ندرة الاختراعات وشح البحوث
هبوط الإنفاق على البحث
غياب الصادرات الصناعية
مؤسسة البحث العلمي والتطوير التكنولوجي

ندرة الاختراعات وشح البحوث
يعاني العراق من أزمة حادة قوامها ندرة الاختراعات وشح البحوث العلمية وضعف الصناعات التحويلية, ناهيك عن تردي الوضع الأمني وانهيار البنية التحتية.

أفضت الحالة الأمنية المتردية في العراق إلى هروب الباحثين إلى الخارج وغياب الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي يمكن الاستفادة منها في نقل التكنولوجيا وإلى تدني فرص التشغيل وتدهور الإنتاج والاستهلاك في جميع القطاعات

أثرت هذه الأزمة مباشرة على المستوى التكنولوجي للبلد الذي لم يعد يختلف كثيراً عن الدول الأقل تطوراً في العالم. وبات من اللازم التعرف على درجة هذا التخلف للوقوف عند خطورة الأزمة بهدف المساهمة في معالجتها.

أفضت الحالة الأمنية المتردية في العراق إلى هروب الباحثين إلى الخارج وغياب الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي يمكن الاستفادة منها في نقل التكنولوجيا وإلى تدني فرص التشغيل وتدهور الإنتاج والاستهلاك في جميع القطاعات, ناهيك عن المعاناة اليومية للمواطنين.

كما أن البلد الذي يستحوذ على احتياطيات نفطية مؤكدة قدرها 143 مليار برميل أي أكثر من نفط القارة الأفريقية برمتها يشكو منذ عدة سنوات من شح الطاقة الكهربائية، الأمر الذي يحول دون تحقيق التنمية الصناعية والتقدم التكنولوجي.

وبحسب اليونسكو, بلغ عدد البحوث العلمية المنشورة في العراق 184 بحثاً أي ما يعادل ستة مقالات لكل مليون نسمة من السكان. وتهتم بالدرجة الأولى بالطب (73 مقالاً) ثم الهندسة (27 مقالاً) وفروع المعرفة الأخرى.

وعلى الرغم من ارتفاع عددها مقارنة بالسنوات السابقة فإن البحوث المنشورة في العراق لمدة سنة لا تعادل سوى البحوث المنشورة في إسبانيا لمدة يومين فقط.

وتخلف العراق من هذه الزاوية يشمل أيضاً المقارنة مع الدول العربية الأخرى. ففي الأردن بلغ عدد المقالات العلمية المنشورة 928 أي 157 بحثاً لكل مليون نسمة من السكان. وفي تونس وصل العدد إلى 2026 أي 194 بحثاً لكل مليون نسمة من السكان.

ولا بد من الإشارة إلى أن بعض المؤسسات الدولية المختصة غير مقتنعة بعلمية المجلات العراقية وبالتالي بجدية المقالات المنشورة فيها. فحسب مؤسسة تومسون رويترز لا توجد في العراق أية مجلة علمية تطابق مواصفاتها. وأبدت مؤسسة إينيست نفس الرأي. أما مجموعة سكوبرس فترى أن هنالك أربع مجلات علمية في البلد تهتم جميعها بالعلوم الإنسانية. في حين تصرح وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بوجود 237 مجلة علمية في العراق.

وحسب تقرير التنمية البشرية لعام 2013 لا يتجاوز عدد الباحثين المتفرغين في العراق 49 لكل مليون نسمة من السكان, وهذا العدد لا يزيد كثيراً عن النيجر (8 باحثين) في حين يصل إلى 661 في المغرب وإلى 7647 في فنلندا التي تحتل أعلى مرتبة في العالم

وفي العراق, كما هو حال الكثير من الأقطار العربية لا توجد مراكز بحوث علمية إلا على نطاق ضيق. وبالتالي فإن عدد المهتمين بالبحث العلمي قليل جداً حتى أصبح مقتصراً على أساتذة الجامعات الذين يخصصون معظم أوقات عملهم المهني للتدريس والإشراف على الدراسات.

وبحسب تقرير التنمية البشرية لعام 2013 لا يتجاوز عدد الباحثين المتفرغين في العراق 49 لكل مليون نسمة من السكان. وهذا العدد لا يزيد كثيراً عن النيجر (8 باحثين) في حين يصل إلى 661 في المغرب وإلى 7647 في فنلندا التي تحتل أعلى مرتبة في العالم.

