عبد الحافظ الصاوي

أرقام مطلقة وعلامات استفهام
نمو ضروري لكنه غير كاف
مظاهر خدعة النمو

أسباب خدعة النمو

 

أرقام مطلقة وعلامات استفهام
تظل الأرقام المطلقة تحمل الكثير من علامات الاستفهام، وبخاصة إذا كانت تتعارض مع الواقع المعيشي.

وخير دليل على ذلك ما ينشر عبر التقارير الدولية والإقليمية عن الناتج المحلي الإجمالي للعالم العربي، وكذلك معدلات النمو المتحققة لهذا الناتج.

فالأرقام تعكس تحسنًا مضطردًا، بينما الواقع يفرز المزيد من الفقر والبطالة، والكثير من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية الأخرى.

إن كانت بعض البلدان الخليجية تظهر أن معدلات الفقر بها متدنية، إلا أن بها العديد من المظاهر الاجتماعية السلبية، الدالة على عدم عدالة توزيع ثمار النمو الاقتصادي بها

فبيانات التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2013، تبين أن الناتج المحلي الإجمالي للعالم العربي، وصل إلى 2.6 تريليون دولار عام 2012، في حين كان عام 2000 لا يتجاوز 676 مليارا. كما توضح بيانات نفس التقرير أن معدلات النمو للناتج المحلي للعالم العربي كانت من أفضل النتائج المتحققة مقارنة بأداء معدلات نمو الناتج المحلي للعالم، أو مقارنة بأداء مختلف أقاليم العالم خلال نفس الفترة.

فقد حقق معدل النمو للناتج في العالم العربي 4.9% في المتوسط، خلال الفترة 2000 - 2012، وكانت معدلات الأداء هي الأفضل عام 2005 حيث حقق معدل النمو بالناتج المحلي للعالم العربي 9%، بينما كان عام 2009 هو الأسوأ وفق هذا المؤشر، حيث حقق معدل النمو 1.1%، بسبب التداعيات السلبية للأزمة المالية العالمية.

ولا ينطبق هذا الأمر على الصعيد الإقليمي العربي فقط، بل ينطبق بشكل أكبر على الواقع القُطري للعديد من الدول العربية، سواء من حيث تزايد قيمة الناتج المحلي، ومعدلات النمو، وأيضًا انتشار الفقر والبطالة.

ولعل الحالة السعودية خير دليل على ذلك، حيث تحقق المملكة العربية السعودية قيما مرتفعة في ناتجها المحلي وكذلك معدلات النمو. فقد ارتفع الناتج المحلي الإجمالي من 188 مليار دولار عام 2000 إلى 711 مليارا عام 2012.

ومع ذلك، فإن معدلات البطالة السافرة بالمملكة تجاوزت 10% عام 2012 وفق بيانات وزارة العمل السعودية، أما البطالة المقنعة فنسبتها تتجاوز هذه النسبة بكثير، حيث عمدت الحكومة بعد ثورات الربيع العربي إلى تبني برامج تشغيل في الهيئات الحكومية والقطاع العام بمعدلات عالية من أجل استيعاب غضبة الشباب هناك.

وكذلك اتسعت رقعة الفقر في السعودية. وإن كانت الأرقام الخاصة بالفقر تقديرية وليست رسمية، إلا أن الحديث يدور حول معدلات فقر تتزايد لتشمل نسبة 20% من المجتمع السعودي.

وهذه الأمور لا تتفق وطبيعة الأرقام المعلنة عن فوائض بالميزانية السنوية للمملكة في ظل تحسن أسعار النفط. وهو ما يعني أن هناك ثمة خللا في توزيع ثمار النمو بين أفراد المجتمع السعودي.

والحديث عن السعودية ليس حالة عربية، ولكنه ظاهرة. فما ينطبق على السعودية ينطبق على العديد من البلدان العربية، سواء كانت نفطية أو غير نفطية، وإن كانت بعض البلدان الخليجية تظهر أن معدلات الفقر بها متدنية، إلا أن بها العديد من المظاهر الاجتماعية السلبية، الدالة على عدم عدالة توزيع ثمار النمو الاقتصادي بها.

فالجزائر, تلك الدولة النفطية، ذات الفوائض الاحتياطية من النقد الأجنبي التي تصل إلى 190 مليار دولار، لازالت تعاني من ارتفاع معدلات البطالة لتصل إلى 9.7% وفق بيانات 2012، ولا يختلف هيكل وارداتها عن كثير من الدول العربية، حيث يعد النفط السلعة التصديرية الأولى، ويتم استيراد العدد والآلات والغذاء.

