بدأ عصر الطفرة النفطية في النرويج بالتلاشي قبل سنوات مما كان متوقعا، لينكشف اقتصاد غير قابل للحياة بعد النفط ويهدد نظام دولة الرفاه.

فقد أدى ارتفاع الإنفاق في القطاع النفطي إلى زيادة الأجور وغيرها من التكاليف إلى مستويات غير قابلة للاستمرار في صناعة النفط والغاز وغيرها من القطاعات، وأصبح ذلك يمثل حاليا عبئا على المزيد من الاستثمار في قطاع الطاقة.

أدى ارتفاع الإنفاق في القطاع النفطي إلى زيادة الأجور وغيرها من التكاليف إلى مستويات غير قابلة للاستمرار في صناعة النفط والغاز وغيرها من القطاعات، وأصبح ذلك يمثل حاليا عبئا على المزيد من الاستثمار في قطاع الطاقة

وواجهت الشركات النرويجية خارج القطاع النفطي صعوبات في التعامل مع الركود الذي ترتب على ذلك في الاقتصاد النرويجي.

وكانت النرويج تملك من الحكمة والبصيرة ما جعلها تدخر 860 مليار دولار (في الصندوق السيادي) لحين الحاجة إليها.

ويعادل هذا المبلغ 170 ألف دولار لكل رجل وامرأة وطفل في البلاد. كما حققت النرويج فوائض ضخمة في الميزانية، وهي تتمتع بتصنيف ائتماني ممتاز وانخفاض معدل البطالة، ولذلك ليس وشيكا أن تشهد تراجعا ملموسا في أدائها الاقتصادي.

كلفة الرفاهية
لكن التكلفة ارتفعت والمصدرين في القطاعات غير النفطية يواجهون صعوبات.

وقد لا يهيئ نموذج الرفاه السخي -الذي يعتمد على استمرار تدفق الإيرادات من ضرائب النفط- النرويجيين لأوقات صعبة مستقبلا.

ولأن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي يعادل نحو 100 ألف دولار، فإن أسلوب الحياة تطور في النرويج بحيث أصبح عدد ساعات العمل أسبوعيا أقل من 33 ساعة في المتوسط وهو أقل مستوى في العالم، في حين ظل معدل البطالة منخفضا وظلت نسبة كبيرة من الكفاءات غير مستغلة بفضل الإعانات التي تمنحها الدولة.

وفي عام 2012 دخلت كلمة جديدة القاموس النرويجي تعني العيش على الإعانات التي تمنحها الوكالة الرسمية المختصة "ناف".

ويقول وزير المالية سيف ينسن "تقريبا 600 ألف نرويجي يجب أن يكونوا جزءا من قوة العمل لكنهم خارجها بسبب مسائل الرفاه  والمعاشات".

ويقول بعض مديري الشركات والمسؤولين الحكوميين إن النرويج تحتاج لربط الزيادة في الأجور بالإنتاجية، والحد من نمو التكلفة النفطية وخفض الضرائب مثلما فعلت الدول المجاورة، وتقليل الإنفاق من أموال النفط، بل إن البعض يطالب بخفض قيمة عملتها.

تقلبات
وشهدت أحوال صناعة النفط التي تمثل خمس الاقتصاد النرويجي تقلبات حادة مع تراجع نمو الصناعة على المستوى العالمي، وارتفعت التكاليف وزاد الانفاق الاستثماري لدرجة أن شركات الطاقة بدأت تبيع أصولها لسداد التوزيعات النقدية. ومع توقع انخفاض أسعار النفط هذا العام والعام المقبل أصبح الإقبال على الاستثمار منخفضا.

وتعمل شركات الطاقة على تقليص بعض من مشروعاتها المبتكرة، وهو ما يمثل مصدر قلق رئيسيا، إذ إن القطاع اعتمد على الابتكار لخفض التكاليف المرتفعة.

شهدت أحوال صناعة النفط التي تمثل خمس الاقتصاد النرويجي تقلبات حادة مع تراجع نمو الصناعة على المستوى العالمي، وارتفعت التكاليف وزاد الإنفاق الاستثماري

وقال وزير النفط تورد لين "من المحتمل أن تكون فترة الازدهار قد انتهت لكن لسنا مقبلين على انخفاض حاد في الاستثمارات أو الإنتاج.. إن التكاليف ترتفع كثيرا وبسرعة كبيرة والتكاليف النرويجية ارتفعت أكثر منها في أماكن أخرى".

وألغت شركة شل مشروعا للغاز باستثمارات تبلغ عدة مليارات من الدولارات كان يعتبر خطوة صوب الإنتاج البحري دون منصات إنتاج، وذلك بعد أن ارتفعت تكاليف مشروع تجريبي لسبعة أمثاله مقارنة بالتقديرات الأولية.

وقامت شركة النفط الوطنية المملوكة للدولة شتات أويل بخفض الإنفاق واستبعدت مشروعات متقدمة.

والنرويج هي سابع أكبر مصدر للنفط في العالم، كما أنها تورد خمس احتياجات الاتحاد الأوروبي من الغاز، وهو وضع له حساسيته خاصة في ضوء التوترات مع موسكو بسبب أوكرانيا والتي ألقت بظلالها على الإمدادات الروسية.

وتفخر النرويج أيضا بأعلى معدل للناتج المحلي الإجمالي مقابل ساعات العمل وفق بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لكن إنتاجية العامل انخفضت منذ عام 2007 كما أن تكلفة العمالة ارتفعت بوتيرة تعادل ستة أمثالها في ألمانيا تقريبا منذ عام 2000.

وقال نوت أنتون مورك الاقتصادي في بنك هاندلسبانكن إن على النرويج أن تتحرك إذا كان لها أن تتفادى الركود. وأضاف "الوفرة النفطية انتهت والنرويج تحتاج لإعادة موازنة وضعها إلى مستويات أكثر قدرة على الاستمرار، وهو ما يمكن عمله إما من خلال خفض اسمي لقيمة العملة أو من خلال تخفيض محلي للأجور".

وأضاف أنه إذا لم يتم إجراء التعديلات الضرورية فقد تجد النرويج نفسها في "أزمة هيكلية مماثلة للأزمة التي واجهتها فنلندا بعد نوكيا".

وكانت نوكيا في أوجها تمثل ما يقرب من خمس صادرات فنلندا وربع إيراداتها الضريبية من الشركات، قبل تراجعها السريع بسبب منافسة شركات أخرى في سوق الهواتف الذكية.

المصدر : رويترز