ياسين بودهان-الجزائر

حذر خبراء وسياسيون جزائريون من تداعيات استمرار مسلسل نزيف العملة الأجنبية من بلادهم إلى الخارج، بسبب استفحال ظاهرة تهريب العملة من طرف شركات الاستيراد والتصدير، في ظل غياب قنوات رسمية على شكل صرافات لتداول العملة الأجنبية.

وتكشف أرقام الجمعية الوطنية لمكافحة الفساد عن تهريب أكثر من 100 مليار دولار خلال السنوات العشر الأخيرة. وتوجه أصابع الاتهام إلى شركات الاستيراد والتصدير التي تلجأ -حسب الخبراء- إلى تضخيم فواتير مختلف السلع التي تستوردها من مختلف مناطق العالم، فضلا عن عمليات التهريب على مستوى المطارات والموانئ الجزائرية.

وتعالج المحاكم المحلية عدة قضايا من هذا النوع على غرار تورط خمسة موظفين من شركة الخطوط الجوية الجزائرية في تهريب مبالغ مالية، وصدرت بحقهم أحكام بالسجن تتراوح بين سنة وخمس سنوات بتهمة مخالفة التشريع والتنظيم الخاص بالصرف وحركة رؤوس الأموال.

تعليمات حكومية
ولمواجهة الظاهرة أصدر رئيس الوزراء عبد المالك سلال تعليمات لوزارة المالية تم بموجبها فتح تحقيقات موسعة من طرف مصالح الجمارك الجزائرية، تستهدف المستوردين الذين يخالفون القانون بعدم تحويل أرباحهم بالعملة الأجنبية في الخارج إلى الجزائر.

وفي هذا السياق قال مدير الرقابة بالمديرية العامة للجمارك الجزائرية راق بن عمر لوكالة الأنباء الجزائرية، إن "هذه التحقيقات تأتي بعد حصول مصالح الجمارك على معلومات تشير إلى تهرب المستوردين من إعادة تحويل أموالهم التي يتم تحصيلها من بيع سلعهم في الخارج".

وأوضح المحامي المختص في قضايا مكافحة الفساد عمراني محمد للجزيرة نت أن المادة رقم 01 من الأمر 96-22 المعدل والمتمم بالأمر رقم 03-01 من القانون الجزائري، تعتبر مخالفة التشريع والتنظيم المتعلقين بالصرف وحركة رؤوس الأموال من وإلى الخارج بأي وسيلة، جريمة خطيرة جدا لما لها من آثار سلبية على الاقتصاد الجزائري.

وأشار إلى أن "قانون العقوبات الجزائري يقضي بسجن المتورطين في قضايا من هذا النوع من سنة إلى عشر سنوات، مع مصادرة المبالغ المراد تهريبها".

سلال أصدر تعليمات بفتح تحقيقات موسعة
في تهريب العملة (رويترز)

وتعد الجزائر من بين الدول التي تفتقر إلى آليات ومؤسسات رسمية لتحويل العملة الأجنبية، مثل مؤسسات الصرافة التي يقتصر دورها في صرف العملات وفق سعر السوق، وهي الآلية التي تعتمدها مختلف دول العالم لمواجهة ظاهرة تهريب العملة إلى الخارج، الأمر الذي ساهم في تداول العملة الأجنبية في السوق السوداء أو الموازية للأسواق الرسمية للدولة، وهي الظاهرة التي تضر -حسب الخبراء- بالاقتصاد الجزائري كثيرا.

ويطالب هؤلاء الخبراء الحكومة بضرورة استحداث قنوات رسمية للاستفادة من تحويلات العملة الأجنبية خاصة للمغتربين، والتي يقدرها البنك المركزي بنحو 4 مليارات دولار، لكنها في الواقع -حسب الخبير الاقتصادي فارس مسدور- تتجاوز 10 مليارات دولار.

تضخيم الفواتير
ووصف الخبير الاقتصادي عبد الرحمن مبتول في حديث للجزيرة نت عملية تداول العملة الأجنبية في الساحات العمومية وخارج نطاق القنوات الرسمية، بالظاهرة "الخطيرة جدا". وكشف عن دراسة أنجزت عام 2013 أثبتت وجود عمليات تضخيم للفواتير من طرف المستوردين الجزائريين الذين استغلوا تجارة الصرف في السوق السوداء والموازية، واشتروا أكثر من ألف شقة في مدينة إسبانية، وهي العملية التي تكررت في عدة عواصم أوروبية خاصة في فرنسا وإسبانيا, وهو ما يفسر -برأيه- الحركة الكبيرة للعملة الأجنبية في السوق السوداء.

من جانبه ذكر رئيس حزب "جيل جديد" سفيان جيلالي للجزيرة نت أن ظاهرة تهريب العملة الأجنبية في الجزائر تتم بطرق مباشرة وأخرى غير مباشرة.

وقال جيلالي إن الطرق غير المباشرة ظاهرة قديمة وما تزال قائمة من خلال الطرق غير القانونية والمعروفة لتهريب العملة إلى الخارج. أما الطرق المباشرة فتتمثل في قرار الحكومة الأخير دعم المستثمرين الجزائريين الراغبين في إنشاء استثمارات في الخارج وبتمويل جزائري.

واعتبر أن هذا القرار -بسبب غموض آلياته وأهدافه وعدم وجود رؤية إستراتيجية- سيساهم في استفحال ظاهرة التهريب أكثر، وبطرق قانونية. 

المصدر : الجزيرة