عبد الله: موازنة السلطة محدودة ومشلولة
آخر تحديث: 2014/3/8 الساعة 21:31 (مكة المكرمة) الموافق 1435/5/8 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2014/3/8 الساعة 21:31 (مكة المكرمة) الموافق 1435/5/8 هـ

عبد الله: موازنة السلطة محدودة ومشلولة

عبد الله: لدينا نحو ثمانية ألف عسكري حصتهم من الموازنة 37% (الجزيرة)
عبد الله: لدينا نحو ثمانية ألف عسكري حصتهم من الموازنة 37% (الجزيرة)
عبد الله: لدينا نحو ثمانين ألف عسكري حصتهم من الموازنة تفوق 37% (الجزيرة)

حاوره في رام الله/ عاطف دغلس

قال مدير البحوث في معهد الدراسات الاقتصادية (ماس) الدكتور سمير عبد الله إن الهامش المتاح أمام أي حكومة فلسطينية أو أي وزير مالية يبقى ضيقا بشأن الموازنة، وذلك لقلة الموارد وسوء توزيعها إضافة للخلل في البنية المؤسسية للسلطة الوطنية الفلسطينية.

وأوضح عبد الله -في حوار خاص مع الجزيرة نت- أن الاحتلال يعد العامل الرئيس المحبط للتنمية الاقتصادية الفلسطينية بكافة أشكالها بحكم سيطرته الكاملة على الموارد الفلسطينية التي باتت محدودة، لا سيما في ظل عدم مساهمة قطاع غزة في الموازنة كما كان سابقا.

وفيما يلي نص الحوار:
من جديد أقرت السلطة الفلسطينية موازنتها التي قدرتها بأكثر من أربعة مليارات دولار، فهل لمستم أي فرق بين موازنة عام 2014 وسابقاتها من السنوات؟

الموازنة منذ عام 2007 وحتى اليوم لم تتغير إلا بشكل طفيف، لأن التخصيصات التي من الممكن أن تكون هناك مرونة في توزيعها محدودة جدا ولا تتعدى 15% من النفقات الجارية، أما 85% من الموازنة فهي مخصصة للبنية المؤسسية كالرواتب والاحتياجات المادية للتشغيل.

الموازنة هي أداة لإعادة توزيع الدخل، بحيث يتم أخذ المال من المكلفين بدفع الضريبة (مثل الشركات والمؤسسات الكبرى) ويعاد إنفاقه على المجتمع بالأشكال المختلفة، ولذا فالتغيير مرتبط بالبنية المؤسسية، فأي وزارة مثلا قدرت ميزانيتها بخمسة ملايين دولار فهي توزع على مائة موظف فستظل كذلك ولن يكون هناك أي تغيير، وما لدينا هي موازنة بنود وليست برامج، لأن موازنة البرامج تعني إعادة توزيع الموارد الموجودة، وهذا لا يجري حتى الآن بصورة فعّالة.

ومن حيث تخصيصات الموازنة فإن 60% منها يذهب كرواتب ونفقات تشغيلية وتقدر بنحو 3.9 مليارات دولار، لا سيما أن لدينا أكثر من 150 ألف موظف، وهناك 20% تحويلات اجتماعية كمساعدات للفقراء الذين يزيد عددهم على تسعين ألف عائلة بالضفة وغزة، وهناك ما يزيد على 300 مليون دولار للتنمية.
توصف الموازنة الفلسطينية بأنها تولد مشلولة، بمعنى أن العجز يغلب عليها وينتابها من كل جانب قبل أن تقر، فلماذا؟

الموازنة بشكل عام فيها إيرادات ونفقات، والإيرادات تأتي نتيجة التطور الاقتصادي الذي تجبى فيه الضرائب بمختلف أشكالها، واقتصادنا عاجز عن ذلك، فالاقتصاد الفلسطيني منذ أوسلو لا يقوم إلا على 40% من الأرض الفلسطينية، وتقصي إسرائيلُ القدس عن الاقتصاد الفلسطيني الذي تشكل 15% منه.