إن قلة الباحثين ليست المشكلة الوحيدة، إذ إن تردي الوضع التكنولوجي لبلد ما لا بد وأن يطرح مشكلة أخرى ترتبط بالقيمة العلمية للبحوث وبكيفية استغلال الخبرات.

فالباحث في العراق لا يجيد إلا اللغة العربية مما يجعله خارج دائرة البحوث في الدول الصناعية الكبرى. كما أنه جامعي عادة لا يهتم في أغلب الحالات بالبحث إلا من أجل الترقية الوظيفية. فلا بحث من أجل التقدم العلمي بل نشر من أجل السلم الجامعي. كما أن الكثير من البحوث غير قابلة للتطبيق العملي وبالتالي لا يمكن الاستفادة منها في الصناعة.

على الجهات الرسمية العراقية المعنية بالتكنولوجيا والتعليم العالي أن تقدم تفسيراً منطقيا للتخلف العلمي والتقني في دولة تتوفر فيها أعداد كبيرة من المهندسين. ففي عام 2004 بلغ عدد خريجي كليات الهندسة العراقية 22565 أي 25.6% من العدد الكلي لخريجي التعليم العالي (نشر هذا الرقم في التقرير العربي الخامس للتنمية الثقافية لعام 2012)، وهي من أعلى المعدلات في الدول العربية.

وهذا العدد من المهندسين المتخرجين من العراق يفوق عدد المهندسين المتخرجين من الإمارات وقطر وعمان ولبنان والأردن والمغرب مجتمعة. يوحي هذا الوضع بضرورة إعادة النظر في السياسة التعليمية من جهة وبكيفية استغلال الخبرات من جهة أخرى بحيث تستجيب للتطورات العلمية وتخلق جيلاً جديداً من الباحثين.

هبوط الإنفاق على البحث
إنها الأموال التي تصرف من قبل جميع قطاعات الدولة للبحوث في الميادين العلمية المختلفة.

%       المبلغ    السنة

0,09    67      2007

0,05    55      2008

0,09    88      2009

0,06    71      2010

0,04    71      2011

(الجدول تركيب أعده المؤلف انطلاقاً من إحصاءات اليونسكو. المبلغ بملايين الدولارات والنسبة المئوية تعبر عن العلاقة بين المبلغ والناتج المحلي الإجمالي)

تدل هذه الأرقام على عدم اهتمام مالية القطاعين الحكومي والخاص بالبحوث العلمية والتطوير التكنولوجي.

يتسم هذا الإنفاق بالضعف الشديد قياساً بالدول الصناعية سواء تعلق الأمر بالنسب أم بالمبالغ. فعلى سبيل المثال تصل النسبة إلى 3.45% من الناتج المحلي الإجمالي في اليابان أي 86 ضعف النسبة في العراق.

إن ضعف الصادرات العراقية ناجم عن عدة عوامل في مقدمتها انعدام الجودة بسبب غياب التطوير التكنولوجي, وقد احتل العراق المرتبة العالمية الأخيرة في ميدان التنافسية الصناعية وفق تقرير منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية

وأنفقت ألمانيا 97 مليار دولار في عام 2011 أي أن المبالغ المخصصة في العراق طيلة السنوات الخمس المذكورة في الجدول تقل عن المبالغ المخصصة في ألمانيا لمدة يومين فقط.

ويلاحظ هذا المظهر من التخلف التكنولوجي العراقي عند مقارنة الإنفاق العراقي بالإنفاق المماثل في الدول العربية الأخرى.

ففي تونس لعام 2009 بلغ حجم الإنفاق على البحث العلمي 480 مليون دولار أي 1.1% من الناتج المحلي الإجمالي. إن هذا المبلغ يفوق ما خصصه العراق لهذا الباب لمدة خمس سنوات، علماً بأن الناتج المحلي الإجمالي العراقي يعادل خمسة أضعاف نظيره التونسي وأن إيرادات الميزانية العامة العراقية تعادل ستة أضعاف إيرادات الميزانية العامة التونسية.

لا نجد بداً من الإشارة إلى أن الإنفاق في العراق ضعيف حتى عند مقارنته بالبلدان الأكثر تخلفاً في العالم من النواحي الاقتصادية والمالية والتكنولوجية كموزنبيق (0,47%) وأوغندا (0,41%) وتنزانيا (0,43%).

