المركزي الأوروبي والسندات المتعثرة
آخر تحديث: 2014/2/13 الساعة 15:26 (مكة المكرمة) الموافق 1435/4/14 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2014/2/13 الساعة 15:26 (مكة المكرمة) الموافق 1435/4/14 هـ

المركزي الأوروبي والسندات المتعثرة

 

أشوكا مودي

مصير برنامج المركزي الأوروبي غير مؤكد
مخالفة معاهدة لشبونة
الأسواق قد تختبر المركزي الأوروبي

مصير برنامج المركزي الأوروبي غير مؤكد
 إن القرار الأخير -الذي أصدرته المحكمة الدستورية الألمانية بإحالة الشكوى ضد ما يسمى برنامج البنك المركزي الأوروبي للمعاملات النقدية الصريحة إلى محكمة العدل الأوروبية- يجعل مصيره غير مؤكد.

لكن الأمر الواضح هو أن الأسس الاقتصادية والسياسية -التي يقوم عليها برنامج المعاملات النقدية الصريحة- معيبة.

ظهر برنامج المعاملات النقدية الصريحة في أغسطس/آب 2012 عندما بدأت عدة أشهر من ارتفاع علاوة المخاطر على السندات السيادية الإسبانية والإيطالية تهدد قدرة منطقة اليورو على البقاء وتعرض الاقتصاد العالمي للخطر.

القرار الأخير الذي أصدرته المحكمة الدستورية الألمانية بإحالة الشكوى ضد ما يسمى برنامج البنك المركزي الأوروبي للمعاملات النقدية الصريحة إلى محكمة العدل الأوروبية يجعل مصيره غير مؤكد

وفي محاولة لاستعادة الثقة وكسب الوقت للحكومات للحد من الاقتراض تعهد رئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي بالقيام "بكل ما يلزم" للحفاظ على منطقة اليورو، وكان هذا يعني مشتريات غير محدودة من سندات حكومات البلدان الأعضاء المتعثرة في منطقة اليورو.

ونجح إعلان دراغي في استحثاث انخفاض حاد في علاوات المخاطر في مختلف اقتصادات منطقة اليورو المتعثرة.

لكن ينس ويدمان رئيس البنك المركزي الألماني وعضو مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي سارع إلى الطعن في برنامج المعاملات النقدية الصريحة، مؤكدا أن البرنامج تجاوز صلاحيات البنك المركزي الأوروبي وخالف المادة 123 من معاهدة لشبونة التي تحظر التمويل النقدي للديون السيادية المتعثرة.

وقبل تفعيل البرنامج ذهب ويدمان بدعواه إلى المحكمة الدستورية الألمانية.

وصُعق أنصار برنامج المعاملات النقدية الصريحة إزاء سعي ويدمان، ذلك أن مجرد الإعلان عن البرنامج كان بمثابة الغوث للحكومات التي تواجه الأزمة ولعله كان سينقذ الاتحاد النقدي، ولو مؤقتا على الأقل. والواقع أن دراغي وصف برنامج المعاملات النقدية الصريحة بجرأة، قائلا "ربما كان هذا البرنامج التدبير الأكثر نجاحا على الإطلاق في عالم السياسة النقدية في الآونة الأخيرة".

مخالفة معاهدة لشبونة
لكن المحكمة الدستورية الألمانية لم تحسم الأمر بشكل قاطع، ورغم حجبها للحكم النهائي احتراما لمحكمة العدل الأوروبية فإنها أيدت وجهة نظر البنك المركزي الألماني بأن برنامج المعاملات الصريحة في هيئته الحالية يخالف معاهدة لشبونة.

وقد يتمكن البرنامج من البقاء، لكن إذا حدث هذا فمن المرجح أن يتم تخفيفه على النحو الذي يسمح للمشاكل التي دعت إلى إنشائه بالعودة إلى الظهور.

ولم يكن البرنامج مصمما بصورة جيدة، كما كان الترويج له أشبه بألعاب الحواة، وكانت المحكمة محقة في التشكيك في الأسس الواقعية التي استند إليها البنك المركزي الأوروبي في زعمه بأن علاوات المخاطر تعكس مخاوف لا أساس لها في السوق.

والواقع أن الدفاع عن البرنامج شعبيا يستند إلى افتراض وجود ضغوط المضاربة التي لا أساس لها.

لكن تصميم البرنامج يسلم رغم ذلك بأن تقديرات السوق للجدارة الائتمانية كانت تعكس خطرا حقيقيا يتمثل في العجز عن السداد. وبوصفه الملاذ الأخير لإقراض جهات سيادية يتعين على أي بنك مركزي أن يكون على استعداد لشراء الديون السيادية دون قيد أو شرط من أجل تحييد التأثيرات المترتبة على التقلبات المؤقتة في السوق.