كما تضع إسرائيل العقبات باستمرار على الداخل والخارج، وبالتالي فالاقتصاد الفلسطيني قائم على قاعدة صغيرة جدا بسبب إقصاء معظم الموارد الفلسطينية من الاستخدام الفلسطيني وإتاحتها للاستيطان وغيره، وإضافة لذلك لا يوجد عندنا السياسات التي تتيح لنا التحكم في إيراداتنا، حيث نحصل 20% من أصل الإيرادات التي تصل لـ80% وفق اتفاق باريس الاقتصادي.
كيف يجري توزيع الموازنة نفسها؟ وهل صحيح أن المؤسسة الأمنية لها حصة الأسد منها؟

أولا السلطة ولدت من رحم منظمة التحرير الفلسطينية، وبالتالي أصبح كل كادر في منظمة التحرير جزءا من السلطة لا سيما العسكريين، ولم يكن من طريقة لإدخال آلاف الفلسطينيين بالدول العربية المنتسبين للمنظمة إلا بانضوائهم تحت جهاز الشرطة كي تسمح لهم إسرائيل بالدخول.

لحق ذلك المقاومون والمنتسبون للتنظيمات المسلحة عقب الانتفاضة الأولى عام 1987 والمعتقلون وغيرهم، وكلهم تم استيعابهم في الأجهزة الأمنية، فصار هذا التضخم.

الاحتلال لا يزال يسيطر على معظم الموارد الفلسطينية، لأن اتفاق أوسلو أعطانا مفتاح غرفة النوم وتوابعها ولكن أبقى مفتاح المنزل الخارجي بيد إسرائيل، فإسرائيل تسيطر على المعابر الخارجية والداخلية عبر الحواجز وغيرها وتمنع التواصل الفلسطيني الفلسطيني كما هو الحال مع قطاع غزة

هنالك شريحة أخرى تم استيعابها في وزارات مختلفة للتخفيف من البطالة التي تقدر بأكثر من 24% بين الضفة وغزة، فصار لدينا نحو ثمانين ألف عسكري بالضفة وغزة، وصاروا يحتاجون لهذا الكم من الموازنة الذي يفوق 37% منها، وهي توزع على عدد العساكر والنثريات فقط، فنحن لا نملك ترسانة عسكرية كالدبابات وغيرها.

لا أعرف ما إن كانت هنالك توزيعات أخرى لموازنة الأمن، فهذا الموضوع لا يُتعامل معه بشفافية كباقي الوزارات، فالأمن صندوق مغلق كما جرت العادة.

بينما لا تتجاوز وزارة التربية والتعليم 19% رغم أن لديها أكثر من أربعين ألف موظف، كما تقل حصة وزارة الصحة عن 10%، وكذا الحال بالنسبة للزراعة وغيرها من الـ24 وزارة الموجودة لدينا.
أشرت إلى أبعاد مختلفة للاحتلال وتأثيراته السلبية على الموازنة الفلسطينية، كيف ذلك؟

الاحتلال لا يزال يسيطر على معظم الموارد الفلسطينية، لأن اتفاق أوسلو أعطانا مفتاح غرفة النوم وتوابعها ولكن أبقى مفتاح المنزل الخارجي بيد إسرائيل، فإسرائيل تسيطر على المعابر الخارجية والداخلية عبر الحواجز وغيرها وتمنع التواصل الفلسطيني الفلسطيني كما هو الحال مع قطاع غزة، وتسيطر على 80% من الماء و60% من الأرض رغم أننا مجتمع قاعدته زراعية، وتقطع التواصل الاقتصادي مع القدس، بحيث صار أكثر من نصف الاقتصاد الفلسطيني لدى إسرائيل، ولهذا أقول إن العجز الموجود لدينا ليس بهذه الضخامة إذا ما قورن بالواقع على الأرض.