نمو ضروري لكنه غير كاف
تحقيق معدلات عالية من النمو الاقتصادي وعلى الأجل الطويل شرط ضروري لكافة المجتمعات، لمواجهة الزيادة في معدلات النمو السكاني. لكن هذا الشرط وحده غير كاف، إذ لابد من آليات لجعل هذا النمو يحقق مستوى من العدالة في توزيع ثماره على كافة أفراد المجتمع، وفي حالة نجاح صانع السياسة الاقتصادية في تحقيق عدالة التوزيع لثمار النمو يكون قد وصل لحالة نجاح تكمل استدامة معدلات النمو المرتفعة.

بالنظر إلى التجربة العربية في النمو الاقتصادي نجد أنها تعتمد على مجموعة من العوامل التي تجعل من هذا النمو هشًا، على الرغم من ارتفاع قيمته كرقم مطلق

ولكن بالنظر إلى التجربة العربية في النمو الاقتصادي، نجد أنها تعتمد على مجموعة من العوامل التي تجعل من هذا النمو هشًا، على الرغم من ارتفاع قيمته كرقم مطلق.

فعماد هذا النمو هو الصادرات النفطية، حيث تساهم الصناعات الاستخراجية وعلى رأسها النفط بنسبة 40% من هيكل الناتج المحلي، بينما الصناعات التحويلية تساهم بنسبة 8.9%، والزراعة بنسبة 5.1%، بينما قطاع الخدمات يساهم في الناتج المحلي العربي بنسبة 38.5%.

ومن هنا، نجد أن النفط والخدمات هما عماد أداء الناتج المحلي العربي، وليست القطاعات الإنتاجية، وهذا ما يفسر وجود الفجوة الغذائية المزمنة في العالم العربي، وكذلك ارتفاع معدلات البطالة التي تصل إلى نسبة 18% منذ سنوات، على الرغم من الارتفاعات المتتالية في أسعار النفط.

كذلك ينزوي التراكم التكنولوجي في العالم العربي، ويعد العالم العربي مجرد مستهلك للتكنولوجيا، وليس منتجًا لها، ولهذا تقل مساهمة الصناعات التحويلية في الناتج المحلي العربي، ويظل تصدير النفط في شكله الخام السمة الغالبة على الصادرات النفطية العربية، وهذا ما يفسر وجود بند في الواردات العربية متمثل في العدد والآلات ووسائل الانتقال.

مظاهر خدعة النمو
يظل الحديث عن اقتصاد العالم العربي ضربا من الخيال، فلا يوجد ما يجمع الاقتصاديات العربية في كيان إقليمي سوى الإحصاءات المجمعة عن أداء الدول العربية للخروج برقم واحد يمثل تلك البقعة الجغرافية، للتعبير عن مؤشرات اقتصادية تعارف عليها العالم. وإلا لو كان هناك اقتصاد عربي، لما وجدنا هذا التفاوت في متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بهذا الفجوة الكبيرة.

ففي الوقت الذي يبلغ فيه متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي في العالم العربي نحو 7682 دولارا، وفق بيانات عام 2012، تظهر البيانات القُطرية تباينًا كبيرًا بين الدول العربية، فوفق بيانات نفس العام فإن متوسط نصيب الفرد من الناتج في دولة قطر 107 آلاف دولار، بينما في جزر القمر 788 دولارا.

وما الحديث عن بطالة الشباب في المنطقة العربية ببعيد، حيث تعد المنطقة من أعلى معدلات البطالة بين الأقاليم المختلفة بالعالم، إذ تصل هذه النسبة إلى نحو 40%. ولا يخفى ما لهذه الظاهرة السلبية من تداعيات اجتماعية واقتصادية وسياسية خطيرة، لمست المنطقة بعضًا من آثارها في موجة ثورات الربيع العربي. ينتظر باقي الدول العربية المصير المجهول من حيث تحقيق الاستقرار السياسي والأمني.

ومازالت العوامل الخارجية تحدث تقلباتها الكبيرة في العديد من الاقتصاديات العربية، ومن أهم هذه التقلبات ظاهرة التضخم المستورد، نتيجة لتقلبات أسعار السوق الدولية في مجالات الغذاء والطاقة، حيث تعتمد الدول العربية في توفير غذائها ودوائها والعديد من السلع الصناعية على الخارج. ويتجاوز معدل التضخم في معظم الدول العربية معدل الـ10%.

