إن العديد من الشركات الصغيرة والكبيرة الحجم التي استعادت عافيتها بشكل يثير الإعجاب بعد الصدمة الكبيرة الناتجة عن الأزمة المالية العالمية سنة 2008 والركود الذي حدث لاحقا, لديها الآن الوسائل للاستثمار في مصانع ومعدات وعمالة جديدة.

محمد العريان

زيادة استثمارات الشركات والأعمال
توزيع السيولة كأرباح

عوامل تقيد استثمارات الشركات
زيادة استثمارات الشركات والأعمال

يتفق الجميع على أنه بعد سنوات عديدة من النمو غير الكافي في الاقتصادات المتقدمة قد نشأت مخاطر كبيرة طويلة المدى لا تتعلق فقط برفاهية مواطني تلك الاقتصادات ولكن أيضا بصحة واستقرار الاقتصاد العالمي.

إن الذين يسعون لإيجاد أساليب لتقليل مخاطر النمو غير الكافي يتفقون على أنه من بين جميع الحلول الممكنة قد يكون لزيادة استثمارات الشركات والأعمال الأثر الأكبر.

إن العديد من الشركات الصغيرة والكبيرة الحجم التي استعادت عافيتها بشكل يثير الإعجاب بعد الصدمة الكبيرة الناتجة عن الأزمة المالية العالمية سنة 2008 والركود الذي حدث لاحقا, لديها الآن الوسائل للاستثمار في مصانع ومعدات وعمالة جديدة.

والآن, ومع توفر الربحية بمستويات غير مسبوقة فإن السيولة النقدية لدى قطاع الشركات في الولايات المتحدة قد تراكمت بعد كل فصل من السنة بحيث وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، في الوقت الذي يتم فيه تحقيق أرباح قليلة على تلك الموجودات نظرا لمعدلات الفائدة القريبة من الصفر.

لو أردنا للاقتصادات المتقدمة أن تنتعش فإن من الضروري أن تعادل استثمارات الشركات حجم ملاءتها المالية

ونظرا لأن الشركات قامت بتحسين فعالية عملياتها وأطالت فترة استحقاق ديونها فإنها تحتاج إلى مدخرات احتياطية حاليا أقل مقارنة بالماضي.

وفي الاقتصادت المتقدمة بشكل عام, وفي الولايات المتحدة بشكل خاص، يتسم هذا القطاع بالقوة.

فالشركات غير المالية حققت مزيجا من الصلابة والمرونة، مما يتناقض مع الأوضاع السائدة في مناطق أخرى من العالم لا تزال تواجه مشكلة إرث الزيادة المبالغ فيها في ديون الشركات.

توزيع السيولة كأرباح
وبدلا من استثمار السيولة الوفيرة لديها في استثمارات جديدة من أجل توسيع قدراتها والاستفادة من الأسواق الجديدة -والتي تتردد الشركات كثيرا في الاستثمار بها منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية- فضل العديد من الشركات حتى الآن توزيع أرباح وفيرة على المساهمين.

في العام الماضي قامت الشركات الأميركية بإعادة شراء أسهم بما يزيد عن 600 مليون دولار أميركي وهو رقم قياسي وقد استمر مثل هذا النشاط في الشهرين الأول والثاني من 2014.

لكن بينما كان من الواضح أن المساهمين استفادوا من عدم رغبة الشركات في استثمار السيولة الوفيرة الموجودة لديها فإن معظم المبالغ التي تم ضخها تدور حاليا في القطاع المالي فقط، علما بأن القليل من تلك الأموال أفاد الاقتصادات التي تسعى جاهدة لدفع عجلة النمو الاقتصادي وزيادة التوظيف وتجنب خلق جيل ضائع من العمال، وإيجاد حلول لمشكلة غياب المساواة في الدخول.

ولو أردنا للاقتصادات المتقدمة أن تنتعش فإن من الضروري أن تعادل استثمارات الشركات حجم ملاءتها المالية.

عوامل تقيد استثمارات الشركات
وهناك ستة عوامل تشكل قيودا مهمه في هذا الخصوص:

أولا-  إن الشركات تشعر بالقلق فيما يتعلق بمستقبل الطلب على منتجاتها. إن عودة الانتعاش الاقتصادي مؤخرا هي عودة مقيدة بالسياسات التجريبية التي أطلقتها البنوك المركزية من أجل دفع عملية الاستهلاك.

ثانيا- إن الصين هي محرك مؤثر للطلب العالمي (سواء بشكل مباشر وغير مباشر) لكن التوقعات المستقبلية لثاني أكبر اقتصاد في العالم لها أثر غير متناسب على إيرادات الشركات على المستوى العالمي.