نحن نعاني العجز منذ عام 1994، فحتى عام 1999 لم نكن قادرين على وضع أي فلس في التنمية لأن التمويل كان من الخارج، وبعد عام 2000 انقلبت الأمور للأسوأ حيث المنع والإغلاق الإسرائيلي والحصار أرجع الاقتصاد 30% للوراء والإيرادات عادت 50%.
يمكن القول إن الاقتصاد الفلسطيني استنهض نفسه أواخر عام 2006، وما إن بدأ يستعيد عافيته حتى تلقى ضربة جديدة وهي الانقسام؟

الانقسام له ثمنه الباهظ، إذ إن مساهمة غزة في الموازنة كانت تصل إلى 28% قبل الانقسام عام 2007، أما الآن فلا تتعدى 5% ووصلت أحيانا لـ2% خلال تجارة الأنفاق حين لم تستخدم المعابر. وفي المقابل، تأخذ غزة نصيبها من الموازنة كاملا حتى الآن ويُقدر بـ45%، فهناك 77 ألف موظف بغزة من أصل عدد الموظفين الإجمالي البالغ 154 بالضفة وغزة، إضافة لعشرين ألف متقاعد، وحقيقة هذا عبء كبير على الضفة الغربية.

وبهذه المسألة، نحن نعاني أيضا من العبء الضريبي (2.6 مليار دولار) الذي يعني نسبة الضرائب مقسمة على الناتج المحلي الإجمالي، فالأصل في الضريبة أنها تنفق على السكان الذين يدفعونها، فحين لا يساهم اقتصاد غزة إلا بأقل من 5% من الموازنة ويحصل على دعم كبير تغيب العدالة، وإذا ترك القطاع دون معونة السلطة تقع كارثة، لأن الموضوع وطني لأنه لا دولة بلا غزة، لذا فالأسوأ أن يبقى الانقسام قائما وهو المدمر للمشروع الوطني.
الاقتصاد الفلسطيني قائم على دعم المانحين فحسب وإن توقف هذا الدعم فستحدث كارثة، كم يصل حجم هذا الدعم الأجنبي في الموازنة؟ وهل يكفي مبلغ 300 مليون دولار الذي تخصصه الحكومة لخلق تنمية كافية؟

الموازنة المقررة 4.2 مليارات دولار، وهي تتأتى عبر إيرادات محلية من ضرائب مباشرة وغير مباشرة كالجمارك، إضافة لإيرادات غير ضريبية كرسوم وأرباح صندوق الاستثمار الفلسطيني وهذه مقدرة بـ2.7 مليار دولار، ويبقى مليار ونصف مليار وهذه من المفترض أن تأتي من الدول المانحة، منها 300 مليون لدعم التنمية ومليار و200 مليون لدعم الموازنة الجارية.

هذا المبلغ (300 مليون دولار) يذهب لدعم مشاريع البنية التحتية كالمدارس التي نحتاج إلى ستين منها سنويا، وهذا الحد الأدنى الذي يُبقي الاقتصاد على نفس المستوى من حيث كفاءة البنى التحتية، فالمطلوب إنفاق نحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي -الذي يصل لدينا إلى نحو عشرة مليارات دولار- عليها، وهذا المبلغ لا يحدث نهوضا ولكنه في الوقت ذاته لا يحدث تدهورا.

أما بناء المصانع فهذه القضية لا تغيب عن بال القطاع الخاص الذي تقوم عليه مؤسسات الدولة أصلا ويتبناه الدستور الفلسطيني، ولكن تبقى المشكلة في معوقات الاحتلال لهذه الشركات والمصانع كالتحكم في عملية الاستيراد والتصدير.

وبالمجمل، فإن إجراءات الاحتلال تحبط التنمية، وأموال الدعم الخارجي توظف في البنى التحتية والمدارس وتطوير المستشفيات.

وحتى القطاع الخاص تسهم المعونات الخارجية بدعمه عبر تشجيع البنوك على منح قروض الرهن العقاري، إضافة لمشاريع موجهة للأفراد والقطاع الخاص.