عند الرجوع إلى إحصاءات المنظمات الدولية المهتمة بالاختراعات (البنك العالمي واليونسكو والمنظمة العالمية للملكية الفكرية) لا نجد أية معلومة حول عدد براءات الاختراع في العراق. الأمر الذي يدل على عدد لا يستحق الذكر.

وتعود هذه المشكلة إلى أزمة البحث العلمي من جهة وإلى نظام المكافآت من جهة أخرى. في الوقت الحاضر تمنح وزارة التعليم العالي والبحث العلمي مكافأة مالية قدرها مليون دينار لصاحب براءة الاختراع المسجلة أي ما يعادل 830 دولارا. وهذا المبلغ ضئيل قياساً بمقتضيات المعيشة والجهود المبذولة والمكاسب التي يمكن استخلاصها. علماً بأن مبلغ المكافأة كان 750 ديناراً في عام 1992 أي 35 دولاراً وارتفع إلى 250 ألف دينار في عام 1999 أي 140 دولارا. في حين كان من اللازم ربط المكافأة بالاستغلال الصناعي للاختراع كما هو الحال في البلدان الصناعية.

غياب الصادرات الصناعية
يتسم الاقتصاد العراقي الريعي بضعف القيمة المضافة للصناعات التحويلية حيث بلغت 1.9% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2011. وهي تقريباً أدنى نسبة في العالم. في حين تصل إلى 16.2% في الأردن و 34.1% في الصين (تقرير منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية لعام 2013).

أدى هذا الوضع إلى ندرة الصادرات العراقية التي تعتمد على البحوث العلمية. ففي عام 2007 لم تشكل هذه الصادرات سوى 0.1% من مجموع الصادرات العراقية وهي من أدنى النسب في الدول العربية. ففي المغرب ترتفع المساهمة إلى 8.8%.

إن ضعف الصادرات العراقية ناجم عن عدة عوامل في مقدمتها انعدام الجودة بسبب غياب التطوير التكنولوجي. وقد احتل العراق المرتبة العالمية الأخيرة في ميدان التنافسية الصناعية وفق تقرير منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية أعلاه.

ومن زاوية أخرى أدى تراكم المعرفة في العالم إلى نمو التجارة الخارجية لأسس التكنولوجيا كتصدير الاختراعات وبيع المعلومات. ففي ألمانيا بلغت صادرات هذا الباب 14.2 مليار دولار في عام 2011. أما العراق فهو كغالبية الدول العربية يفتقر كلياً إلى هذه الصادرات.

يتضح مما تقدم إن العراق يقع في خانة الدول الأقل تطوراً من حيث المستوى التكنولوجي. ولا يتناسب هذا الوضع مع القدرة المالية للبلد ولا ينسجم مع إمكاناته الطبيعية ولا يليق بسمعته التاريخية باعتباره مهد الحضارات ومركز الثقافة العربية والإسلامية. لكنه نتيجة منطقية وحتمية لمعاناة دامت 34 سنة من الحروب والحصار الاقتصادي والاحتلال العسكري والنزاعات الداخلية العنيفة والصراعات السياسية العقيمة.

فقد أدى الحصار (1990-2003) إلى انفصال العراق عن العالم من الزاويتين العلمية والتكنولوجية. وقاد إلى تردي الوضع المعيشي لجميع المواطنين. فقد انصرف أساتذة الجامعة والمهندسون والخبراء إلى أعمال إضافية لا علاقة لها بتكوينهم المهني بغية الحصول على دخل لمواجهة أعباء الحياة اليومية. فبدلاً من أن يقدم الباحث دراسة لخدمة التنمية التكنولوجية أصبح يستغل سيارته الخاصة لنقل الركاب مقابل أجر. كما أصاب الصناعة شلل شبه كلي نتيجة عدم السماح باستيراد الأدوات الاحتياطية والمواد الأولية اللازمة.

وما إن خرج العراق من حصار دولي حتى دخل منذ عام 2003 بصراعات داخلية عنيفة أدت ولا تزال تؤدي إلى مقتل بعض الباحثين وإحالة البعض الآخر للتقاعد وهروب البعض الآخر إلى خارج البلد. كما قادت إلى تهميش الباحثين والأساتذة الجامعيين العراقيين الذين تركوا البلاد منذ عقود.

