عوض الرجوب-رام الله

ما إن تتأزم المفاوضات أو تغضب إسرائيل من الفلسطينيين حتى تلوّح ببعض من الأوراق الكثيرة التي تمتلكها -وفي مقدمتها المال والاقتصاد- للضغط عليهم ومعاقبتهم. فعقب إعلان الرئيس الفلسطيني محمود عباس الانضمام إلى مجموعة منظمات ومعاهدات دولية آخر مارس/آذار الماضي، أعلنت إسرائيل سلسلة إجراءات لمعاقبة السلطة الفلسطينية، كان من بينها فرض قيود على ودائع السلطة في البنوك الإسرائيلية.

ورغم التضارب حول تنفيذ القرار فعليا، فإن خبراء حذروا من عواقب وخيمة على الاقتصاد والبنوك في فلسطين، فضلا عن توظيف إسرائيل لهذا القطاع في خدمة سياساتها بصفتها دولة محتلة.

وحسب بروتوكول باريس الاقتصادي فإن من حق سلطة النقد الفلسطينية تحويل الفائض من عملة الشيكل من البنوك العاملة في الأراضي الفلسطينية إلى بنك إسرائيل المركزي وإلى عملة أجنبية، لكن بمبلغ يُحدَد دورياً ووفق ترتيبات خاصة.

اتصالات وتحذير
وقد أجرت سلطة النقد الفلسطينية ووزارة المالية في الفترة الأخيرة اتصالات مع جهات دولية بهدف دفع إسرائيل للتراجع عن قرارها. واتصلت الجزيرة نت بسلطة النقد وحاولت الحصول على مزيد من المعلومات حول أبعاد القرار الإسرائيلي، ولكن دون جدوى.

الشيكل هو العملة الرئيسية
في الأراضي الفلسطينية
(الجزيرة نت)
غير أن رئيس سلطة النقد جهاد الوزير حذر في تصريحات صحفية سابقة من انعكاسات سلبية للإجراءات الإسرائيلية، ليس على الاقتصاد الفلسطيني فحسب، بل وﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩ الإسرائيلي أيضا، إذا نفذت تل أبيب تهديداتها.

وأوضح الوزير أن خفض سقف الودائع وعدم استقبال البنوك الإسرائيلية لفائض السيولة من البنوك الفلسطينية بعملة الشيكل سيجعل من الأخير عملة غير قابلة للتداول في السوق الفلسطينية، واصفاً خلط السياسة بالاقتصاد في هذا الموضوع "بالخطأ الكبير".

تداول الشيكل
وحسب سلطة النقد فإنه يتم تداول الشيكل في ﺍﻷﺭﺍضي ﺍﻟﻔﻠﺴطينية بما نسبته 8 ﺇﻟﻰ 10% من مجمل ﺍﻟﺸﻴكل ﺍﻟصادر عن ﺍﻟﺒﻨك المركزي ﺍلإسرﺍئيلي. ويتداول الفلسطينيون هذه العملة بشكل رئيسي، وبها تدفع رواتب موظفي القطاع العام، يليها الدينار الأردني والدولار الأميركي.

وأبدى الصحفي الإسرائيلي المختص بالقضايا الاقتصادية موتي باسوك استغرابه لصمت السلطة الفلسطينية على هذا الإجراء رغم مرور أسابيع على اتخاذه، ووصف في حديثه للجزيرة نت الخطوة بأنها "عقابية ضد السلطة الفلسطينية تمارس منذ أسابيع"، لكنه توقع أن يكون الإجراء مؤقتا لأن العقوبة "غير قانونية ومخالفة لاتفاق باريس 1994 وغيره من الاتفاقيات الدولية، فضلا عن أن الإجراء غير ذي جدوى اقتصادياً".

وأوضح باسوك أن إسرائيل لا تخسر شيئا باستمرار الوضع الراهن، وإنما على العكس تكون رابحة لأن البنوك الفلسطينية عملاء جيدون ومربحون للبنوك الإسرائيلية.

لكن أمين سر جمعية الاقتصاديين الفلسطينيين محمد قرش قال إن الجانب الإسرائيلي أبلغ الجانب الفلسطيني بعدم تنفيذ القرار عملياً بعدما أدرك عدم قانونيته ومدى تأثيره على إسرائيل قبل الفلسطينيين.

قرش: إسرائيل لم تنفذ قرار التضييق على ودائع السلطة لعلمها بعدم قانونيته (الجزيرة نت)

وأوضح قرش في حديثه للجزيرة نت أن اتفاقية باريس الاقتصادية تلزم إسرائيل بالسماح للفلسطينيين باستبدال الشيكل الموجود لديهم بأي عملة يريدونها، مضيفا أن العملة الإسرائيلية الموجودة لدى الجهاز البنكي ناتجة عن العملية التجارية.

فائض كبير
وقال قرش إن حجم الفائض من الشيكل بلغ قبل شهر حوالي مليار شيكل (نحو 290 مليون دولار)، موضحا أن فائض الشيكل يحول العملة إلى عبء على البنوك الفلسطينية، ويجعلها غير قادرة على الاستفادة منها واستقبالها من الزبائن، وبالتالي تتراجع قيمتها.

وفسّر تراجعَ إسرائيل عن قرارها بقوله إنه غير قانوني من جهة، ولوجود مخاوف من تزايد الاتجار بالعملة وتهريبها وبيعها في إسرائيل خارج الجهاز المصرفي من جهة ثانية. ويوصي الخبير بانتقال الفلسطينيين تدريجيا إلى الدينار الأردني في فترة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات، لكنه يؤكد أن الأمر يتطلب إرادة سياسية.

ويقول مدير شركة "عابدين" للصرافة فضل عابدين إن عدم أخذ العملة يتسبب في تكدسها وعدم تشغيلها لدى البنوك، وعجز البنوك عن استيعاب المزيد منها.

وأضاف عابدين في حديثه للجزيرة نت أن التغلب على المشكلة يكون بشراء العملات عبر الصيارفة الذين يمكنهم شراؤها من تجار داخل إسرائيل، لكنه أوضح أن هذه العملية ستتم خارج القطاع البنكي.

المصدر : الجزيرة