هل يفعل المركزي الأوروبي ما فيه الكفاية؟
آخر تحديث: 2014/12/23 الساعة 18:58 (مكة المكرمة) الموافق 1436/3/2 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2014/12/23 الساعة 18:58 (مكة المكرمة) الموافق 1436/3/2 هـ

هل يفعل المركزي الأوروبي ما فيه الكفاية؟

بيتر بريت*

معدل التضخم
تحفيز الاقتصاد
السندات السيادية

في مناسبة شهيرة، قال أول مستشار لألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية "لماذا أشغل ذهني بالأشياء التي قلتها بالأمس؟"، وكان يعني أن الأحداث يمكن أن تتكشف في بعض الأحيان بسرعة تفوق قدرتنا على فهمها. لذا فمع اقتراب عام 2014 من نهايته، يستحق الأمر أن نسأل أنفسنا بعدما استفدنا من التجارب السابقة: هل كانت استجابتنا في البنك المركزي الأوروبي سريعة بالقدر الكافي للحفاظ على استقرار الأسعار في مواجهة التهديدات، كما يلزمنا تفويضنا؟ أظن أن الإجابة هي: أجل.

لقد لاحظنا أن سياستنا النقدية لم تعد تؤثر على تكاليف الاقتراض الخاص بالقدر الذي تعودنا عليه، فكان من الواضح أن قنوات الإقراض في النظام المصرفي أصبحت غير قادرة على القيام بوظيفتها، وكانت شروط الإقراض الشديدة التقييد تعمل على قمع الطلب. وفي الاستجابة لهذا، فعل البنك المركزي الأوروبي ما كان ليفعله أي بنك مركزي آخر على وجه التحديد، فقد تحركنا لاستعادة العلاقة بين سياستنا النقدية وتكاليف الاقتراض بهدف خفض متوسط سعر الفائدة الذي يتعين على الأسر والشركات أن تدفعه.

ففي يونيو/حزيران الماضي، قدمنا سلسلة من عمليات إعادة التمويل المستهدفة الأطول أجلا لتوفير التمويل للبنوك بأسعار فائدة ثابتة منخفضة للغاية لفترة تصل إلى أربع سنوات. وكانت عمليات إعادة التمويل المستهدفة الأطول أجلا مصممة لتعظيم فرص تمرير التمويل المسعف إلى المقترضين من البنوك. وكان برنامجنا لشراء الأوراق المالية المدعومة بالأصول والسندات المغطاة مصمما للمساعدة في جعل انتقال تكاليف التمويل الأكثر انخفاضا، من البنوك إلى المستهلكين، أكثر سلاسة.

وفي مجموعها، تقدم هذه التدابير استجابة قوية تعالج الأسباب الجذرية وراء ضعف الإقراض المصرفي، وبالتالي تيسير التدفقات الائتمانية الجديدة إلى الاقتصاد الحقيقي. وتشير أدلة تجريبية إلى أنها تقدم بعض الفوائد الملموسة الأولية لاقتصاد منطقة اليورو.

يتمثل الخطر في احتمالات انزلاق معدل التضخم مؤقتاً إلى المنطقة السلبية في الأشهر المقبلة

معدل التضخم
من ناحية أخرى، استمر معدل التضخم في الهبوط، ففي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي انخفض التضخم السنوي في منطقة اليورو إلى مستوى دوري متدن بلغ 0.3%، وهو ما يرجع إلى حد كبير إلى الهبوط الحاد في أسعار النفط منذ نهاية الصيف. ولكن انخفاض التضخم الأساسي (الذي يستثني أسعار الطاقة والغذاء المتقلبة) يشير أيضاً إلى ضعف الطلب الكلي. والواقع أن أحدث توقعات البنك المركزي الأوروبي تشير إلى انخفاض ملحوظ في تقييم آفاق الاقتصاد الكلي.

ويبدو أن هبوط أسعار النفط وتوقعات التضخم المنخفضة لفترة مطولة تؤثر أيضاً على توقعات التضخم. ونظراً لقوة صدمة أسعار النفط الأخيرة، فإن الخطر يتمثل في احتمالات انزلاق معدل التضخم مؤقتاً إلى المنطقة السلبية في الأشهر المقبلة. وعادة، يرحب أي بنك بصدمة عرض إيجابية. ففي نهاية المطاف، تعمل أسعار النفط المنخفضة على تعزيز الدخول الحقيقية والذي قد يؤدي إلى ارتفاع الناتج في المستقبل. ولكننا قد لا نتمكن من الاحتفال، فلأن توقعات التضخم الراسخة لا غنى عنها لاستقرار الأسعار في الأمد المتوسط، لابد أن تستجيب السياسة النقدية لخطر عدم الاستقرار.