أما بشأن الاستثمار، فمنذ بداية المفاوضات في تسعينيات القرن الماضي كان هناك تحفظ فلسطيني على الاستثمار، وبعد أوسلو تدفق العشرات من المستثمرين وأسسوا مجموعات وشركات مختلفة، ولكنهم فوجئوا بتعقيدات الاحتلال وإعاقاته على الحواجز والحدود وبمنح التصاريح وغير ذلك.
الحكومة تقول إن هناك تهربا ضريبيا كبيرا يقدر بمئات الملايين من الدولارات، فهل ينطبق هذا الأمر على لسان حال المواطن الذي يقول إنه كمن يعيش في الصومال ويدفع ضرائب تكساس؟

هذا كلام مبالغ فيه، الفلسطيني يوصف بأنه "نقاق ونقدي"، وضعنا مستقر نوعا ما، ولكن كوننا ندفع مستويات ضرائب عالية وخاصة بالضفة فهذا صحيح، لأن هنالك مسؤوليات كبيرة والضريبة لدينا مقسمة بين 5% و10% و15% و20%، ومن دخله يفوق ثلاثين ألف دولار يدفع 20%، ومن يقل راتبه عن ألف دولار لا يدفع ضريبة.

لدينا تهرب ضريبي، والسبب في ذلك غياب الثقافة العامة والشعور بالمسؤولية، وأعتقد كذلك أن التهرب الضريبي مرتفع لأسباب موضوعية متعلقة بمناطق "سي" التي يسيطر عليها الاحتلال، وجزء منه نتيجة قصور أو قلة اهتمام ورؤية غير سليمة لدى وزراء المالية

نعم لدينا تهرب ضريبي، والسبب في ذلك غياب الثقافة العامة والشعور بالمسؤولية، وأعتقد كذلك أن التهرب الضريبي مرتفع لأسباب موضوعية متعلقة بمناطق "سي" التي يسيطر عليها الاحتلال، وجزء منه نتيجة قصور أو قلة اهتمام ورؤية غير سليمة لدى وزراء المالية الذين ركزوا على كبار المكلفين وهم الشركات والمؤسسات الكبرى وتناسوا البقية.

وزراء المالية في عهد السلطة الفلسطينية كلهم يتحملون مسؤولة التهرب الضريبي، فهنالك نسبة كبيرة من المكلفين بدفع الضريبة توقفوا عن ذلك -وخاصة خلال الانتفاضة- لأن أحدا لم يسألهم، كما أن وزارة المالية تتحدث بالعموميات دون التفاصيل في ما تنفقه وخاصة على البنى التحتية.
هل التهرب الضريبي شكل من أشكال الفساد؟ وهل نعاني حقا من استشراء للفساد؟ وإن وجد فهل تعمل الحكومة على كبح جماحه؟

ما تحدثت به آنفا من أن وزارة المالية تتحدث بالعموميات ولا تكشف عن كافة البنود التي تصرف بها الأموال بشكل علني جعل البعض يستغل الأمر ليوجه اتهامات للسلطة بالفساد لنزع المصداقية عنها وعن شرعيتها، ولغاية الآن يعتقد المواطن أن هناك فسادا، ولذا على السلطة أن توضح أن معظم أبواب الفساد أغلقت وصارت هناك محاسبة وعملية ضبط وربط للمال العام.

مما لا شك فيه أن نسبة الفساد تدنت فعلا بشكل جوهري، فالفساد بشكله المعهود من سيطرة واستحواذ البعض على المال العام فهذا تقريبا انتهى، وما بقي حالات محدودة تتعلق بعملية التوظيف والمحسوبيات وهي ربما تستمر، أما الفساد الفعلي بمعنى أن هنالك إهدارا في المال العام فقد أغلق كثير من أبوابه.

وهذا يعود لعملية الربط والضبط للإيرادات والنفقات، فقد أصبحت هنالك محاسبة وديوان رقابة يعمل بصورة جيدة، إضافة لهيئة مكافحة الفساد التي تلاحق وتستقبل أي شكوى أو حتى شبهات صغيرة، ولهذا صرنا نلمس تحسنا كبيرا في هذا الموضوع.

