا تنافس الاتحاد الأوروبي
توفير التأمين المجاني

نتائج أوروبية متناقضة
أسفرت انتخابات البرلمان الأوروبي والانتخابات الرئاسية بأوكرانيا في نهاية الأسبوع الماضي عن نتائج متناقضة بشكل حاد. وقد أعرب الناخبون في أوروبا عن عدم رضاهم عن الطريقة التي يعمل بها الاتحاد الأوروبي حاليا، في حين أظهر شعب أوكرانيا رغبته في الارتباط بالاتحاد الأوروبي.

ويتعين على زعماء الاتحاد الأوروبي ومواطنيه أن يغتنموا هذه الفرصة للتأمل في ما يعنيه كل هذا، وكيف قد تفضي مساعدة أوكرانيا إلى مساعدة أوروبا أيضا.

كان التصميم الأصلي للاتحاد الأوروبي أن يعمل كرابطة متزايدة التقارب تتألف من دول ذات سيادة راغبة في تجميع حصة متزايدة تدريجيا من سيادتها لتحقيق الصالح العام.

والواقع أنها كانت تجربة جريئة في الإدارة الدولية وسيادة القانون، والهدف منها أن تحل محل النزعة القومية واللجوء إلى القوة.

ارتفعت شعبية بوتين في الداخل بعد ضم شبه جزيرة القرم، وخلفت جهوده الرامية إلى إضعاف هيمنة أميركا العالمية -جزئيا من خلال السعي إلى إقامة تحالف مع الصين- صدى إيجابيا في بقية العالم

لكن من المؤسف أن أزمة اليورو حولت الاتحاد الأوروبي إلى كيان مختلف جذريا، فأصبح أشبه بعلاقة بين دائنين ومدينين، حيث تفرض الدول الدائنة شروطا تجعل هيمنتها مستديمة.

ونظرا لتدني الإقبال على انتخابات البرلمان الأوروبي، وإذا أضفنا الدعم الذي حصل عليه رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي إلى التصويت المناهض للاتحاد الأوروبي على جناحي اليسار واليمين فقد يكون بوسعنا أن نزعم أن أغلبية المواطنين يعارضون الظروف الراهنة.

روسيا تنافس الاتحاد الأوروبي
في الوقت ذاته، وفي حين تتعثر تجربة أوروبا الجريئة في الإدارة الدولية تبرز روسيا باعتبارها منافسا خطيرا للاتحاد الأوروبي المنافس الذي يحمل طموحات جيوسياسية عالمية وعلى استعداد لاستخدام القوة.

والواقع أن فلاديمير بوتين يستغل أيديولوجية وطنية عرقية لتعزيز نظامه، ففي حديث له في البرنامج الإذاعي الروسي "الخط المفتوح" الشهر الماضي أشاد بالفضائل الجينية التي يتمتع بها الشعب الروسي.

وقد ارتفعت شعبيته في الداخل بعد ضم شبه جزيرة القرم، وخلفت جهوده الرامية إلى إضعاف هيمنة أميركا العالمية -جزئيا من خلال السعي إلى إقامة تحالف مع الصين- صدى إيجابيا في بقية العالم.

لكن المصالح الذاتية التي يعليها نظام بوتين تتعارض مع مصالح روسيا الإستراتيجية، فمن المؤكد أن روسيا تستفيد بشكل أكبر من التعاون الأوثق مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، واللجوء إلى القمع في روسيا وأوكرانيا يأتي بنتاج هدامة.

فالاقتصاد الروسي في حالة من الضعف المتزايد رغم ارتفاع أسعار النفط نتيجة هروب رؤوس الأموال والمواهب. وقد أدى استخدام العنف في ميدان كييف إلى ولادة أوكرانيا جديدة عازمة على عدم التحول إلى جزء من إمبراطورية روسية جديدة.

وسوف يشكل نجاح أوكرانيا الجديدة تهديدا وجوديا لحكم بوتين في روسيا، ولهذا السبب حاول بوتين جاهدا زعزعة الاستقرار في أوكرانيا من خلال تعزيز الجمهوريات الانفصالية بشرق أوكرانيا.

سوف يشكل نجاح أوكرانيا الجديدة تهديدا وجوديا لحكم بوتين في روسيا، ولهذا السبب حاول بوتين جاهدا زعزعة الاستقرار في أوكرانيا من خلال تعزيز الجمهوريات الانفصالية بشرق أوكرانيا

ومع استمرار أكبر صاحب عمل في منطقة دونبا بتعبئة الاحتجاجات ضد الانفصاليين فقد لا تنجح خطة بوتين، ومن المرجح الآن أن يتقبل نتائج الانتخابات الرئاسية، وبالتالي يتجنب العقوبات الإضافية.

لكن من المرجح أن تسعى روسيا إلى سبل أخرى لزعزعة استقرار أوكرانيا الجديدة، وهي ليست بالمهمة الصعبة، ذلك أن قوات الأمن التي خدمت نظام الرئيس السابق فيكتور يانوكوفيتش الفاسد فقدت روحها المعنوية، وهي ليست بالضرورة موالية للقيادة الجديدة.

