عبد الحافظ الصاوي

- خطر المياه
- خطر الغذاء
- خطر الطاقة
- تبعات المخاطر
- تغيير السياسات

يُعد تحقيق الأمن الاقتصادي لأية دولة رافداً مهماً من روافد قوتها، وينصرف مفهوم الأمن الاقتصادي إلى مجموعة من المحددات، منها توفير الموارد اللازمة لعمليات الإنتاج، وعدم الاعتماد على الخارج بالصورة التي تُحدث هزات عنيفة في أداء الاقتصاد المحلي نتيجة الصدمات الخارجية.

وقد تعرض الاقتصاد المصري لمجموعة من التهديدات على مدار العقود الماضية، منها ما يتعلق بتحديات النظام الاقتصادي العالمي من انتهاج سياسات لتحرير الاقتصاد لم يكن اقتصاد مصر مؤهلا لها، ولم تستفد الحكومات السابقة من الفترات الانتقالية التي أتاحتها بعض الاتفاقيات الدولية لتأهيل الاقتصاد لمواجهة تلك التحديات، لا سيما في القطاعات الإنتاجية.

كما لم تتبن هذه الحكومات مشروعاً تنموياً من شأنه أن ينقل الاقتصاد المصري إلى مصاف الدول الصاعدة أو المتقدمة.

وفضلا عن الزيادة السكانية والممارسات الاقتصادية الريعية، فقد لوحظ أن هناك قصوراً في التعامل مع قضايا حيوية لضمان أداء سليم للاقتصاد المصري، وتعد هذه القضايا من صميم الأمن الاقتصادي لما تتمتع به من أبعاد إستراتيجية، وتأثيرها على العديد من المجالات الإنتاجية والخدمية، وكونها أيضا عصب أي مشروع تنموي حقيقي يمكن لمصر أن تشرع فيه.

الحكومات السابقة لم تستفد من الفترات الانتقالية التي أتاحتها بعض الاتفاقيات الدولية لتأهيل الاقتصاد لمواجهة تلك التحديات، لا سيما القطاعات الإنتاجية

وهذه القضايا هي: المياه والغذاء والطاقة، وهي قضايا شديدة الارتباط ببعضها البعض، فتوفير كل منها مرتبط بتوفير وإنتاج الآخر، إلا أن تعاطي مصر مع تلك القضايا كان سلبياً على مدار السنوات الماضية، وأصبحت العوامل الخارجية هي المتغير المتحكم في توفير المياه والغذاء والطاقة لمصر، مما أدى إلى هشاشة الأمن الاقتصادي لمصر.

ولا يعني ذلك أن هذه القضايا الثلاث هي فقط ما يهدد أمن مصر الاقتصادي، ولكنها تأتي على رأس أجندة التهديدات التي تحيط بالاقتصاد المصري، فهي قضايا إستراتيجية ترتبط بكل منها مجموعة من التحديات التي تستلزم العمل لسنوات طويلة ببرامج هدفها توفير احتياجات مصر دون ضغوط داخلية أو خارجية.

خطر المياه
لم يكن المصريون يدركون أن يوماً ما ستكون مياه نهر النيل مهددة من دول المنبع، وخاصة من قبل إثيوبيا، حيث كانت علاقات القاهرة معها تاريخية، فضلا عن امتلاك مصر العديد من أوراق القوة والضغط، لكن ذلك قبل سنوات عدة. غير أن المعادلة الإقليمية شابها العديد من التغيير والتعديل، بما جعل حصة مصر من المياه محل نظر، وما أحداث سدّ النهضة بإثيوبيا ببعيدة، ووقوف مصر موقف المتفرج تجاه واحدة من أخطر قضاياها المصيرية.

وتشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر إلى أن موارد البلاد المائية في عام 2017 تقدر بنحو 71.4 مليار متر مكعب، مقابل حاجات تناهز 86.2 مليار متر مكعب، وهو ما يعني تسجيل عجز بعد أربع سنوات يقدر بنحو 14.8 مليار متر مكعب.

