محمد عبد الله العريان

 أربع مجموعات تهيمن على الاقتصاد العالمي
دور العمل المصرفي المركزي المتعدد المسارات

 في العام المقبل سوف يصبح "التباعد" موضوعا اقتصاديا عالميا رئيسيا يجري تطبيقه على الاتجاهات الاقتصادية والسياسات والأداء.

ومع مرور العام سوف يصبح التوفيق بين الاختلافات الناتجة عن هذا التباعد أمرا متزايد الصعوبة، ومن شأن ذلك أن يجعل صناع السياسات أمام خيار واضح: فإما أن يتغلبوا على العقبات التي أعاقت حتى الآن العمل الفعال أو أن يجازفوا بالسماح بزعزعة استقرار اقتصادات بلدانهم.  

أربع مجموعات تهيمن على الاقتصاد العالمي
إن الاقتصاد العالمي المتعدد السرعات سوف تهيمن عليه أربع مجموعات من الدول.

المجموعة الأولى بقيادة الولايات المتحدة, سوف تشهد تحسنا مستمرا في الأداء الاقتصادي، وسوف تصبح أسواق العمل لديها أقوى، وسوف يكون خلق الوظائف في بلدان هذه المجموعة مصحوبا بتعافي الأجور، وسوف يكون توزيع فوائد النمو الاقتصادي أقل تفاوتا عما كان عليه في السنوات القليلة الماضية، ولو أنه سوف يظل غير مناسب لصالح أولئك الذين هم أفضل حالا بالفعل.

سوف يساهم الأداء الاقتصادي المتعدد السرعات في إبراز دور العمل المصرفي المركزي المتعدد المسارات، مع اشتداد الضغوط طلبا لسياسات نقدية متباينة، خاصة في الاقتصادات المتقدمة ذات التأثير على النظام العالمي

وسوف تستقر بلدان المجموعة الثانية بقيادة الصين عند معدلات نمو أقل من متوسط المعدلات التاريخية الأخيرة، في حين تستمر في النضوج بنيويا، وسوف تعيد توجيه نماذج النمو لديها تدريجيا لكي تصبح أكثر استدامة، وهو الجهد الذي سوف تؤثر عليه نوبات عَرَضية من عدم الاستقرار في الأسواق المالية العالمية، ولكنها لن تخربه أو تخرجه عن مساره، وسوف تعمل هذه البلدان على تعميق الأسواق المحلية، وتحسين الأطر التنظيمية، وتمكين القطاع الخاص، وتوسيع نطاق الإدارة الاقتصادية القائمة على السوق.

وسوف تناضل المجموعة الثالثة بقيادة أوروبا مع تسبب الركود الاقتصادي المستمر في تغذية السخط الاجتماعي والسياسي في بعض البلدان وتعقيد القرارات السياسية الإقليمية، وسوف يعمل النمو الهزيل، والقوى الانكماشية، وجيوب المديونية المفرطة على إعاقة الاستثمار وإمالة ميزان المخاطر إلى الجانب السلبي. وفي الاقتصادات الأكثر تعثرا سوف تظل البطالة -خاصة بين الشباب- مرتفعة ومستمرة إلى حد يبعث على الانزعاج الشديد.

أما المجموعة الأخيرة فسوف تضم بلدان "البطاقة المجهولة"، والتي يخلف حجمها ومدى ارتباطها آثارا مهمة على النظام العالمي، وتعد روسيا المثال الأكثر بروزا لبلدان هذه المجموعة، ففي مواجهة الركود الاقتصادي المتزايد العمق، وانهيار العملة، وهروب رأس المال، والنقص الناجم عن انكماش الواردات سوف يكون لزاما على الرئيس فلاديمير بوتين أن يتخذ القرار بتغيير نهجه في التعامل مع أوكرانيا والعودة إلى الانخراط مع الغرب للسماح برفع العقوبات وبناء اقتصاد أكثر استدامة وتنوعا.

وإلا فإن البديل يتلخص في محاولة تشتيت السخط الشعبي في الداخل من خلال توسيع تدخل روسيا في أوكرانيا، وسوف يؤدي هذا النهج في الأرجح إلى جولة جديدة من العقوبات والعقوبات المضادة، ودفع روسيا إلى ركود أكثر عمقا -بل وربما يشعل شرارة عدم الاستقرار السياسي أو المزيد من خوض المجازفات في السياسة الخارجية- في حين يتسبب في تفاقم المشاكل الاقتصادية بأوروبا.

وتعد البرازيل بطاقة أخرى مجهولة، فقد أشارت الرئيسة ديلما روسيف بعد أن اتعظت من اقترابها من خسارة الانتخابات الرئاسية الأخيرة إلى استعدادها لتحسين إدارة الاقتصاد الكلي.