وقد حدث كل هذا بسرعة بالغة، وكان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في انشغال بمشاكلهما الداخلية وفي غفلة إلى حد كبير عن التهديد الجيوسياسي والأيديولوجي الذي تفرضه روسيا تحت قيادة بوتين، ولكن كيف ينبغي لهما أن يستجيبا لهذا التهديد؟

تتخلص المهمة الأولى في التصدي للجهود الروسية الرامية إلى زعزعة الاستقرار في أوكرانيا، لكن لأن القيود التي يفرضها "الميثاق المالي" للاتحاد الأوروبي وغير ذلك من القواعد تحد من مجال المساعدات الحكومية فإن التفكير الإبداعي مطلوب.

توفير التأمين المجاني
ويتلخص التدبير الوحيد الأكثر فعالية في توفير التأمين المجاني ضد المخاطر السياسية لأولئك الذين يستثمرون أموالهم في أوكرانيا أو يزاولون أعمالا معها.

وهذا من شأنه أن يساعد الاقتصاد على الاستمرار في أداء وظيفته رغم الاضطرابات السياسية، وسوف يكون بمثابة رسالة موجهة إلى الأوكرانيين للتأكيد على التزام الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة -سواء الحكومات أو المستثمرين من القطاع الخاص- بهم، وسوف تتدفق الشركات على السوق الواعدة المفتوحة حديثا إذا تم تعويضها بالكامل عن الخسائر الناجمة عن الأحداث السياسية الخارجة عن سيطرتها.

قد يبدو التأمين ضد المخاطر السياسية أكثر تعقيدا من أن يتم تطبيقه بسرعة، والواقع أن تأمينا من هذا النمط قائم بالفعل، فشركات التأمين وإعادة التأمين الخاصة -مثل يولر هيرميس في ألمانيا- تقدم هذا التأمين منذ سنوات.

وكذلك كانت تفعل المؤسسات الحكومية، مثل وكالة ضمان الاستثمارات المتعددة الأطراف التابعة للبنك الدولي ومؤسسة الاستثمار الخاص في الخارج التابعة لحكومة الولايات المتحدة، ولكن يتعين عليها رغم ذلك أن تتقاضى أقساطا كبيرة لتغطية تكاليف إعادة التأمين.

في مواجهة أقساط مرتفعة تختار أغلب الشركات ببساطة الانتظار على الهامش إلى أن تمر العاصفة، ولهذا السبب فإن الحكومات المعنية لابدَّ أن تستحوذ على وظيفة إعادة التأمين، وأن تستخدم وكالاتها لإدارة وثائق التأمين فقط.
يتلخص التدبير الوحيد الأكثر فعالية في مساعدة أوكرانيا على توفير التأمين المجاني ضد المخاطر السياسية لأولئك الذين يستثمرون أموالهم في أوكرانيا أو يزاولون أعمالا معها

وبوسعها أن تضمن الخسائر بالطريقة نفسها التي تمول بها البنك الدولي، حيث تقدم كل حكومة جزءا متواضعا من رأس المال وفقا للحصص وتلتزم بالبقية في هيئة رأسمال قابل للدفع، ويمكن إتاحته عندما يتم دفع الخسائر بالفعل.

وسوف يكون لزاما على الاتحاد الأوروبي أن يعدل الميثاق المالي لإعفاء رأس المال القابل للدفع والسماح بسداد الخسائر الفعلية على مدى عدد من السنوات. ويتسم هذا النوع من الضمانات بمظهر غريب، فكلما كانت أكثر إقناعا تضاءلت احتمالات اللجوء إليها، ومن المرجح أن يتبين أن إعادة التأمين غير مكلفة إلى حد كبير، ويعد البنك الدولي مثالا حيا.

ومن خلال العمل على وجه السرعة وبشكل مقنع يستطيع الاتحاد الأوروبي أن ينقذ أوكرانيا وينقذ نفسه.

وما أقترحه بالنسبة لأوكرانيا يمكن تنفيذه أيضا في الداخل، وما دام الكثير من الموارد الإنتاجية يعاني من الركود فمن المنطقي أن يتم استثناء الاستثمارات التي يمكنها أن تسدد عن نفسها في النهاية من الميثاق المالي، والواقع أن رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي يدعو إلى مسار العمل هذا على وجه التحديد.

إن بوتين يخطط لتحويل شبه جزيرة القرم إلى وسيلة استعراض من خلال إغداق أكثر من خمسين مليار يورو عليها في السنوات القليلة المقبلة. ومع الدعم الأوروبي سوف يكون بوسع أوكرانيا أن تقدم استعراضا أقوى، وإذا كانت هذه المبادرة بداية لسياسة النمو التي تحتاج أوروبا إليها بشدة فإن أوروبا بإنقاذ أوكرانيا تنقذ نفسها أيضا.

ــــــــــــــــ
رئيس مجلس إدارة صندوق سوروس، ومؤلف كتاب "مأساة الاتحاد الأوروبي".

 

المصدر : بروجيكت سينديكيت