أسباب خدعة النمو
لم تغير الزيادة في قيمة الناتج المحلي العربي، ولا معدلات نموه شبه المستقرة والمرتفعة من الواقع الاقتصادي والاجتماعي للمنطقة العربية بشكل ملموس، على مدار العقود الماضية.

فهناك سبع دول عربية تصنف ضمن القائمة العالمية للدول الأشد فقرًا، هي (السودان، اليمن، موريتانيا، جزر القمر، جيبوتي، الصومال، فلسطين). ويرجع تفريغ النمو الاقتصادي للعالم العربي من مضمونه لمجموعة من الأسباب، منها:

- غياب مشروع تنموي على المستوى الإقليمي أو القُطري خلال العقود الماضية، ويعد واحدًا من أهم أسباب تفريغ ظاهرة النمو الاقتصادي بالعالم العربي من محتواها الإيجابي. فالنزاعات والخلافات العربية لا تنفضّ. كما أن مشروع التكامل الاقتصادي العربي ظل حبرا على ورق منذ الإعلان عنه وحتى الآن، ونستطيع القول إن هذا المشروع ولد ميتًا، وبخاصة عندما نقارنه بما تم في منطقة الآسيان فضلًا عن الاتحاد الأوروبي.

- لقد تأسست مؤسسات عربية منذ عقود، كان يمكن تفعيلها لتغير هيكل ومكون الناتج المحلي الإجمالي، ليكون في مجمله ناتجًا إنتاجيًا، ولكن هذه المؤسسات بقيت في إطار بيروقراطي، ليس أكثر.

في ظل النظم الديكتاتورية تظل مناقشة السياسات الاقتصادية أمرًا هامشيًا أو صوريا، وليس أمرًا معدًا في إطار اجتماعي واقتصادي يزيد من معدلات النمو المستدام، ويضاعف من مردوده الإيجابي

فهل سألنا أنفسنا مثلًا عن مساهمة المنظمة العربية للتنمية الصناعية في تطوير الصناعة التحويلية العربية على مدار العقود الماضية؟

والسؤال نفسه يطرح على باقي المنظمات المعنية بالقطاعات الإنتاجية مثل المنظمة العربية للتنمية الزراعية، أو تلك الاتحادات التي تم تكوينها على الصعيد العربي في إطار مجلس الوحدة الاقتصادية العربية.

قد تكون هناك جهود نظرية لهذه المؤسسات والاتحادات، لكنها لم تُفعل من قبل الحكومات العربية، التي تعي تمامًا أن وجود هذه المؤسسات والاتحاد شكلي، وأن كل قُطر يفعل ما يراه في ضوء حكومته وتصوراتها وعلاقاتها الخارجية الأكثر فعالية خارج الإطار العربي.

- من الأمور المهمة التي تجعلنا نفكر مليًا في كون معدلات النمو العربي خدعة، في إطار مردودها الاقتصادي والاجتماعي السلبي، غياب الحياة الديمقراطية عن أنظمة الحكم العربية، حيث الديكتاتوريات المتجذرة والموروثة على مدار العقود الماضية.

لقد كان الأمل معقودًا على ثورات الربيع العربي لإحياء منظومة عربية ديمقراطية جديدة، تتحقق فيها التنمية، ولكن يبدو أن المتربصين بثورات الربيع العربي قعدوا لها بالمرصاد، فجعلوا تداعياتها الاقتصادية السلبية حتى الآن كبيرة.

- وقد ترتب على غياب النظم الديمقراطية للحكم في المنطقة العربية، غياب المساءلة والشفافية، من خلال البرلمانات.

ففي ظل النظم الديكتاتورية تظل مناقشة السياسات الاقتصادية أمرًا هامشيًا أو صوريا، وليس أمرًا معدًا في إطار اجتماعي واقتصادي، يزيد من معدلات النمو المستدام، ويضاعف من مردوده الإيجابي.

وبعيدًا عن السجال الأكاديمي حول نظريات النمو، فإن المواطن ينتظر أن يلمس نتائج هذه المؤشرات على أرض الواقع. فهو لن يسكن ويلبس ويتغذى على هذه المؤشرات، لكنه ينتظر فرصة عمل دائمة ومنتجة، وتوفير خدمات التعليم والصحة له ولأسرته، وأن تؤمن هذه الموارد حياة اقتصادية واجتماعية مستقرة على المدى الطويل.

ــــــــــــــــ
كاتب صحفي مصري

المصدر : الجزيرة