المخاطر الاقتصادية للتوتر الأمني في مصر
آخر تحديث: 2014/12/10 الساعة 15:20 (مكة المكرمة) الموافق 1436/2/18 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2014/12/10 الساعة 15:20 (مكة المكرمة) الموافق 1436/2/18 هـ

المخاطر الاقتصادية للتوتر الأمني في مصر

عبد الحافظ الصاوي

تداعيات سلبية على الاقتصاد المصري
إفشال المؤتمر الاقتصادي


توالت إعلانات عدة سفارات غربية بإغلاق مكاتبها في القاهرة على مدار الأيام الماضية. ولم يكن هذا هو الحدث الوحيد الذي يعكس توتر الأوضاع الأمنية في مصر، فعلى مدار عام ونصف لم تتوقف أعمال التفجيرات في القطارات والسيارات وفي أماكن عامة مختلفة في مصر.

غير أن المشهد الذي عاشته مصر يوم 28 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي كرّس حالة من الرعب الأمني، حيث انتشرت مدرعات ومركبات الجيش في كافة أنحاء البلاد بدعوى مواجهة الإرهاب وجمعة "الهوية" التي دعت إليها الجبهة السلفية الرافضة للانقلاب العسكري في مصر، وإن كانت الحقائق أظهرت أن الأمر كان مرتبًا لإعلان براءة مبارك في اليوم التالي للحدث.

وأصبح انتشار قوات الأمن أمرا معتادا حول الجامعات وفي الميادين العامة، وبخاصة الميادين التي شهدت فعاليات ثورة 25 يناير، وحول القنصليات والسفارات.

أما عن الوضع في سيناء فلم تعد الأخبار تحمل عنها سوى تفجير أماكن لمواجهة الإرهاب أو مقتل إرهابيين أو مجندين من الجيش المصري أو رجال الشرطة، فالأمر لم يعد يمثل حالات يمكن التجاوز عنها، ولكنها ظاهرة لا تغيب عن التغطية الإعلامية المحلية والدولية لعدم استقرار الأمن في مصر.

تداعيات سلبية على الاقتصاد المصري
خطر التوتر الأمني في مصر له تداعيات سلبية على الاقتصاد المصري بشكل عام، فالقاعدة الاقتصادية تقول إن "رأس المال جبان"، وتعاني مصر من أزمة تمويلية حادة، وتستهدف تنشيط الاستثمار المحلي والأجنبي، وهو الأمر المستحيل حدوثه في ظل الأوضاع التي تعيشها اليوم.

لم تعد السياحة المصرية إلى سابق عهدها منذ أحداث ثورة 25 يناير، رغم الأنباء المنشورة على مواقع المؤسسات الحكومية حول تحسن مؤشرات أعداد السائحين خلال الربع الثالث من العام 2014، أو زيادة الإيرادات السياحية خلال نفس الفترة

إن المواجهات بين المتظاهرين وقوات الأمن المصرية اعتادت عليها الأجواء المصرية والعالمية رغم التنديد بالإفراط في استخدام القوة من قبل قوات الأمن تجاه المتظاهرين. لكن إعلان السفارات الغربية إغلاق أبوابها في القاهرة عكس دلالات أكثر سلبية على الاقتصاد المصري، والتي نراها تتمثل فيما يلي:

لم تعد السياحة المصرية إلى سابق عهدها منذ أحداث ثورة 25 يناير رغم الأنباء المنشورة على مواقع المؤسسات الحكومية حول تحسن مؤشرات أعداد السائحين خلال الربع الثالث من العام 2014، أو زيادة الإيرادات السياحية خلال نفس الفترة.

فحسب بيانات وزارة السياحة المصرية بلغت إيرادات السياحة ملياري دولار خلال الربع الثالث من العام الجاري، مقابل 900 مليون دولار خلال نفس الفترة من العام الماضي. كما ارتفع عدد السائحين خلال الفترة إلى 2.7 مليون سائح مقابل 1.6 مليون في الفترة المقابلة من العام 2013.

لقد كانت الإيرادات السياحية المصرية قبل ثورة 25 يناير أحد أربعة روافد للنقد الأجنبي للبلاد، وكان قطاع السياحة يحقق سنويًا ما يصل إلى 10 مليارات دولار، فضلا عن ارتباط القطاع المباشر وغير المباشر بكثير من الأنشطة الاقتصادية الخدمية والإنتاجية. وتراجع قطاع السياحة أثر على هذه القطاعات بشكل كبير، تلمسه معدلات الناتج المحلي الإجمالي المتواضع عند 2.2%.

غير أن إعلان السفارات الغربية إغلاق سفاراتها من شأنه أن يصيب السياحة المصرية في مقتل، بسبب أن هذه الأجواء من شأنها أن تؤثر بشكل كبير على الموسم الشتوي للسياحة المصرية الذي يعتمد على السائحين الغربيين الذين يمثلون 70% من قوامها.

ومما يزيد من حدة المشكلة أن ألمانيا تعد من أكبر الدول الغربية التي تصدر السائحين لمصر، وهي بدورها أغلقت سفارتها في القاهرة.

