في ظل الحصار الغربي الاقتصادي على السودان تأخر استغلال البترول السوداني لأكثر من 15 عاما مما أفقد البلاد مائة مليار دولار وتوج الحصار الاقتصادي بانفصال جنوب السودان في يوليو/تموز 2011 الذي انفصلت معه عائدات نفط الجنوب.

عزلة سياسية واقتصادية منذ 1983
تضييق الخناق على النظام المصرفي

القطاع الزراعي تحت الحصار
الاستثمار في السودان وآثار الحصار
الخروج من النفق المظلم

 عزلة سياسية واقتصادية منذ 1983
منذ سبتمبر/أيلول 1983 يعيش السودان في عزلة سياسية واقتصادية بدأتها الولايات المتحدة الأميركية عقب إعلان الرئيس السوداني الأسبق جعفر محمد نميري ما أطلق عليه النظام آنذاك "قوانين الشريعة الإسلامية".

وعقب قيام ثورة الإنقاذ في 30 يونيو/حزيران 1989 زادت وتيرة الحصار وزيدت مرة أخرى في عام 1990 إثر موقف الخرطوم من غزو العراق لدولة الكويت وانضمت دول الخليج العربي وبعض الدول الغربية لهذا الحصار الذي أصبح أكثر إيلاما.

منذ 11 سبتمبر/أيلول ظل السودان يعاني من سياسات الولايات المتحدة وعدد من دول المنطقة، وبسبب ذلك خسر مليارات الدولارات بطريقة مباشرة وغير مباشرة

وفي العام 1997 أعلنت الولايات المتحدة تشديد الحصار الاقتصادي على السودان مما زاد الطين بلة، وفي 11 سبتمبر/أيلول 2001 وضعت الولايات المتحدة حكومة الخرطوم على قائمة الدول التي يمكن محاصرتها اقتصاديا.

ومنذ ذلك الوقت ظل السودان يعاني من سياسات الولايات المتحدة وعدد من دول المنطقة، وبسبب ذلك خسر مليارات الدولارات بطريقة مباشرة وغير مباشرة.

فقد تأخر استغلال البترول السوداني لأكثر من 15 عاما مما أفقد البلاد مائة مليار دولار وتوج الحصار الاقتصادي بانفصال جنوب السودان في يوليو/تموز 2011 الذي انفصلت معه عائدات نفط الجنوب التي تبلغ أكثر من سبعة مليارات دولار سنويا.

وكان من المتوقع أن ترفع الولايات المتحدة الأميركية الحصار لكنها بدأت في تأجيج الصراع في جنوب كردفان والنيل الأزرق بالإضافة إلى دارفور المشتعلة أصلا.

وأثر الحصار على الجوانب المختلفة للاقتصاد السوداني. فقد تأثر القطاع المصرفي وبدلا من أن يتعامل عبر النظام المالي الدولي صار يتعامل مع السماسرة الدوليين والسوق الأسود والوسطاء وتجار الشنطة والعملة.

وزاد ذلك من التكلفة ليس فقط على الحكومة وإنما تأثر كذلك القطاع الخاص ومن ورائه المؤسسات المالية الضعيفة أصلا، مما أدى إلى إفلاس بعضها وإغلاق بعضها ودمج البعض الآخر. وخسرت البنوك جزءا كبيرا من رأسمالها وأرباحها وزبائنها داخل السودان وخارجه ونفرت البنوك عن التعامل مع البنوك السودانية خوفا من العصا الغليظة الأميركية التي تمثل ثلث السوق المالية العالمية وربع الاقتصاد العالمي.

ورغم أن تجارة السودان معها أقل من 1% فإنها تسيطر على السوق العالمية عبر حلفائها وأصدقائها وأتباعها وجيرانها على مستوى العالم.

وتقدر خسارة النظام المصرفي في السودان من العام 1997 إلى 2014 بحوالي تسعة مليارات دولار.

تضييق الخناق على النظام المصرفي
وبعد انضمام المملكة العربية السعودية للحصار الاقتصادي يضيق الخناق على النظام المصرفي السوداني مما يعرضه للمزيد من الخسائر والعزلة العالمية والإقليمية بل ويعزل سوق الخرطوم للأوراق المالية عن الأسواق العالمية والإقليمية ويكبد الشركات خسائر كبيرة، ويؤدي إلى هروب رؤوس الأموال للخارج. 