وبات من الضروري معالجة هذا التخلف التي تنطلق من العمل سريعاً على استتباب الأمن وإعادة بناء البنية التحتية. عندئذ يمكن التصدي لمظاهر التخلف المذكورة أعلاه عن طريق إنشاء مؤسسة مختصة وزيادة الإنفاق العام.

مؤسسة البحث العلمي والتطوير التكنولوجي

ما إن خرج العراق من حصار دولي حتى دخل منذ عام 2003 بصراعات داخلية عنيفة أدت ولا تزال تؤدي إلى مقتل بعض الباحثين وإحالة البعض الآخر للتقاعد وهروب البعض الآخر إلى خارج البلد, كما قادت إلى تهميش الباحثين والأساتذة الجامعيين العراقيين الذين تركوا البلاد منذ عقود

ينبغي أن تكون المؤسسة تابعة لجهة حكومية من الزاويتين الإدارية والمالية. لكنها غير مرتبطة بالضرورة بوزارة العلوم والتكنولوجيا أو بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي. تتكون إدارتها من مديرها وباحثين تابعين لها وممثلين عن القطاع الخاص كاتحاد الصناعات. باتت هذه العلاقة بين البحث العلمي وقطاع الأعمال من مسلمات التقدم التكنولوجي. فقد أوضحت تجارب جميع البلدان خاصة الصين والهند وكوريا مدى أهمية آليات ربط الميدان العلمي بالقطاع الصناعي. ولا تتوقف العلاقة عند التنسيق كما تفعل حالياً دائرة البحث والتطوير في العراق بل يجب أن يكون القطاع الخاص مساهماً فاعلاً في وضع السياسة العامة للمؤسسة المقترحة وفي اتخاذ القرارات.

كما يجب أن تخصص الدولة 2% من الناتج المحلي الإجمالي للبحث العلمي والتطوير التكنولوجي. سيقود هذا الارتفاع إلى تغييرات جوهرية وإيجابية في الاقتصاد العراقي شريطة أن يتم وفق سياسة مالية مدروسة. ستؤدي هذه النسبة إلى زيادة عدد الباحثين وتحسين نوعية البحوث وإنشاء مؤسسة بحثية شاملة فتزداد الاختراعات وترتفع القيمة المضافة للصناعات التحويلية. لكن النسبة المقترحة استرشادية وليست جامدة. ولا بد من فترة زمنية معقولة من العمل المثمر للوصول إليها تتضمن أربع سنوات. ويستحسن أن يتضمن الدستور العراقي مادة تحدد نسبة هذا الإنفاق أسوة بدساتير بعض الدول كمصر.

تعادل النسبة المذكورة 4205 ملايين دولار وفق حسابات عام 2012. ترى هل تستطيع الدولة توفير هذا المبلغ؟

خلال السنوات 2004 و2012 حققت جميع الميزانيات العامة فائضاً مالياً وصل في عام 2011 إلى 25948 مليون دولار أي 19.2% من الناتج المحلي الإجمالي وهو من أعلى المعدلات النسبية للفائض في العالم. وسواء نجمت هذه الفوائض عن سياسة مالية رشيدة أم عن ارتفاع الأسعار الفعلية للصادرات النفطية قياساً بالتوقعات في مرحلة تحضير الميزانية العامة أم عن تدني الأداء التنفيذي للنفقات العامة فإن النتيجة واحدة وهي وجود الإيرادات الكافية لتمويل الزيادة المقترحة.

كما يجب على مؤسسة البحث العلمي والتطوير التكنولوجي المقترحة أن تضع برنامجاً خلال فترة محددة من الزمن لتنفيذ مشروع يحتاجه العراق حالاً. ومن أمثلة ذلك البحوث من أجل زيادة إنتاج الطاقة الكهربائية والوسائل الكفيلة بالتخلص من فيضانات فصل الشتاء ومخلفاتها الصحية والاقتصادية والاجتماعية وكذلك طرق معالجة تلوث المياه والتصحر. وما إن ينفذ برنامج حتى يصار إلى برنامج آخر وهكذا.

ستتكفل هذه السياسة المقترحة بتغيير معالم الاقتصاد العراقي فيتحول البلد من مستهلك إلى منتج وستتقدم الصناعة والزراعة وترتفع مستويات التعليم والصحة وتتحسن الرفاهية الاجتماعية. عندئذ سيحتل العراق مكانة علمية مرموقة تليق بماضيه الزاهر.
ــــــــــــــ
باحث اقتصادي عراقي

المصدر : الجزيرة