كما أن عملية إصلاح البنية المؤسسية التي بدأت منذ عام 2003 عملت على تنظيم الإيرادات والنفقات، حيث كانت الفوضى عامة قبل ذلك.
ماذا تقصد بعملية الإصلاح؟

كثير من المؤسسات والوزارات تم دمجها وإلغاء بعضها، وتم وقف هدر المال العام وتخفيض النفقات، خاصة فيما يتعلق بمصروفات المسؤولين والموظفين في الحكومة كالسفر ونوعية المركبات، وصار هنالك ترشيد لعلاوة المواصلات والعلاوات السنوية.

نعم، في مرحلة معينة حصل توظيف عشوائي للبعض بسبب البطالة نتيجة لعدم استيعابهم في المؤسسات الخاصة، وكان على الحكومة توظيفهم.

ويمكن القول إن الحكومات أجرت خطة تقشف طوال السنوات الماضية استنفدت معظم أبوابها، لكن الحديث بالطبع ما زال جاريا عن بعض الموظفين الذين يتلقون رواتب وهم ليسوا على رأس عملهم، وهذه المشكلة يجري العمل على حلها.

لكن رغم خطة التقشف لم ينخفض الإنفاق الحكومي، في ظل تصاعد نسبة البطالة لتصل 24% في المجتمع.
نسمع بين الفينة والأخرى أن إسرائيل تقوم أحيانا بحجب "أموال الضرائب" عن السلطة كأداة للعقاب، أولا وضح لنا صورة جباية إسرائيل لهذه الضرائب والآلية التي تعيدها لنا بها؟

عبر آلية التقاص أو ما يعرف بـ"المقاصة"، وهي أموال الضرائب التي تأخذها إسرائيل من الفلسطينيين الذين يشترون بضائعها وتستردها السلطة بعد أن تخصم دولة الاحتلال حصتها التي تقدر بنحو 3% مما تجمعه، كما نحول لإسرائيل أيضا أموال ضرائب نأخذها من إسرائيليين يشترون بضائعنا.

لكن الفرق هنا هو أننا نشتري بأربعة مليارات دولار من إسرائيل ونبيعها بنحو 600 مليون دولار سنويا ونأخذ 18% ضريبة القيمة المضافة، ومع ذلك يبقى فرق العجز في الميزان التجاري هائلا، وباختصار إسرائيل تتصرف هكذا لأنها دولة محتلة ومتحكمة في مصادر عيشنا ومواردنا جميعها.
هنا يطرح السؤال نفسه، ونحن نسأل نيابة عن المواطن أيضا: لماذا لا تدعم الحكومة السلع الأساسية كالقمح والمحروقات؟ كآلية لمواجهة الغلاء؟

المواطن يشعر بالغلاء لأن الاقتصاد لم يوفر له دخلا مرتفعا، لأن النمو الاقتصادي أصلا يسير ببطء شديد، فنسبة التنمية بالضفة لا تتجاوز 2% وفي غزة تصل لنحو 5%، لأن قاعدة المصادر الاقتصادية محدودة وضعيفة، كما أن الغلاء عالمي أيضا و70% مما نستهلكه مستورد.

المواطن يشعر بالغلاء لأن الاقتصاد لم يوفر له دخلا مرتفعا، لأن النمو الاقتصادي أصلا يسير ببطء شديد، فنسبة التنمية بالضفة لا تتجاوز 2% وفي غزة تصل لنحو 5%، لأن قاعدة المصادر الاقتصادية محدودة وضعيفة، كما أن الغلاء عالمي أيضا و70% مما نستهلكه مستورد

سياستنا لا تقوم على دعم مواد أساسية، وإنما على دعم المواطن مباشرة والبحث عن الفقير والمحتاج ومساعدته من خلال برنامج التحويلات النقدية عبر وزارة الشؤون الاجتماعية، لكي لا يشمل الدعم الفقير والغني وبالتالي استنزاف خزينة الدولة.