وبينما يجذب النمو في سوق الائتمان الصيني ونظام الظل المصرفي هناك المزيد من الاهتمام من الشركات فإن العديد منها أصبح يشعر بالقلق.

ثالثا-  بينما الشركات تقر بأن الابتكار يعتبر ميزة نسبية مهمة في الاقتصاد العالمي اليوم فإن تلك الشركات تواجه وضعا يستولي فيه الرابح على كل شيء.

إن الابتكار الناجح اليوم لا يتعلق كثيرا بالتمويل مثلما يتعلق وبصورة أكبر بالتطبيقات.

ولذلك فإن العديد من الشركات التي باتت مقتنعة بأن الابتكارات العادية تستطيع تحقيق أرباح كبيرة ينتهي بها المطاف وهذه القناعة إلى أن تستثمر بشكل أقل مقارنة باستثماراتها السابقة.

إن بالإمكان معالجة القيود على الاستثمار وإن الأرقام المتوفرة في الولايات المتحدة عن استثمارات الشركات تبشر بوجود بعض التقدم, لكن ما يدعو للتشاؤم هو أن ذلك سيستغرق وقتا طويا وسيتطلب جهدا مضاعفا وتنسيقا على مستوى العالم

رابعا- إن تقديرات التكلفة على المدى الطويل للمستثمرين تحيط بها أسئلة منطقية عن بيئات تشغيل معينة. ففي الولايات المتحدة تتوقع العديد من الشركات إصلاحات رئيسة بالميزانية، لكنها غير قادرة على تقييم التأثير على أرباحها التشغيلية المستقبلية.

وفي اوروبا فإن السياسيين مدركون للحاجة لإصلاحات هيكلية رئيسة بما في ذلك تلك المطلوبة من أجل تقوية الاندماج الإقليمي. لكن الشركات تفتقد الوضوح الكافي فيما يتعلق بمكونات تلك الإصلاحات.

خامسا- إن مجال تخفيف المخاطر ليس بالحجم الذي يوحيه التقدم الحاصل في القطاع المالي للوهلة الأولى.

فالشركات لديها أدوات أكثر للتحوط تحت تصرفها لكن القدرة على إدارة المخاطر السلبية بشكل شامل لا تزال محدودة بسبب عدم اكتمال الأسواق وبسبب الشراكات بين القطاعين العام والخاص والتي لا يمكن تمويلها بشكل كاف.

أخيرا، إن معظم قادة الشركات يقرون بأنهم يدينون بفضل كبير للمسؤولين عن البنوك المركزية للهدوء النسبي الذي تم تحقيقه في السنوات الأخيرة.

ومن خلال التجارب الجريئة المتعلقة بالسياسات المصرفية، نجح المسؤولون عن البنوك المركزية في تجنب ركود عالمي يمتد لعدة سنوات وفي شراء الوقت وذلك حتى يتسنى للشركات أن تداوي جروحها.

لكن البنوك المركزية التي تعمل أساسا منفردة لم تستطع أن تعيد تنظيم محركات النمو للاقتصادات المتقدمة بشكل صحيح وليس لديها أدوات لعمل ذلك.

يضاف إلى ذلك أن العديد من قادة الشركات ما زالوا غير قادرين على استيعاب المخاطر المحدقة بهم، كما أنهم يشعرون بالقلق من الأضرار الجانبية الطويلة المدى والتي قد تنشأ عن إدارة اقتصادات الأسواق الحديثة في ظل أسعار فائدة يتم كبحها بشكل مصطنع ومع وجود ميزانيات عمومية متضخمة للبنوك المركزية.

إن بالإمكان معالجة القيود على الاستثمار وإن الأرقام المتوفرة في الولايات المتحدة عن استثمارات الشركات تبشر بوجود بعض التقدم. لكن ما يدعو للتشاؤم هو أن ذلك سيستغرق وقتا طويا وسيتطلب جهدا مضاعفا وتنسيقا على مستوى العالم.

في هذه الأثناء سوف يتحمل قطاع الشركات تدريجيا أعباء أكبر وهذا سوف يكون كافيا لإبقاء الاقتصادات المتقدمة في حالة نمو هذا العام، لكن للأسف لن يكون ذلك كافيا من أجل تحقيق النمو الأسرع الذي تتطلبه رفاهية شعوبها والاقتصاد العالمي بشكل عاجل.
_______________
الرئيس التنفيذي ورئيس استثماري مشارك في شركة بيمكو ومؤلف كتاب عندما تتصادم الأسواق

المصدر : بروجيكت سينديكيت