الجزيرة نت-القاهرة

مازال المصريون يحلمون بتحقيق العدالة الاجتماعية التي من أهم مظاهرها عدالة توزيع الثروة، وبخاصة في واحدة من القضايا التي شغلت الرأي العالم المصري، حتى قبل ثورة 25 يناير، ألا وهي قضية الدعم الذي يثقل كاهل الموازنة العامة للدولة بنحو 140 مليار جنيه مصري.

وفي خطوة اعتبرتها حكومة إبراهيم محلب نوعًا من عدالة توزيع الدعم، صدر قرار رئيس الوزراء رقم 636 لسنة 2014، والمنشور بالجريدة الرسمية، ليتم بمقتضاه رفع سعر الغاز الطبيعي بالمنازل، ليكون سعر المتر المكعب من الغاز أربعين قرشا لكمية الاستهلاك حتى 25 مترا مكعبا، وما زاد على 25 مترا مكعبا إلى خمسين مترا مكعبا يُسعر بجنيه واحد للمتر المكعب، وما زاد على خمسين مترا يصبح سعر المتر المكعب 1.5 جنيه.

الخطوة اعتبرها البعض تمهيدًا لتبني سياسة للتخلص من أهم أنواع الدعم وهو دعم الطاقة، الذي يستحوذ على نحو تسعين مليار جنيه مصري من مخصصات الدعم، إلا أن البعض الآخر عاب هذا التوجه واعتبره نوعًا من دعم الأغنياء على حساب الفقراء، بسبب آلية التطبيق.

ويتخوف الخبراء من التداعيات الاجتماعية للسياسة التي تنتهجها الحكومة تجاه موضوع الدعم وغيره من القضايا التي تمس حياة المواطن اليومية، وينتج عنها ارتفاع تكاليف المعيشة.

دعم الأغنياء
الخبيرة الاقتصادية بسنت فهمي، نائبة رئيس حزب الدستور، صرحت للجزيرة نت بأن السياسات الاقتصادية في مصر لم تتغير، لأن الفكر واحد، ويعتمد على تقديم مصلحة الأغنياء، ومساواتهم بالفقراء في قضايا اجتماعية مهمة، مثل قضية الدعم.

وتبين بسنت فهمي بأن تطبيق إعادة هيكلة الدعم لا يتم بهذه الطريقة التي تساوي بين الأغنياء والفقراء في كميات الاستهلاك من سلعة ضرورية مثل الغاز الطبيعي.

وترى أن التطبيق الصحيح لرفع الدعم عن الغاز والكهرباء وغيرها من السلع، ينبغي أن يستهدف الأحياء التي يقطنها الأغنياء، ويتم رفع سعر استهلاكهم من هذه السلع بالأسعار الحرة، بينما تبقى مناطق الفقراء كما هي، فما ذنب الفقير الذي يستهلك كميات من الغاز بسبب كثرة أفراد عائلته؟

بسنت فهمي: السياسات الاقتصادية في مصر لم تتغير (الجزيرة نت)

وتتساءل بسنت فهمي: لماذا لم يرفعوا سعر الغاز للصناعات كثيفة استهلاك الطاقة؟ هل لأنهم لا يريدون الاقتراب من رجال الأعمال، وفي النهاية يدفع الفقراء الثمن؟

وتؤكد أن الحكومة إذا كانت تريد تحقيق عدالة توزيع الدعم فعليها أن تحرر سعر الصرف وليس سعر الغاز والكهرباء، ويستفيدون من توجيه الأموال التي يدعمون بها سعر الصرف في دعم الفقراء.

وبسؤال بسنت فهمي عن ادعاء أن هذا الإجراء المقصود به تخفيف العبء عن كاهل الموازنة العامة بسبب ارتفاع فاتورة الدعم، أجابت بأن هناك قضايا كثيرة كان على الحكومة أن تُقدم عليها قبل رفع سعر الغاز، منها ترشيد الإنفاق الحكومي، والتعامل بطريقة صحيحة مع الصناديق الخاصة.

الخيار السهل
أما الخبير الاقتصادي محمود عبد الله، فصرح للجزيرة نت بأنه لابد الاعتراف بأن هناك فاتورة كبيرة يتم دفعها في مجال الدعم، وتُحمل بها الموازنة العامة للدولة، التي تعاني من عجز مزمن من المتوقع أن يصل إلى 14% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية يونيو/حزيران القادم. ويضيف أن اللجوء لرفع الأسعار هو أحد المحاور المطروحة لعلاج قضية الدعم بمصر، لكنه ليس المحور الوحيد.

ويشير عبد الله إلى أنه على ما يبدو أن متخذ القرار يفضل الحلول السهلة، والمتمثلة في رفع الأسعار، دون النظر إلى المحاور الأخرى التي تتمثل في الاهتمام بصيانة محطات إنتاج الكهرباء، التي أصبحت أكبر مصدر لهدر الطاقة في مصر، بسبب تقادمها، وغياب الصيانة بشكل دوري.

الأمر الثاني ضرورة إعادة النظر في تلك العقود طويلة الأجل التي التزمت بها مصر لتوريد النفط والغاز في ظل حكومة مبارك، وبها كثير من شبهات الفساد. أيضًا هناك غياب كامل لاستهلاك الطاقة في المؤسسات والهيئات الحكومية، وكان يجب أن يتم البدء بها فورًا.

ويتخوف عبد الله من التداعيات الاجتماعية لعدم ترتيب أولويات الحكومة في ملف دعم الطاقة، بسبب الضغوط الاقتصادية على الفقراء، وشعورهم بأن الحكومة لا تقترب من الأغنياء، وتضغط أكثر على الفقراء.

المصدر : الجزيرة