كريستين لاغارد

تعزيز النمو وفرص العمل
بين الاستقرار والهشاشة
التعاون أو العمل الأحادي

مع اقتراب العام 2014 من نهايته، يواجه صناع القرار السياسي في مختلف أنحاء العالم اختيارات أساسية: السعي لتحقيق النمو الاقتصادي أو قبول الركود، والعمل على تحسين الاستقرار أو المجازفة بالاستسلام للهشاشة، والتعاون أو العمل الأحادي.

والحق أن المخاطر شديدة الارتفاع، وقد يكون العام 2015 عام نجاح المجتمع العالمي أو انهياره.

تعزيز النمو وفرص العمل
فبادئ ذي بدء، هناك حاجة ماسة لتعزيز النمو وفرص العمل لدعم الرخاء والتماسك الاجتماعي في أعقاب أزمة الركود العظيم التي بدأت في العام 2008.

بعد مرور ست سنوات على الأزمة المالية العالمية، لا يزال التعافي ضعيفا وغير متكافئ. إذ لا يتجاوز النمو العالمي المتوقع 3.3% في العام 2014، ونحو 3.8% في العام 2015

فبعد مرور ست سنوات على الأزمة المالية العالمية، لا يزال التعافي ضعيفا وغير متكافئ، إذ لا يتجاوز النمو العالمي المتوقع 3.3% في العام 2014، ونحو 3.8% في العام 2015.

ولا تزال بعض الاقتصادات المهمة تصارع الانكماش، وهناك أكثر من 200 مليون عاطل عن العمل. ويخاطر الاقتصاد العالمي بالوقوع في فخ "الحالة الوسط الجديدة"، فترة مطولة من النمو البطيء وضعف القدرة على خلق فرص العمل.

ولكي نتحرر من الركود نحن بحاجة لزخم سياسي متجدد، وإذا نفذت التدابير التي وافق عليها الزعماء الذين حضروا قمة مجموعة العشرين في نوفمبر/تشرين الثاني، فإنها كفيلة برفع الناتج المحلي الإجمالي العالمي بأكثر من 2% بحلول العام 2018، وهو ما يعادل إضافة تريليوني دولار أميركي إلى الدخل العالمي.

وعلاوة على ذلك، إذا تحقق الهدف الجدير بالثناء -وإن لم يكن أكثر طموحاً مما ينبغي- والمتمثل في إغلاق الفجوة بين الجنسين بنسبة 25% بحلول العام 2025، فسوف يكون بوسع 100 مليون امرأة الحصول على وظائف لم تكن متاحة لهن من قبل. وقد طلب زعماء العالم من صندوق النقد الدولي مراقبة تنفيذ إستراتيجيات النمو هذه. وسوف نفعل هذا بكل تأكيد، من بلد إلى آخر، ومن إصلاح إلى آخر.

وإلى جانب الإصلاحات البنيوية، سوف يتطلب بناء زخم جديد الاستعانة بكل السبل الممكنة الكفيلة بدعم الطلب العالمي. وسوف تظل السياسة النقدية التيسيرية تشكل ضرورة أساسية ما دام النمو هزيلا، وإن كان من الواجب علينا أن نولي اهتماما شديدا للآثار غير المباشرة المحتملة.

ولا بد أن تركز السياسة المالية على تعزيز النمو وخلق فرص العمل. وينبغي لسياسات سوق العمل أن تستمر في التأكيد على التدريب، والرعاية الميسرة للطفل.

بين الاستقرار والهشاشة
وفيما نتأمل الخيار الثاني، بين الاستقرار والهشاشة، يتعين علينا أن ننظر في الكيفية التي يمكننا بها أن نجعل عالمنا المتزايد الترابط مكانا أكثر أمانا.

لقد ارتفع التكامل المالي بنحو عشرة أضعاف منذ الحرب العالمية الثانية. وأصبحت الاقتصادات الوطنية مترابطة إلى الحد الذي يجعل التحولات في معنويات السوق تميل إلى التتالي عالميا. ولذلك من الأهمية بمكان أن نكمل أجندة إصلاح القطاع المالي.

لا شك أن بعض التقدم تحقق بالفعل، خاصة في مجال التنظيم المصرفي ومعالجة قضية المؤسسات المالية الكبرى من أن يُسمَح لها بالإفلاس. ولكن يتعين على البلدان الآن أن تسعى إلى تنفيذ الإصلاحات وتحسين جودة المراقبة.

ونحن بحاجة أيضا إلى قواعد أفضل تحكم عمل المؤسسات غير المصرفية، ومراقبة أكثر صرامة لبنوك الظل المصرفي، وتحسين الضمانات وتشجيع المزيد من الشفافية في أسواق المشتقات المالية.

