أشرف رشيد-موسكو

الأزمة التي يمر بها الاقتصاد الروسي وما نجم عنها من انهيار للعملة الروسية "الروبل" أثرت بشكل مباشر على جيوب المواطنين الروس، وانعكست على أوضاعهم المعيشية وقدراتهم الشرائية. 

لم يمض سوى وقت قصير نسبيا على فرض العقوبات الغربية وانخفاض أسعار النفط حتى تعرضت العملة الروسية لضربة غير مسبوقة، فقد سجل الروبل مستويات قياسية جديدة من الهبوط أمام الدولار واليورو وفقد ما يقرب من 50% من قيمته خلال شهرين.

وإذا كانت العقوبات الغربية ضد روسيا قد استهدفت بنوكا وشركات ومسؤولين فإن ارتداداتها طالت المواطنين العاديين وأصبح التراجع الجنوني لسعر الروبل حديث الساعة، وبات من المألوف اكتظاظ المحال التجارية والأسواق بالزبائن الذين يريدون شراء ما يمكن من سيارات وأدوات كهربائية ومنتجات أجنبية للتخلص من مدخراتهم بالعملة الوطنية.

شرباكوفا: المواطنون أصبحوا يشترون بضائع أقل بالمبلغ السابق نفسه (الجزيرة)

وقد أدى هوس الشراء الذي انتاب المواطنين إلى جعل رفوف عدد كبير من المحلات الكبرى شبه خاوية، مع التوقعات بمزيد من ارتفاع الأسعار ومواصلة فقدان الروبل قيمته الشرائية.

ويترافق ذلك مع تحذيرات من خبراء في الاقتصاد وعلم الاجتماع من تغير المزاج العام للمواطنين الروس تجاه السياسة الاقتصادية للحكومة وتراجع التأييد للسلطة استنادا إلى عدد من الاستطلاعات إن فشلت الحكومة في وقف انهيار الروبل واتخاذ إجراءات طارئة لإنقاذ الاقتصاد.

الإعلامية والكاتبة في الشؤون الاجتماعية ناتاليا شرباكوفا اعتبرت أن المواطن الروسي ذا الدخل المتوسط هو الأكثر تضرر بالأزمة، وذلك بتراجع قدرته الشرائية واضطراره للتوقف عن شراء المواد الاستهلاكية والمنتجات الأجنبية عموما.

وأضافت أن المواطنين أصبحوا يشترون بضائع أقل بالمبلغ نفسه الذي كانوا يدفعونه منذ أيام قليلة، إضافة إلى اختفاء عدد كبير من الأصناف في الأسواق مقابل ارتفاع أسعار ما تبقى منها رغم محاولات الشركات والمصانع الروسية سد العجز الناتج وتوفير بدائل بأسعار مقبولة.

وداعا للكماليات
وتقول إنه إذا كان المواطن الروسي متوسط الدخل ويستطيع السفر للاستجمام خارج البلاد ولأكثر من مرة في العام الواحد فإن ذلك أصبح مكلفا وغير ممكن للكثيرين في الظروف الحالية.

سيرغي برسانوف:
ليس من المستبعد أن يكون عام 2015 صعبا، إذ سيشهد تزايدا في خفض أعداد الموظفين، ومواصلة ارتفاع الأسعار، إضافة إلى صعوبات في الحصول على القروض البنكية

بيد أن شرباكوفا ترى إلى جانب ذلك عاملا إيجابيا يتمثل في تشجيع الاقتصاد المحلي على القيام بخطوات إلى الأمام وتحفيز الشركات والمصانع الروسية على رفع وتيرة الإنتاج لتعويض النقص في البضائع المستوردة.

وترفض الإعلامية الروسية فكرة أن الشعب أصبح يعيش في فقر، إلا أنها تقر بأن الناس سيجدون أنفسهم مضطرين لتغيير نمط الحياة الذي كان سائدا والتراجع عن اقتناء المنتجات الكمالية.

سوق العمل
أما الخبير الاقتصادي سيرغي برسانوف فيرى أنه ليس من المستبعد أن يكون عام 2015 صعبا، إذ سيشهد تزايدا في خفض أعداد الموظفين، ومواصلة ارتفاع الأسعار، إضافة إلى صعوبات في الحصول على القروض البنكية.

ووقف عند آثار انهيار سعر الروبل والتضخم الناشئ وانعكاساته على سوق العمل قائلا إن أرباب العمل سيمتنعون عن رفع المرتبات وسيتوقفون عن إيجاد أماكن عمل جديدة، وتوقع نتيجة لذلك أن تتقلص فرص العمل بنسبة 10% تقريبا في النصف الأول من العام المقبل، مما سيزيد معدلات البطالة.

برسانوف توقع أن يكون عام 2015 صعبا على روسيا (الجزيرة)

بانتظار الأسوأ
ويضيف أن مشاكل أخرى بدأت تلامس حياة الناس كارتفاع قيمة فواتير الماء والكهرباء والهاتف كما جرى في حوالي عشرين مقاطعة روسية حتى الآن، فضلا عن التراجع في مبيعات السيارات والسياحة.

وإلى قائمة المشاكل يضيف الخبير الروسي مشاكل الإقراض من البنوك وارتفاع أسعار المحروقات وأزمة حادة في قطاع العقارات بسبب ارتفاع نسب الفوائد على القروض السكنية بالتوازي مع تراجع وتيرة الدخل وبدء عدد كبير من البنوك بالتوقف عن منح القروض.

وفيما لا يرى برسانوف أن الأزمة الاقتصادية ستؤدي إلى اهتزازات اجتماعية رغم حالة عدم الرضا في المجتمع فإنه لا يستبعد أن يتعرض الاقتصاد الروسي لهزة قوية إضافية ستدفع شركات كثيرة إلى إعلان إفلاسها.

ويتابع برسانوف أن الروبل سيصارع كي لا ينهار أكثر، لكن مصيره في كل الأحوال سيبقى مرهونا بسعر النفط العالمي ومستقبل العقوبات.

المصدر : الجزيرة