ولهذا السبب، أكَّد مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي بالإجماع على التزامه باستخدام أدوات غير تقليدية إضافية في حدود تفويضه في حال احتياجه إلى معالجة فترة مطولة من التضخم المنخفض، أو في حال فشل التحفيز النقدي في تحريك ميزانيتنا العمومية نحو الحجم الذي كانت عليه عام 2012. وهذا يعني ضمناً تغيير نطاق ووتيرة وتكوين التدابير التي سنتخذها أوائل العام المقبل، وقد عمل مسؤولون من البنك المركزي الأوروبي والبنوك المركزية الوطنية على تكثيف التحضيرات الفنية، حتى يصبح في الإمكان تنفيذ أية تدابير أخرى في المستقبل إذا اقتضى الأمر وفي الوقت المناسب.

تحفيز الاقتصاد
إذا كان لنا أن نحكم بأن الاقتصاد بحاجة إلى المزيد من التحفيز، فقد يكون أحد الخيارات المتاحة توسيع مشتريات البنك المركزي الأوروبي الصريحة من الأصول إلى فئات أخرى من الأصول. ولكن من الأهمية بمكان أن نتذكر أن المشتريات من الأصول ليست غاية في حد ذاتها، فهي أداة وليست هدفاً للسياسة النقدية.

ولا بد أن يكون أحد المعايير المهمة في اختيار التدابير الإضافية مدى تأثيرها على ظروف التمويل الواسعة في الاقتصاد الخاص. على سبيل المثال، شراء السندات التي تصدرها الشركات غير المالية في منطقة اليورو ربما يخلف تأثيراً عابراً على تكاليف تمويل الشركات، ولكن سوق سندات الشركات غير المالية الأخرى ضعيفة نسبياً مقارنة بفئات أخرى من الأصول.

أما اتخاذ القرار بشراء سندات تصدرها كيانات سيادية في منطقة اليورو فهي مسألة أخرى، فهي السوق الوحيدة حيث لا يشكل الحجم أهمية كبيرة. ومن المرجح أن تنطوي التدخلات في هذه السوق على إشارة أقوى بأن البنك المركزي الأوروبي ملتزم بالحفاظ على سياسة نقدية متساهلة لفترة طويلة من الوقت.

إتمام التقييم الشامل من قِبَل البنك المركزي الأوروبي لميزانيات البنوك العمومية وبدء الإشراف المصرفي على عموم أوروبا سيساعد في تنشيط الإقراض المتباطئ في منطقة اليورو

السندات السيادية
ستعتمد فعالية التدخلات في سوق السندات السيادية -أي قدرتها على خفض تكاليف اقتراض الأسر والشركات إلى مستويات أدنى- على حالة القطاع المصرفي أيضا. وستساعد عوامل مثل نسب رأس المال الأعلى، والتعرض الأقل للقروض الرديئة، والميزانيات العمومية الأكثر شفافية، في زيادة إمكانية انتقال التدابير الكمية التي يتخذها البنك المركزي الأوروبي إلى الاقتصاد الأعرض.

ولهذا السبب فإن إتمام التقييم الشامل من قِبَل البنك المركزي الأوروبي لميزانيات البنوك العمومية وبدء الإشراف المصرفي على عموم أوروبا سيساعد في تنشيط الإقراض المتباطئ في منطقة اليورو. وبشكل خاص، ستساعد زيادة الوضوح والشفافية بشأن ميزانيات البنوك العمومية -جنباً إلى جنب مع القطاع المصرفي الأفضل تمويلا- في خلق بيئة إقراض أكثر دعما.

ولكن اتخاذ القرار بشراء سندات سيادية سيحتاج أيضاً إلى البناء على المواصفات المؤسسية لمنطقة اليورو وتفعيلها، بما في ذلك الحدود التي وضعتها المعاهدة المؤسِسة للاتحاد الأوروبي. ونحن نتعامل مع هذه الحدود بمنتهى الجدية.

إن العام المقبل سيكون عامراً بالتحديات وعدم اليقين. ولكن إذا كان لنا أن نستمد من الماضي أي درس، فهو أننا لن نتردد في التحرك إذا تعرضت قدرتنا للوفاء بتفويضنا للخطر.
_______________
* كبير خبراء الاقتصاد لدى البنك المركزي الأوروبي وعضو مجلسه التنفيذي.

المصدر : بروجيكت سينديكيت