وإذا صدق هذا فإن البرازيل سوف تنضم إلى المكسيك في دعم استقرار أميركا اللاتينية عام 2015 ومساعدة المنطقة في التغلب على التأثيرات الهدامة للاقتصاد الفنزويلي الذي سيتأثر بشدة بفعل انخفاض أسعار النفط.

دور العمل المصرفي المركزي المتعدد المسارات
وسوف يساهم هذا الأداء الاقتصادي المتعدد السرعات في إبراز دور العمل المصرفي المركزي المتعدد المسارات، مع اشتداد الضغوط طلبا لسياسات نقدية متباينة، خاصة في الاقتصادات المتقدمة ذات التأثير على النظام العالمي.

ومن المرجح أن يبدأ بنك الاحتياطي الاتحادي الأميركي -الذي أوقف بالفعل مشترياته الضخمة من الأصول الطويلة الأجل- في زيادة أسعار الفائدة في الربع الثالث من عام 2015.

وعلى النقيض من هذا، سوف يبدأ البنك المركزي الأوروبي نسخته الخاصة من التيسير الكمي، فيقدم في الربع الأول من العام مجموعة من التدابير الجديدة لتوسيع ميزانيته العمومية، وسوف يحافظ بنك اليابان على نهج المدى الأقصى في التعامل مع التحفيز النقدي.

بطبيعة الحال، لا يوجد حد نظري للتباعد والاختلاف، والمشكلة هي أن تحولات أسعار الصرف تشكل الآن الآلية الوحيدة للتسوية، وقد أصبحت الفجوة بين تقييمات أسواق معينة وأسسها الاقتصادية ضخمة إلى الحد الذي يجعل الأسعار عرضة لنوبات من التقلب.

وبالنسبة للولايات المتحدة فإن الجمع بين الاقتصاد الأكثر قوة والسياسة النقدية التيسيرية من شأنه أن يفرض ضغوطا إضافية تدفع سعر صرف الدولار إلى الارتفاع -والذي ارتفع بشكل كبير بالفعل- في مقابل كل من اليورو والين.

ولأن قلة من البلدان الأخرى قد تكون على استعداد للسماح لعملاتها بالارتفاع، فإن ميل قيمة الدولار إلى الارتفاع سوف يظل قويا وعريض القاعدة، ومن المحتمل أن يشعل شرارة معارضة سياسية داخلية.

من المرجح أن يبدأ بنك الاحتياطي الاتحادي الأميركي -الذي أوقف بالفعل مشترياته الضخمة من الأصول الطويلة الأجل- في زيادة أسعار الفائدة في الربع الثالث من عام 2015

علاوة على ذلك، ومع تزايد الصعوبات التي تواجهها أسواق العملة في أداء دورها التوفيقي، فقد تنشأ الاحتكاكات بين البلدان، وهذا من شأنه أن يعكر صفو الهدوء غير المعتاد الذي كان يبث الطمأنينة في أسواق الأسهم مؤخرا.

ومن حسن الحظ هناك سبل لضمان أن التفاوتات في عام 2015 لن تؤدي إلى اضطرابات اقتصادية ومالية، والواقع أن أغلب الحكومات -خاصة في أوروبا واليابان والولايات المتحدة- لديها الأدوات التي تحتاج إليها لنزع فتيل التوترات المتصاعدة، وإطلاق العنان لإمكانات اقتصاداتها الإنتاجية في هذه العملية.

إن تجنب الاحتمالات التخريبية لهذا التباعد ليس مسألة سياسات، فهناك بالفعل اتفاق واسع -وإن لم يكن عالميا- بين خبراء الاقتصاد حول التدابير المطلوبة على المستويات الوطنية والإقليمية والعالمية، بل هو في الواقع مسألة تنفيذ، والقيام بهذا على النحو السليم يتطلب قدرا كبيرا ومتواصلا من الإرادة السياسية.

إن الضغوط المفروضة على صناع السياسات لمعالجة المخاطر المترتبة على التباعد سوف تتزايد في العامل المقبل، ولا شك في أن عواقب التقاعس عن العمل الآن سوف تمتد لسنوات إلى ما بعد عام 2015.
ــــــــــــــــــ
كبير المستشارين الاقتصاديين في أليانز وعضو لجنتها التنفيذية الدولية، وهو رئيس مجلس الرئيس باراك أوباما للتنمية العالمية، وأحدث مؤلفاته كتاب "عندما تتصادم الأسواق".

المصدر : بروجيكت سينديكيت