وفي حين بلغ النصيب السنوي للفرد من المياه سبعمائة متر مكعب في 2012، فإن توقعات عام 2050 تشير إلى تدني هذا المعدل ليصل إلى 370 مترا مكعبا، بافتراض بلوغ عدد سكان مصر 160 مليون نسمة، وعند هذا المستوى ستكون مصر ضمن تصنيف الندرة المائية، وكانت البلاد قد صنفت عام 2000 ضمن الدول التي تعاني فقرا مائياً، حيث قلّ نصيب الفرد فيها عن ألف متر مكعب سنوياً.

خطر الغذاء
يرتبط توفير الغذاء في جزء كبير منه بتوفير المياه، ويعد قطاع الزراعة في مصر من أكبر مصادر استهلاك المياه، حيث يستهلك القطاع نحو 85% من الموارد المائية. ولكن هل ستبقى حصة مصر نفسها من مياه النيل في ظل استمرار إثيوبيا في تنفيذ سد النهضة وعدم اكتراثها باعتراضات القاهرة وتمسكها بحقها التاريخي والقانوني في مياه النيل؟

لقد أصبحت مصر منذ سنوات طويلة مستوردا صافيا للغذاء، أي أن ما تنتجه لا يكفي استهلاكها، وأنها تستعين بالخارج لتحقيق أمنها الغذائي. وتفيد قاعدة بيانات البنك الدولي بأن واردات البلاد من المواد الغذائية تراوحت نسبتها بين 17 و22% من إجمالي الواردات في الفترة ما بين عامي 2004 و2012، إلا أن النسبة زادت عام 2011 إلى 24%.

مصر لم تعد ضمن قائمة الدول المصدرة للبترول، على الرغم من عضويتها في منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول، إذ سجلت في العام المالي 2012-2013 عجزا في الميزان البترولي بقيمة ثلاثمائة مليون دولار

وبذلك يكون متوسط حصة الواردات الغذائية من إجمالي الواردات المصرية في الفترة المذكورة نحو 20%، أي ما يعادل 11.5 مليار دولار، حسب تقديرات تقرير البنك المركزي المصري حول إجمالي الواردات عام 2012-2013، والتي بلغت 57.5 مليار دولار.

خطر الطاقة
لم تعد مصر ضمن قائمة الدول المصدرة للبترول، على الرغم من عضويتها في منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول (أوابك)، فبيانات البنك المركزي المصري للعام المالي 2012-2013 أظهرت وجود عجز في الميزان البترولي بقيمة ثلاثمائة مليون دولار، فصادرات البترول والغاز بلغت 12.2 مليار دولار، في حين بلغت الواردات النفطية 12.5 مليار دولار. مع مراعاة أن الأرقام الخاصة بالصادرات قد تكون متضمنة حصة الشريك الأجنبي.

وفي ظل أزمة الطاقة التي تعيشها مصر بعد انقلاب الثالث من يوليو/تموز 2013، فإنه من المحتمل أن تُظهر بيانات العام المالي 2013-2014 عجزاً أكبر في الميزان البترولي، على الرغم من المنح النفطية الخليجية لمصر بعد الانقلاب، وتعهدات أخرى بإمدادات خليجية بترولية في عام 2014.

إلا أن ذلك كله لا يعد أكثر من حلول مؤقتة، أو مسكنات لقضية كبيرة تفرض تحدياتها على الاقتصاد المصري، وقد يكون في الطاقة النظيفة -خاصة الشمسية منها- مندوحة لمصر للخروج من أزمة الطاقة، ولكن لن يتحقق هذا في الأجل القصير أو المتوسط، بسبب اعتماد مصر بشكل كبير على مصادر الطاقة الأولية من الغاز والبترول بنسبة تبلغ 95%، و2% بالنسبة للمصادر المائية، و1% من الفحم، و1% للمصادر الأخرى.

تبعات المخاطر
قد يقال إن دولا أخرى خاضت غمار التنمية وهي تعاني من نقص في مثل هذه المجالات، ولكن الحقيقة أن معظم التجارب كانت تعاني من نقص في مجال أو اثنين، ولكن لم تجتمع لديها هذه الثلاثية الخانقة، فضلا عن أن الدول التي نجحت فإنها استطاعت إيجاد موارد جديدة للنقد الأجنبي عبر الصادرات، أو الاستثمارات المشتركة، التي تمكنها من إمداد آمن لعجز بعض الموارد.