وفي شأن متصل، فإننا نشتري بذات الأسعار تقريبا التي يشتري بها الإسرائيليون ولكن الفرق يظهر في الدخل، إذ يقدر دخل الفرد الفلسطيني بـ1-20 مقارنة مع الفرد الإسرائيلي الذي يصل لـ37 ألف دولار، بينما لا يتعدى دخل الفلسطيني 1600 دولار.
هل نفهم أن العدالة الاقتصادية والاجتماعية للفلسطينيين صعبة المنال؟ وما الذي يحققها؟

الشعب بحاجة لعدالة سياسية، فلا يمكن لأي حكومة في ظل الاحتلال أن تحقق عدالة اجتماعية أو اقتصادية ولا أي نوع من العدالة، حتى العدالة بالمفهوم الضيق وهو القضاء وغيره، وهي تظل مشلولة إزاء العقبات التي يفرضها الاحتلال، لأن أي شخص فار من وجه العدالة يهرب لمناطق "سي" التي تسيطر عليها إسرائيل ولا يمكن للشرطة الفلسطينية أن تصلها.

وفعلا هناك عملية إصلاح كبيرة لتوفير الدعم للأسر الفقيرة، وهناك مساع لعمل ضمان اجتماعي وقانون تقاعد يُعنى بكبار السن والعاطلين عن العمل وذوي الاحتياجات الخاصة، إضافة للتأمين الصحي الحكومي الذي يشمل شريحة كبيرة من المواطنين، وتحويلات العلاج الخارجية التي تستنزف سبعين مليون دولار سنويا.

وتسعى الحكومة لتوفير حماية للمزارعين ضد الكوارث، وكل هذا بحاجة لخميرة وميزانية كبيرة، ولكن موازنتنا أصلا مثقلة بالديون.
لماذا توصف السياسات الاقتصادية للسلطة بأنها واحدة سواء في عهد سلام فياض أو رامي الحمد لله وغيرهما؟

السياسات بحاجة لموازنة، وخيارات الموازنة محدودة ومشلولة وبالكاد تغطي 60% - 70% منها، إضافة لما تعانيه الموازنة من عجز وديون تتجاوز أربعة مليارات دولار.

وبالمناسبة معظم الديون داخلية، فهناك اقتراض من البنوك وصل لمليار و300 مليون دولار، وهناك 600 مليون دولار للقطاع الخاص متأخرة منذ سنوات، أما الديون الخارجية فلا تتعدى مليارا و400 مليون دولار.
الأغوار الفلسطينية رغم أنها تعد خاصرة الاقتصاد الفلسطيني وسلة غذاء الفلسطينيين، فإن إسرائيل تصادر أكثر من ثلثيها وتطالب وفق خطة وزير الخارجية الأميركي جون كيري بالسيطرة الكاملة عليها واستئجارها لعشرات الأعوام؟

البنك الدولي أجرى دراسة عن الأغوار تحديدا ومناطق "سي" هناك والبحر الميت، ووجد أننا منعنا من استخدم هذه المصادر واستغلالها، مما يعني خسارة 3.4 مليارات دولار سنويا، ولو استطعنا أن نأخذ ضرائب هذه الأموال لقمنا بسداد العجز في الموازنة والاستغناء عن المانحين، لذا فإن النضال الفلسطيني من أجل الأغوار لا بد من أن يستمر كالنضال من أجل القدس.

وأعتقد أن مواصلة إسرائيل استغلال الأغوار بذريعة الأمن تأتي لأهداف اقتصادية، لأنها تدرك أن الأغوار مصدر أساسي لاستدامة الاقتصاد الفلسطيني وهي لا تريده أن يقف على قدميه.

كم تساهم الأغوار في الاقتصاد الفلسطيني؟

الزراعة كلها لا تشكل أكثر من 6% في الاقتصاد الفلسطيني من الناتج المحلي الإجمالي، وكل ما يستغل منها لا يتجاوز 10% من أصل 30% من مساحتها الحقيقية والباقي تسيطر عليه المستوطنات، وكذا الحال بالنسبة للبحر الميت ومدينة القدس التي لا تستفيد السلطة منهما اقتصاديا مطلقا.
كانت السلطة وما زالت تحذر من انهيارها إذا ما فشلت المفاوضات، لكن بعض المسؤولين عزا ذلك للانهيار الاقتصادي؟ وحتى الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) كان يلمح لحلها؟

لا، ليس الأمر بهذه السهولة لأن انهيار السلطة له تبعاته الصعبة على الفلسطينيين أكثر من الاحتلال الذي جهّز نفسه وحصّن نفسه أمام أي انهيار للسلطة، وبناء الجدار العازل خير دليل.

