حزب بهاراتيا جاناتا بزعامة نارندرا مودي -الذي أطاح بحزب المؤتمر اليساري مسجلا أفضل نتائج له في ثلاثين عاما- يعد حاليا لتولي زمام الحكم في وقت يسجل اقتصاد الهند أدنى مستوى له في عقد من الزمن.

وتعهد مودي بتحقيق نمو أسرع وبنية تحتية جديدة والمزيد من الوظائف لتشغيل يد عاملة شابة متزايدة. غير أن وعوده أثارت السخرية حتى مع المليارات التي ضخها المستثمرون الأجانب في الأسواق المالية المحلية.

وقال خبير الاقتصاد راجيف مالك من بنك سي إل إس أي للاستثمارات "رجال السياسة الهنود يعدون بالمستحيل ليتم انتخابهم".

تبسيط للأمور
وحذر آخرون من أن الاعتقاد بإمكان مودي تحويل الهند بسرعة، إنما هو تبسيط للأمور. غير أن رئيس الوزراء المنتخب أثار التفاؤل يوم الجمعة الماضي بقوله إنه سيجعل من القرن الحادي والعشرين "قرن الهند" خلال عشر سنوات.

تعهد مودي بتحقيق نمو أسرع وبنية تحتية جديدة والمزيد من الوظائف (الأوروبية)

لكن كبير خبراء الاقتصاد في وكالة كريسيل للتصنيف الائتماني -دي كي جوشي- حذر من أنه "ليس هناك عصا سحرية".

فالهند تعاني من ركود تضخمي، مع هبوط نسبة النمو إلى 4.9% مقارنة بـ9% قبل عامين، فيما بلغ تضخم الأسعار على المستهلكين 8.6%، أعلى نسبة بين كبرى القوى الاقتصادية الناشئة.

إضافة إلى ذلك ينطوي الاقتصاد الهندي على بعض النواحي المحظورة مثل قوانين العمل الصارمة التي تسمح بتوظيف العمال وطردهم، وهو ما لا يشجع أرباب العمل على توظيف عمال جدد.

أما البنية التحتية الضرورية لدعم عملية تحويل الهند إلى دولة صناعية، فهي سيئة في أنحاء كبيرة من البلاد، يضاف إليها قانون جديد متعلق بشراء الأراضي زاد من تعقيد عملية شراء مساحات لبناء مصانع جديدة.

وقال آرون جايتلي -المرجح تعيينه وزيرا للمالية- لمجموعة صغيرة من الصحفيين الأجانب الشهر الماضي، إن الاحتمالات ضئيلة لتحقيق إصلاحات مبكرة في سوق العمل أو أي إصلاح كبير للبرامج الاجتماعية الموضوعة لصالح الفقراء.

ولا تزال هناك في الهند، وداخل حزب بهاراتيا جاناتا، حركة حمائية قوية تعارض فتح الاقتصاد الذي لا يزال منطويا على الداخل أمام شركات أجنبية.

وفيما يعد بهاراتيا جاناتا بفتح الأبواب أمام مستثمرين أجانب في مجالات الدفاع والبنى التحتية، فإن الحزب يعارض إصلاحا سابقا لحكومة حزب المؤتمر يتعلق بفتح قطاع التجزئة أمام متاجر أجنبية.

وحذر الخبير الاقتصادي في جي بي مورغان بالهند -سجيد شينوي- من المبالغة في التطلعات، مشيرا إلى أنه بموجب النظام الفدرالي للهند فإن "75% إلى 80% من المشكلات على الأرض هي خارج السلطة المباشرة للحكومة المركزية".

وتقدر العديد من شركات الاستثمارات الدولية ألا يتخطى النمو نسبة 5.5% في 2014/2015 ليصل إلى نحو 6.5% في السنة التالية. غير أن تلك التوقعات قد تتم مراجعتها الآن صعودا.

ومع ذلك فإن "اقتصاد مودي" القائم على "حكومة أصغر وحوكمة أكبر" يؤذن بخروج ملفت عن الخط الاشتراكي الذي انتهجه جواهر لال نهرو, أول رئيس وزراء للهند بعد استقلالها عن بريطانيا.

نفحة هواء نقي
ويثني البروفيسور في جامعة كولومبيا بنيويورك -الهندي المولد جاديش باغاواتي- على وعد زعيم بهاراتيا جاناتا بتقليص دور الحكومة ويصف ذلك "بنفحة من الهواء النقي".

من ناحيته يقول سين -المدرس في جامعة كامبريدج ببريطانيا- إن الهند تقف عند مفترق طرق مهم. ويقول ميغيل شانسو -المحلل من كابيتال إيكونوميكس- "حاليا، نشوة الانتخابات هي السائدة".

غير أن شانسو يحذر من أن الأسواق المالية يمكن أن تفقد صبرها بسرعة. وإذا ما فشلت الحكومة الجديدة في ترك أثر إيجابي بسرعة، فان "تفاؤل المستثمرين يمكن أن يتحول بسرعة إلى خيبة تتفشى لدى المستثمرين" وتجفف منابع التدفقات الأجنبية.

والحقيقة أن سنوات حكم رئيس الوزراء سينغ التي بلغت عشر سنوات ستترك خليفته في مواجهة مجموعة من التحديات الصعبة مثل معدل التضخم الذي بلغ 10% تقريبا خلال العامين الماضيين إلى جانب ارتفاع معدل البطالة وانخفاض وتيرة الاستثمارات.

ضعف أداء القطاع الصناعي كان أحد أسباب ضعف نمو الاقتصاد الهندي خلال العام المالي الماضي (رويترز)

ويعتقد كثيرون من المحللين أن مودي الذي جاء إلى السلطة بفضل تنامي مشاعر الاستياء الشعبي من حكم حزب المؤتمر، سيتعرض لضغوط من أجل تحقيق نتائج منذ اللحظة الأولى لحكمه.

وقال المتحدث باسم حزب بهاراتيا جاناتا -براكاش جافاد أكبر- إن الحكومة الجديدة ستركز بصورة عاجلة على احتواء معدل التضخم المرتفع وخلق الوظائف للشباب. ومن المتوقع أيضا أن تعطي الحكومة دفعة قوية لمشروعات  البنية الأساسية.

تحديات
ومن بين التحديات الصعبة التي ستواجه حكومة مودي القانون الجديد الذي يفرض قيودا على استحواذ الحكومة على الأراضي الخاصة من أجل المشروعات, الذى فرضته الحكومة السابقة.

وقال رئيس مركز أبحاث آر بي جي فاوندشن ومقره في مدينة دلهي -دي إتش باي بانانديكار- إن هذا القانون سيظل مشكلة كبيرة بالنسبة للحكومة الجديدة بسبب تأثيره السلبي على الاستثمار.

كما سيكون على مودي التعامل مع أزمة العجز في الميزانية والحساب الجاري للهند.

كما تحتاج الحكومة الجديدة إلى الحد من الفساد الحكومي وتحسين مناخ الأعمال وتبسيط القواعد الضريبية بالنسبة للمستثمرين الأجانب من أجل استعادة الثقة في اقتصاد الهند.

يذكر أن ضعف أداء القطاع الصناعي الذي سجل نموا بمعدل صفر% تقريبا كان أحد أسباب ضعف نمو الاقتصاد الهندي خلال العام المالي المنتهي في 31 مارس/آذار الماضي.

والحقيقة أن إنعاش الاقتصاد المتعثر وخفض معدل التضخم سيحتاج إلى سنوات وليس إلى أشهر. ولذلك يمكن أن ينفد الصبر الشعبي بسرعة.

المصدر : وكالات