وسواء كان سبب هذا الإجراء تخوفات أمنية من تهديدات وجهت إلى السفارات بشكل مباشر، أو تخوف هذه السفارات من وقوع مواجهات أو أحداث عنف في القاهرة خلال المرحلة المقبلة، فمن شأن ذلك أن يؤدي إلى شلل السياحة المصرية وفقدانها لإيرادات من النقد الأجنبي هي أحوج ما تكون إليه الآن.

وتراجع معدلات السياحة لا يصيب المنشآت السياحية والعمالة بالقطاع فحسب، ولكنه يأتي في توقيت في غاية الدقة بالنسبة لمصر، حيث أعلن البنك المركزي المصري مؤخرًا عن تراجع احتياطي النقد الأجنبي إلى نحو 15.8 مليار دولار، ومن المتوقع أن يشهد مزيدا من التراجع في الشهر القادم، بسبب سداد التزام مصر تجاه نادي باريس بنحو 650 مليون دولار.

وإذا كانت مصر تعتبر أن تحقيق إيرادات سياحية بملياري دولار خلال الربع الثالث من هذا العام قفزة في النشاط السياحي، فإن هذا التقدم سيكون سلبيًا على مدار الشهور القادمة.

إفشال المؤتمر الاقتصادي
أعلنت مصر منذ شهر تنظيمها لمؤتمر المانحين أو مؤتمر شركاء مصر في مارس/آذار القادم. وتتضارب تقديرات المسؤولين المصريين عن العوائد المنتظرة من هذا المؤتمر، إلا أنها تدور حول رغبة مصر في الحصول على 20 مليار دولار كاستثمارات أجنبية من المشاركين في المؤتمر.

وترجع أهمية هذا المؤتمر بالنسبة للاقتصاد المصري من خلال ضعف كل من المدخرات والاستثمارات المحلية.

فحسب بيانات تقرير المتابعة لخطة التنمية لمصر عن العام المالي 2013/2014، تبين أن معدل المدخرات المحلية يمثل 6% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما معدل الاستثمارات المحلية لا يزيد عن 14%، وبالتالي هناك فجوة تمويلية تصل إلى 8% من الناتج المحلي الإجمالي يتم تمويلها بالديون المحلية والخارجية.

وحتى معدل الاستثمارات المحلية البالغ 14% لا يتناسب مع معدلات النمو المستهدف تحقيقها لتعافي الاقتصاد المصري وهي من 6 إلى 7%، وبالتالي فعوائد المؤتمر الاقتصادي المنتظرة في شكل استثمارات أجنبية تمثل طوق النجاة بالنسبة للاقتصاد المصري، وإلا فإن هناك مردودا سلبيا يتمثل في زيادة معدلات الفقر والبطالة وتأجيج أسباب الاحتجاج السياسي والاجتماعي.

ومن شأن التوتر الأمني أن يلقي بظلال سلبية على النتائج المرجوة من هذا المؤتمر، فأول ما يعني المستثمر والاستثمار الأجنبي هو الاستقرار السياسي والأمني، وهو ما افتقدته مصر بشدة على مدار الشهور الماضية. وعملية غلق السفارات الغربية يصعب أن تمر مرور الكرام على متخذ القرار بشأن الاستثمار الأجنبي في مصر.

عوائد المؤتمر الاقتصادي المنتظرة في شكل استثمارات أجنبية تمثل طوق النجاة بالنسبة للاقتصاد المصري، وإلا فإن هناك مردودا سلبيا يتمثل في زيادة معدلات الفقر والبطالة وتأجيج أسباب الاحتجاج السياسي والاجتماعي

إن مصر تعاني من مشكلات ضخمة الآن في مجال جذب الاستثمارات الأجنبية، مثل رفع الدعم بالكامل على الطاقة الموجهة للصناعة، وبالتالي فإن الميزة التي كانت تمتلكها لجذب هذه الاستثمارات وهي الطاقة المدعومة أو الرخيصة، قد فقدتها.

كما أن غياب السلطة التشريعية وعدم استقرار سعر الصرف يلقيان بظلالهما السلبية على مناخ الاستثمار. وعندما يضاف إليهما عدم الاستقرار السياسي والأمني، فإن مصر تعلق آمالها على وهم في نتائج المؤتمر الاقتصادي المنتظر.

ولعل من المناسب استحضار سؤال مهم وهو: ما مدى إمكانية أن تعلن مصر تأجيل عقد المؤتمر الاقتصادي بسبب حالة التوتر السياسي والأمني في البلاد؟

إن ما يدفع الحكومة المصرية إلى عدم الإلغاء هو أمر واحد، وهو التعويل على مشاركات حكومات الخليج الداعمة للانقلاب، وقدرتها على المساهمة باستثمارات حكومية بحدود العشرين مليار دولار التي تأمل القاهرة الحصول عليها.

لكن أزمة انخفاض أسعار النفط وتأثيرها المباشر والكبير على دول الخليج النفطية، قد تجعلها تعيد النظر في تقديم مثل هذا المبلغ، وكذلك باقي صور الدعم الأخرى لمصر خلال المرحلة المقبلة.
ــــــــــــــــــ
كاتب صحفي مصري

المصدر : الجزيرة

التعليقات