كما أننا بحاجة إلى إحراز التقدم على مسار إغلاق فجوة البيانات في القطاع المالي، حتى يتسنى للقائمين على التنظيم تقييم المخاطر التي تهدد الاستقرار المالي على النحو اللائق.

والأمر الأكثر أهمية هو أن ثقافة القطاع المالي لا بد أن تتغير. إن الهدف الرئيسي للتمويل يتلخص في تقديم الخدمات لأجزاء الاقتصاد الأخرى، التي لا تستطيع أن تؤدي وظيفتها ما لم تتمتع بثقة أولئك الذين يعتمدون على هذه الخدمات أي كل واحد منا.

وبالتالي فإن عملية استعادة الثقة لا بد أن تبدأ بمحاولة شاملة لتعزيز السلوك الأخلاقي وفرضه في مختلف أنحاء الصناعة.

التعاون أو العمل الأحادي
أما الاختيار الثالث، بين التعاون أو العمل الأحادي، فهو الأكثر أهمية.

إن أي اقتصاد من غير الممكن أن يعمل كجزيرة منعزلة، بل إن الاقتصاد العالمي أصبح أكثر تكاملا من أي وقت مضى. ولنتأمل هذه الحقيقة: قبل خمسين عاما، كانت الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية تشكل نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي. واليوم أصبحت تولد نصف الدخل العالمي، وهي الحصة التي سوف تستمر في الارتفاع.

كان 2014 عاما عصيبا فكان التعافي بطيئا، كما ظهرت مخاطر جيوسياسية هائلة، وواجه العالم تفشي فيروس إيبولا المدمر, وقد يكون العام المقبل عاما عصيبا آخر، ولكنه قد يكون أيضا عاما طيبا فيغلب عليه العمل التعاوني التعددي الحقيقي

لكن الدول ذات السيادة لم تعد الجهات الفاعلة الوحيدة على الساحة، فقد ظهرت شبكة عالمية من أصحاب المصلحة الجدد، بما في ذلك المنظمات غير الحكومية والمواطنون الناشطون الذين تمكنهم وسائل الإعلام الاجتماعية غالبا. ويتطلب هذا الواقع الجديد استجابة جديدة. وسوف يكون لزاماً علينا أن نعمل على تحديث وتكييف وتعميق سبل العمل التعاوني.

ومن الممكن تحقيق هذه الغاية من خلال البناء على مؤسسات التعاون الفعّالة القائمة بالفعل. ولا بد أن تكون مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي أكثر تمثيلا في ضوء التحولات الديناميكية الجارية في الاقتصاد العالمي. ولا بد من احتضان شبكات النفوذ الجديدة وإعطائها الفرصة الكافية للمساهمة في تصميم بنية الإدارة العالمية في القرن الحادي والعشرين. وهذا هو المفهوم الذي أسميته "التعددية الجديدة". وفي اعتقادي أن هذا هو السبيل الوحيد للتصدي للتحديات التي يواجهها المجتمع العالمي.

كان 2014 عاما عصيبا، فكان التعافي بطيئا، كما ظهرت مخاطر جيوسياسية هائلة، وواجه العالم تفشي فيروس إيبولا المدمر. وقد يكون العام المقبل عاما عصيبا آخر، ولكنه قد يكون أيضا عاما طيبا فيغلب عليه العمل التعاوني التعددي الحقيقي.

وقد يساعد زخم التجارة العالمية الجديد في فتح الاستثمار في مختلف أنحاء العالم، وأنا متفائلة بشأن أهداف التنمية المستدامة (التي سوف تحل محل الأهداف الإنمائية للألفية بداية من العام 2015)، واحتمالات التوصل إلى اتفاق شامل حول تغير المناخ في نهاية العام المقبل.

وعلى هذه الخلفية، فإن تبني الكونغرس الأميركي لإصلاحات صندوق النقد الدولي من شأنه أن يرسل إشارة طال انتظارها إلى الاقتصادات الناشئة السريعة النمو مفادها أن العالم يعتمد على أصواتها، ومواردها، لإيجاد حلول عالمية للمشاكل العالمية.

النمو، والتجارة، والتنمية، وتغير المناخ: سوف يكون العالم على موعد مع مبادرات مهمة متعددة الأطراف في هذه المجالات. ونحن الآن لا نملك تَرَف السماح لها بالفشل. دعونا إذن نتخذ الاختيارات الصحيحة.
ــــــــــــــــــــــ
المديرة الإدارية لصندوق النقد الدولي

المصدر : بروجيكت سينديكيت