وأعتقد أن إسرائيل لا تريد ذلك، لأن حكوماتها المتتالية وقادتها باتوا يرون في السلطة قيادة فعّالة للشعب الفلسطيني ولديها مبادرات وهنالك ثقة دولية بها، واستطاعت القيادات أن تبني علاقات متوازنة مع العالم وأن تأخذ قرارات هامة، كالاعتراف بفلسطين دولة عضو غير مراقب، وبالتالي من الممكن أن تستخدم هذا الموقع القانوني الجديد للسلطة لعزل إسرائيل ومحاسبتها.

هنالك أصوات عالمية كثيرة باتت تنتقد إسرائيل وبشكل علني، حيث الدعوة لمقاطعة بضائع المستوطنات ومحاسبة إسرائيل على جرائمها، والأهم أن السلطة تبنت خيار المقاومة الشعبية الذي يزعج إسرائيل، ويحظى بموافقة وإجماع عالمي ويثبت الفلسطينيين على أرضهم.

هناك أطراف في الحكومة الإسرائيلية تتمنى أن تنهار السلطة، ولكن لا تريد تحمل مسؤولياتها لأنها تدرك أن رد الفعل الدولي لن يكون في صالحها، ولذلك الخطر الكبير أن نبادر نحن لحل السلطة

ورغم ذلك تبقى هنالك أطراف في الحكومة الإسرائيلية تتمنى أن تنهار السلطة، ولكن لا تريد تحمل مسؤولياتها لأنها تدرك أن رد الفعل الدولي لن يكون في صالحها، ولذلك الخطر الكبير أن نبادر نحن لحل السلطة.

أما أبو مازن فكان يذهب لهذا الخيار عندما توقف إسرائيل تحويل أموال الضرائب، أو تعوق السلطة عن القيام بواجبها، فالرئيس حينها لا يقدر أن يواجه، وعليه أن يضع العالم أمام صورة الوضع، ويؤكد له أن السلطة لم تعد قادرة على الوفاء بالتزاماتها، وهو بهذا يحمي الشعب الفلسطيني ويستخدمه كورقة ضغط على إسرائيل ودفاعا عن النفس أيضا.
إذن ما خيارات السلطة في ظل كل ما نراه ويحدث واقعا؟

لطالما كانت الخيارات لدى السلطة محدودة، فالنهوض الاقتصادي بحاجة لاستعادة المصادر المحبوسة عند الاحتلال، ففي ظل الوضع القائم أصبحت المصادر ضيقة ولا تسمح بتطور الاقتصاد، وأضحت تكاليف الاستثمار مرتفعة، كما أن إسرائيل تسيطر على مناطق "سي" التي تشكل أكثر من ثلث مساحة الضفة الغربية.

حاليا تجري ضغوط على الإسرائيليين للسماح للسلطة باستخدام مناطق "سي" والبناء والاستثمار فيها، ولا أعرف ما إن كانت جهود جون كيري وتوني بلير والرباعية في الضغط على إسرائيل ستنجح؟

أظن أن المانحين سيستمرون في دفع تكاليف إدارة الصراع، رغم أننا نحاول إقناعهم ونشجعهم على أن ينتقلوا من إدارة النزاع لحله ولكن هم فشلوا لغاية الآن، وإذا فشل الأميركان في مساعيهم الآن فسيكون التوجه للمؤسسات الدولية هو الخيار الوحيد، ولكن يبقى خيار إنهاء الاحتلال هو المطلوب أولا وأخيرا.

المصدر : الجزيرة

التعليقات