لكن برنامج المعاملات النقدية الصريحة كان الغرض منه أن يعمل على نحو أقرب إلى أسلوب صندوق النقد الدولي في الإقراض، وهذا يعني إنقاذ حكومة بعينها شريطة أن تتبنى تدابير التقشف المالي.

لكن إذا كان البنك المركزي الأوروبي على اقتناع حقا بأن علاوات المخاطر كانت مرتفعة إلى حد المبالغة وأن ديون البلدان المتعثرة في نطاق قدرتها على السداد فإن فرض الشروط سيصبح بلا ضرورة.

وعلاوة على ذلك، فقد أنشأ برنامج المعاملات النقدية الصريحة مشكلة جديدة بالتصدي لخطر العجز عن السداد: ذلك أن الدائنين من القطاع الخاص -الذين اطمأنوا إلى أن البنك المركزي الأوروبي سوف يمنع الحكومات من التخلف عن السداد- تشجعوا على تقديم المزيد من القروض، وكانت قراءة الانخفاض في علاوات المخاطر كإشارة إلى تجدد ثقة السوق في الجدارة الائتمانية للجهات السيادية المتعثرة بمثابة سوء تفسير آخر يخدم مصلحة ذاتية.

لقد شهدنا موقفا مماثلا لهذا من قبل، ففي عصر ما قبل اليورو تسبب دعم الليرة الإيطالية في نشوء ضغوط مضاربة شديدة، ومع زوال الليرة فإن الإبقاء على العائدات على الديون السيادية كان ليعد تفكيرا ساذجا.

وتماما كما تنتهي أسعار الصرف المبالغ في تقديرها إلى الانخفاض حتما، فإن التخلف عن السداد يصبح ضروريا في حالات الديون السيادية المفرطة، وتتجلى أهمية هذا بشكل خاص في ضوء عزوف البنك المركزي الأوروبي عن التراجع عن الشروط شبه الانكماشية التي تؤدي إلى زيادة أعباء سداد الديون الفعلية.

الأسواق قد تختبر المركزي الأوروبي
ويحذر المحاميان في مجال الديون السيادية لي بوشيه وميتو جولاتي من أن الأسواق قد "تختبر بلا رحمة مدى استعداد البنك المركزي الأوروبي للاستمرار في شراء كميات غير محدودة من الديون السيادية المستحقة على البلدان المتعثرة".

برنامج المعاملات النقدية الصريحة قد يقوض مصداقية البنك المركزي الأوروبي واستقلاله الذي ناله بشق الأنفس، وهي النتيجة التي قد لا تتمكن منطقة اليورو معها من النجاة
"

وسوف يكون هذا الاختبار قاسيا بشكل خاص إذا أصبحت المشتريات محدودة في الواقع مع انصياع البنك المركزي الأوروبي للمحكمة الدستورية الألمانية.

يتعين على منطقة اليورو أن تسمح بحالات انتقائية من التخلف عن سداد الديون السيادية، حيث يعمل البنك المركزي الأوروبي كملاذ أخير للإقراض للحكومات القادرة على سداد ديونها، وبطبيعة الحال قد يكون تقييم القدرة على السداد صعبا أثناء الأزمة، ولكن التظاهر بأن الجهات السيادية لا تعجز عن سداد ديونها أبدا لن يؤدي إلا إلى تفاقم المشكلة. وكما أشارت المحكمة الألمانية فإن احتمال التخلف عن السداد يساعد في الحفاظ على انضباط الأسواق المالية.

لقد انزلق البنك المركزي الأوروبي إلى مستنقع سياسي عندما حاول خلق علاج سريع لمشاكل منطقة اليورو العميقة الجذور، وحتى إذا قررت محكمة العدل الأوروبي إحاطة برنامج المعاملات النقدية الصريحة بالشكوك فقط فإن شرعية البرنامج سوف تظل محل تساؤل، وهو ما من شأنه أن يدفع البنك المركزي الأوروبي  -ولو من وراء الكواليس- إلى الخوض في مناورات سياسية مع الجهات السيادية المتعثرة.

إن الخط الفاصل بين الجرأة والغطرسة دقيق للغاية، وبدلا من النظر إليه باعتباره قضية نجاح عظيمة فإن برنامج المعاملات النقدية الصريحة قد يتحول في ذاكرتنا إلى خطأ تولد عن مطلب ملح.

والأسوأ من هذا أنه قد يقوض مصداقية البنك المركزي الأوروبي واستقلاله الذي ناله بشق الأنفس، وهي النتيجة التي قد لا تتمكن منطقة اليورو معها من النجاة.
ــــــــــــــــــــــــــــ
رئيس بعثة ألمانيا وإيرلندا الدبلوماسية الأسبق لدى صندوق النقد الدولي، وأستاذ السياسة الاقتصادية الدولية الزائر في كلية وودرو ويلسون للشؤون العامة بجامعة برينستون.

المصدر : بروجيكت سينديكيت