تقدر خسارة النظام المصرفي في السودان من العام 1997 إلى 2014 بحوالي تسعة مليارات دولار

وقد قلت تحويلات السودانيين العاملين بالخارج. فبعد أن كانت تبلغ حوالي ثلاثة مليارات دولار سنويا هبطت إلى أقل من مائة مليون دولار, وأصبح المغتربون يتعاملون مع تجار العملة وتجار الشنطة وتجار السوق السوداء ويسلمون عملتهم الصعبة في بلد المهجر ويتسلم ذووهم بالعملة المحلية في الداخل، مما أفقد الجهاز المصرفي واحدا من أهم مصادره للعملات الصعبة.

وأدى ذلك إلى انخفاض احتياطي البنك المركزي من العملات الأجنبية، مما أقعده عن إعمال سياسته النقدية، الأمر الذي أدى إلى انتعاش السوق السوداء، وإلى المضاربة في العملات الصعبة التي قفز سعرها بصورة جنونية وما زالت ترتفع.

فقد ارتفع سعر الدولار من جنيهين إلى أن وصل الآن إلى أكثر من 8.2 جنيهات وربما يرتفع أكثر من ذلك في الأيام القادمة، حيث إن دخول البنوك السعودية على الخط سوف يؤدي إلى ارتفاع أسعار العملات الصعبة التي يخشى أن يصل الدولار معها إلى عشرة جنيهات نهاية العام إذا استمر هذا الحصار. وقد نمت معدلات السيولة المحلية إلى 40%، بينما المستهدف 18%.

الحصار الاقتصادي أدى إلى ارتفاع الأسعار، بسبب انخفاض قيمة الجنيه السوداني، خاصة السلع المستوردة. فسعر الدواء الذي كان يباع بنحو عشرين جنيها عندما كان سعر الدولار جنيهين يباع الآن بمبلغ ثمانين جنيها. كما أن بعض السلع زادت بنسبة أعلى من ذلك وتأثر من ذلك المواطن المغلوب على أمره والذي تآكل دخله بسبب الحصار.

ولأسباب أخرى فقد بلغ متوسط دخل الفرد من الناتج المحلي حوالي 1943 دولارا مقارنة بحوالي 7682 دولارا للدول العربية في 2012 (التقرير الاقتصادي العربي الموحد 2013) وأكثر ما تأثر الفقراء حيث ارتفعت نسبة الفقر حتى وصلت إلى 46.5%.

كل ذلك أدى إلى تبني الحكومة لسياسات تقشفية, فرفعت الدعم عن بعض السلع مما أدى إلى ارتفاع سعر المحروقات والخبز والمواصلات وغيرها بصورة كبيرة، واندلعت التظاهرات والاحتجاجات احتجاجا على هذه السياسات التي وقع أثرها على المواطن، في حين لم تتأثر بها الحكومة كثيرا.

تدهورت الصناعات القائمة في السودان بسبب الحصار، ولم تستطع الدولة تطوير الصناعات الجديدة وانشغلت بالحروب في ربوع البلاد

ويؤثر الحصار الاقتصادي أيضا على القطاع الصناعي. فقد تأثرت الصناعة سلبا خاصة الصناعة ذات المنشأ الأميركي أو الأوروبي. وتوقفت بعض المصانع نهائيا عن الإنتاج بسبب عجزها عن استيراد قطع الغيار من الخارج، كما توقفت مصانع بسبب البرمجيات الغربية. وتأخر افتتاح أخرى بسبب ذلك.

وتأثر أكثر من ألف مصنع بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مما أدى إلى انخفاض الإنتاج وتسريح الكثير من العاملين وفقدهم وظائفهم فتدهورت صناعة النسيج ورحلت شركتا شيفرون وتلسمان من قطاع البترول وتوقف انتقال التكنولوجيا الغربية إلى السودان وتوقفت أيضا الصناعات الحربية وبدأ السودان يعتمد على الصناعة الصينية والإيرانية والروسية، وبعض صناعات الدرجة الثالثة. لذلك تدهورت الصناعات القائمة ولم تستطع الدولة تطوير الصناعات الجديدة وانشغلت بالحروب التي اجتاحت ربوع البلاد.

القطاع الزراعي تحت الحصار
تأثر أيضا القطاع الزراعي الذي يعتمد عليه أغلب السودانيين. فقد ارتفعت أسعار مدخلات الإنتاج الزراعي وذلك بسبب انخفاض قيمة الجنيه السوداني، من جانب، ومن جانب آخر بسبب شراء المدخلات عبر الوسطاء ومن السوق السوداء وبسبب تخوف البنوك من التعامل مع السودان وتم رفع أسعار التأمين، مما أدى إلى زيادة التكلفة وعجز السودان عن سد النقص الناتج عن التكنولوجيا الغربية في مجال الزراعة والري والثروة الحيوانية.