ونستطيع أن نشير إلى بعض التبعات التي يمكن اعتبارها منغصات للوضع الاقتصادي بمصر في الفترة القادمة، نتيجة النقص الملاحظ في مجالات المياه والغذاء والطاقة، ومن هذه التبعات أن البلاد ستظل رهينة التقلبات في السوق العالمي في مجالي الغذاء والطاقة، وهو ما لا يتناسب مع أوضاعها وإمكانياتها المالية والتنموية.

كما أن تحدي الأمن المائي ستكون له تبعاته إذا ما تطور الأمر في بناء سدّ النهضة ودخل حيز العمل، حيث تشير التوقعات إلى أن حصة مصر من المياه ستتضرر.

وسيكون الحديث عن استصلاح الأراضي، أو استقدام استثمارات أجنبية مباشرة في مجالات صناعية، صعبا للغاية في ظل الإمكانيات الحالية لمصر. وقد برهنت على صحة ذلك تصريحات صحفية لوزير التجارة والصناعة والاستثمار في الفترة الأخيرة بأن الطاقة ستكون أحد التحديات في سبيل استقدام الاستثمارات الأجنبية لمصر.

من تبعات المخاطر القائمة على أمن مصر الاقتصادي أن البلاد ستظل رهينة التقلبات في السوق العالمي في مجالي الغذاء والطاقة، وهو ما لا يتناسب مع أوضاعها وإمكانياتها المالية والتنموية

ثانياً، تؤثر المصادر الثلاث المذكورة كثيرا في حجم الناتج المحلي الإجمالي، وإذا كانت مصر تعاني من مشكلات كبيرة في تلك الجوانب وهي تحقق معدلات نمو لا تتجاوز 2.3% حسب بيانات العام المالي 2012-2013، فما بالنا إذا كان الواقع يفرض على مصر أن تحقق معدل نمو يناهز 7% ليكون كافياً لمواجهة تبعات الزيادة السكانية.

وبلا شك، فإن تدبير الماء والغذاء والطاقة لتحقيق معدل نمو 7% سيكون عالي التكلفة، بما لا يتناسب وإمكانيات مصر الحالية.

تغيير السياسات
ثالثا من الصعوبة بمكان الحديث عن استمرار السياسات الاقتصادية نفسها لمصر في التعامل مع القضايا الثلاث دون الإشارة إلى الصعوبات المالية، ولذلك تظهر بين الفينة والأخرى تصاريح لمسؤولين مصريين تتحدث عن ضرورة تحريك أسعار الطاقة، أو إعادة النظر في منظومة دعم الغذاء أو أهمية تسعير المياه.

وذلك كله لما يفرضه الواقع من التزامات مالية على ميزانية الدولة، وبخاصة أن تدبير هذه المستلزمات في الوضع الحالي مرهق للغاية، بعد الأزمة التي تواجهها مصر في تدبير النقد الأجنبي.

رابعاً، إذا كانت الرؤية المصرية خلال السنوات المقبلة تعتمد فقط على آلية تحريك الأسعار في مجالات الماء والغذاء والطاقة، فإننا أمام تداعيات اقتصادية واجتماعية كبيرة على محدودي الدخل، وشريحة الفقراء التي تزداد رقعتها مع مرور الوقت.

أمام كل هذه التبعات، فإن المخرج قد يكون في اعتماد البحث العلمي كآلية لتنمية وتطوير إمكانيات مصر الحالية، عبر زيادة الإنفاق على البحث العلمي، الذي يعاني من ضعف شديد في مصر خلال السنوات الماضية.

لا بد أن نذكر أن البلاد أضاعت الكثير من الوقت والفرص في مجال تحقيق التكامل الاقتصادي الإستراتيجي مع كل من السودان وليبيا، وهو الأمر الذي كانت ستجني ثماره الآن، لو أنها شرعت في ذلك منذ عقدين أو ثلاثة مضت، ولا تزال الفرصة سانحة للوصول لهذا الهدف، ولكن لا بد من البدء، فالتأخير ثمنه باهظ.

ـــــــــــــ
كاتب مصري.

المصدر : الجزيرة