كما أن الصادرات الزراعية التي كانت تصدر إلى أميركا وأوروبا بأعلى من أسعارها العالمية
-حسب اتفاقية لومي- انحسرت لحد كبير. ولا تستورد أميركا إلا الصمغ العربي الذي تحتاجه. وقد استوردت في الشهر الماضي ما قيمته 103 ملايين دولار وهو مستثنى لمصلحتها.

كذلك تأثرت الزراعة بسبب التقاوي والأسمدة، مما أدى إلى تحول السودان إلى استيراد التقاوي والأسمدة الفاسدة من بعض الدول، وأدى ذلك إلى فشل بعض المواسم الإنتاجية (القطن والقمح). بالإضافة لذلك حرضت أميركا حلفاءها على عدم استيراد المنتجات الزراعية بشقيها الحيواني والنباتي من السودان. مما أدى إلى انخفاض الصادرات وبالتالي انخفاض عائدات العملات الصعبة.

حوالي 80% من الاستثمارات خليجية ومبلغها أكثر من 22 مليار دولار سوف تتأثر سلبا بالحصار الجديد ومقاطعة البنوك السعودية مما يصعب تحويل الرساميل والأرباح من وإلى بلدان المنشأ

كذلك أثر الحصار على قطاع الخدمات فتأثر قطاع الفنادق فأغلقت بعض الفنادق العريقة مثل المريديان والهيلتون أبوابها وانخفضت السياحة الغربية للسودان. وتأثر قطاع النقل والمواصلات، فتوقفت السكك الحديدية بسبب عجز الدولة عن توفير قطع الغيار اللازمة لتشغيل المحركات، الأمر الذي أدى إلى عجز السكة الحديدية عن القيام بدورها في التنمية الاقتصادية. وسرى التأثير أيضا إلى النقل البري والنهري والجوي والبحري. وانخفضت أعداد السفن من 16 سفينة إلى سفينة واحدة فقط تعمل فعليا.

وتعرض النقل الجوي إلى أزمة حادة فحدثت أكثر من عشرة حوادث طيران وتآكلت الخطوط الجوية السودانية "سودانير" التي كانت تسيطر على الأجواء الأفريقية ولم يبق منها إلا طائرة واحدة تعمل وأخرى متعطلة بسبب المقاطعة.

تأثر السودان أيضا بسبب سيطرة أميركا علي المؤسسات المالية الدولية فهي التي تسيطر على البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وبرامج الأمم المتحدة واليونسكو ومنظمة التجارة العالمية التي قدم السودان طلبه للانضمام إليها منذ العام 1994 وإلى الآن لم يقبل. وفي كل مرة تظهر متطلبات جديدة وراءها أميركا كذلك مجموعة نادي باريس بالإضافة إلى المنظمات الإقليمية وذلك من خلال قوتها التصويتية والسياسية والعسكرية.

كل هذا حرم السودان من القروض والمنح والهبات رغم أنه استوفى شروط ذلك كما أن السودان استوفى شروط إعفاء الدين الذي بلغ الآن أكثر من 42 مليار دولار, وبرغم ذلك قوبل طلبه للإعفاء بالرفض مما أدى إلى زيادة العبء على المواطن.

الاستثمار في السودان وآثار الحصار
ولم يسلم قطاع الاستثمار في السودان من آثار الحصار. فحوالي 80% من الاستثمارات خليجية ومبلغها أكثر من 22 مليار دولار سوف تتأثر سلبا بالحصار الجديد ومقاطعة البنوك السعودية مما يصعب تحويل الرساميل والأرباح من وإلى بلدان المنشأ خاصة إذا تبع ذلك بقية دول الخليج العربية.

ويؤثر ذلك ليس على الإنتاج والإنتاجية وإنما أيضا على العمالة حيث توفر هذه المشاريع حوالي 370 ألف وظيفة بأجر منتظم ومجز. وقد أدت هذه المشاريع إلى تحديث القطاع الزراعي وتقنياته وإقامة الكثير من المصانع للاستهلاك المحلي والصادر.

وبعد أن كان السودان بين أكثر ثلاث دول جاذبة للاستثمار تقهقر موقعه بسبب الوضع الاقتصادي والحصار. وهو مرشح للتدهور أكثر من ذلك في المستقبل.

من جملة الاستثمارات العربية البالغة 676 مليار دولار في العام 2012 لم يستطع السودان جذب أكثر من ثلاثة مليارات دولار

ومن جملة الاستثمارات العربية البالغة 676 مليار دولار في العام 2012 لم يستطع السودان جذب أكثر من ثلاثة مليارات دولار. ويبلغ الاستثمار حوالي 19.8% من الناتج المحلي (التقرير الاقتصادي العربي الموحد 2013).

وأثر الحصار على التعليم فتوقفت المنح الدراسية للخارج وحتى أجهزة المعامل التي يستخدمها الطلاب منعت من دخول البلاد. فمنعت أجهزة الليزر وأجهزة معامل الكيمياء والمختبرات والورش الهندسية مما أثر سلبا على العملية التعليمية في مستوياتها المختلفة.

الشاهد أن الحصار الاقتصادي على السودان كان له آثار اقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية سالبة. وإذا أضفنا إليه حصارا إقليميا فهذا يعني المزيد من المعاناة والموت البطيء إذا لم يتم تدارك الموقف.

وقد أصبح الحصار الاقتصادي سلاحا تستخدمه الولايات المتحدة وأوروبا الغربية ضد معارضيها, واستطاعت من خلاله أن تحقق أهدافها. فقد استخدمته ضد إيران وآتى أكله واضطرت إيران إلى الانصياع للشروط الغربية لتنقذ شعبها واقتصادها من الانهيار.

ومن المعروف أن الحصار الاقتصادي لا يؤثر كثيرا علي الحكومات خاصة في دول العالم الثالث التي لا تأبه كثيرا بمصالح شعوبها وتعتمد على العاطفة أكثر من المنطق وليس بها مؤسسية ولا تداول سلمي للسلطة ويعتمد القرار على قلة من الأفراد بل في بعض الأحيان على فرد واحد ويمكن تدمير الدولة بأكملها من أجل شخص واحد.

وفي هذه الأيام تحاول الدول الغربية فرض الحصار الاقتصادي على روسيا. والسودان ليس له قوة الدب الروسي العسكرية ولا جبروت إيران النفط نووي، فكيف تستطيع الحكومة السودانية الخروج من هذا النفق المظلم؟ وما هي خياراتها وبدائلها؟

الخروج من النفق المظلم
إن لدى الحكومة السودانية خيارات محدودة. ونرى أنه يمكنها أن تتخطى ذلك عبر:

أولا: تحقيق المصالحة القومية وقيام حكومة تكنوقراط غير مسيسة تعمل على تحقيق السلام في مناطق الحروب في ولايات دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وتحقيق مصالحة مع الشعب السوداني بفئاته وأعراقه وأقاليمه المختلفة وتحضّر لانتخابات مبكرة قادمة بحياد وشفافية ونزاهة. ويحتاج ذلك لتنازل شبيه بما فعله حزب النهضة في تونس.

فالآن البلاد محاصرة من الشرق والشمال والجنوب لم يبق لها إلا ليبيا في الغرب وحتى هذه تواجه أيضا مصيرا مجهولا.

ثانيا: يمكن كسر الحصار عبر تسريع وتكثيف الاكتشافات البترولية والمعادن الأخرى خاصة الذهب فإذا ارتفع إنتاج البترول ووصل إلى 500 ألف برميل في اليوم في النصف الثاني من هذا العام فسيؤدي ذلك للصمود لفترة أطول وإلا سوف تعجز الدولة عن توفير احتياجاتها الأساسية.

وقد بدأت نذر ذلك في الفترة الأخيرة حيث عجزت الدولة عن توفير الدواء والدقيق والمحروقات وغيرها من السلع الضرورية. ولأول مرة منذ فترة طويلة ظهرت في العاصمة والولايات طوابير الخبز والغاز والبنزين والجازولين وانعدمت بعض الأدوية المنقذة للحياة.

ثالثا: جذب الاستثمارات الأجنبية وخلق شراكة قوية مع بعض الدول العربية والإسلامية والصديقة التي تستطيع أن تتحدى الحصار الغربي، وجذب المزيد من القروض والمنح والمعونات الطويلة المدى.

رابعا: الانصياع لمطالب الولايات المتحدة الأميركية والغرب والابتعاد عن الدول المعادية لأميركا التي تطلق عليها واشنطن محور الشر.
ــــــــــــــــــــ
عميد كلية الدراسات التجارية بجامعة السودان

المصدر : الجزيرة