عبد الحافظ الصاوي

خلاصة التجربة الأميركية
عقود التوريد
عامل البنية التحتية

تدنت أسعار النفط في السوق العالمية على مدار الأشهر الخمسة الماضية ليهبط متوسط سعر البرميل من 104 دولارات إلى 84 دولارا، وفي بعض العقود كسر حاجز الثمانين دولارا للبرميل، حتى أن بعض دول أميركا اللاتينية المصدرة للنفط قدرت موازنتها لعام 2015 على أساس سعر 66 دولارا للبرميل، وهو ما يعكس اعتماد هذه الدول إجراءات احترازية لتأمين وضعها المالي، وعدم المبالغة في الاعتماد على عوائد النفط.

ولكن حسب ما هو معلن فإن هذا الهبوط يعود لعوامل، منها تراجع معدلات النمو في الدول المتقدمة والصاعدة، وبالتالي قل الطلب على النفط مما ساعد على زيادة الكميات المعروضة، وأسهم في هذا الهبوط ارتفاع المخزون النفطي الإستراتيجي لأميركا، وطفرة إنتاج النفط الصخري في البلد نفسه.

وإذا كانت هذه المتغيرات تؤدي إلى انخفاض تكلفة استيراد الدول العربية غير النفطية لاحتياجاتها من النفط حاليا أو في الأجل القصير فإن الأمر يتطلب أن تفكر هذه البلدان في مشكلة الطاقة بمقاربة تتجاوز تدبير الحاجات في المدى القصير، ولا سيما أن هذه البلدان ما زالت تعتمد على تدبير احتياجاتها من الطاقة على المصادر الأحفورية بشكل كبير (النفط والغاز).

ومما يناسب الوضع في الدول العربية غير النفطية أن تسعى للاستفادة من هذه الفرصة فتتجه إلى تكوين مخزون إستراتيجي من النفط والغاز بالشكل الذي يجنبها التعرض لتقلبات السوق وارتفاع الأسعار في ما بعد.

إذا كانت متغيرات سوق النفط العالمية تؤدي إلى انخفاض تكلفة استيراد الدول العربية غير النفطية لاحتياجاتها من النفط حاليا أو في الأجل القصير فإن الأمر يتطلب أن تفكر هذه البلدان في مشكلة الطاقة بمقاربة تتجاوز تدبير الحاجات في المدى القصير

  خلاصة التجربة الأميركية
ويمكن للدول العربية غير النفطية أخذ درس من التجربة الأميركية التي يلعب احتياطيها الإستراتيجي دورا مهما لا يمكن إغفاله في تحديد سعر النفط عالميا، وقد لجأت واشنطن إلى تكوين مخزونها الإستراتيجي بعد أزمة النفط في عام 1973، وتبعتها في ما بعد دول أخرى من الدول الصاعدة ومنها الصين.

وحسب تقديرات التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2011، فإن استهلاك الدول العربية من الطاقة يبلغ 10.9 ملايين برميل مكافئ يوميا، نصيب غير النفطية منها 6%، أي ما يعادل 654 ألف برميل يوميا.

وتعتمد هذه الدول على النفط بصورة أكبر من اعتمادها على الغاز الطبيعي، فهي تستخدم 7.8% من الطلب الإجمالي للدول العربية من النفط البالغ 5.7 ملايين برميل مكافئ، وكذلك تستخدم 1.5% من الاستهلاك العربي الإجمالي من الغاز الطبيعي البالغ 4.9 ملايين برميل مكافئ يوميا.

ولا تقتصر فكرة المخزون الإستراتيجي للنفط على الدول العربية غير النفطية فقط، بل وتشمل أيضا النفطية أيضا، والتي تفوق قيمة وارداتها صادراتها، ومنها على سبيل المثال مصر وتونس، فكلا البلدين لديه صادرات من النفط، ولكنهما منذ سنوات تحولا إلى مستورد صاف للنفط بل أصبحت قضية الطاقة مشكلة إستراتيجية لها تداعياتها على مستقبل التنمية.

إن توافر الفرص بشكل دائم من المستحيلات، خاصة في ظل اقتصادات تعاني من مشكلات عديدة، ومنها مشكلة تمويل بصفة خاصة، لذلك هناك ما يدعو أصحاب القرار في الدول العربية غير النفطية، أو تلك التي تفوق وارداتها من النفط على صادراتها إلى التفكير في بناء احتياطي نفطي إستراتيجي، ومن هنا نرى أن هناك مجموعة من المبررات التي تدعو لتكوين هذا الاحتياطي.

ومن هذه المبررات أن النظرة المتفحصة لأداء سوق النفط العالمي تفيد بأن الأسعار لا تعرف الاستقرار، أو احتمالية الهبوط لفترات طويلة بما يمكن متخذ القرار من التخطيط للتنمية على المدى المتوسط أو الطويل في ظل أسعار منخفضة للنفط.

ولكن هناك عوامل كثيرة تساعد على تذبذب أسعار النفط، أو اتجاهها نحو أعلى، مما يضع الدول العربية غير النفطية أو تلك التي تزيد وارداتها على صادرتها من النفط في مشكلة تمويلية، متمثلة في تداعيات ارتفاع الأسعار على الموازنات العامة وعلى ارتفاع تكلفة المعيشة، نظرا لما تمثله الطاقة من حصة كبيرة في التكلفة النهائية للسلع والخدمات، وتذهب بعض التقديرات إلى أن هذه الحصة تناهز 30% في أغلب الأحوال.

ومن المبررات أيضا لتكوين الاحتياطي الإستراتيجي أن هناك فائضا كبيرا حاليا في سوق النفط نتيجة استمرار موجة هبوط الأسعار، وبالتالي فإن تعاقد الدول العربية غير النفطية على الكميات التي تحتاجها لخمس سنوات مثلا قد يكون متاحا ويمثل نوعا من الرواج في سوق النفط، وإن كانت هذه الكميات غير مؤثرة في السوق العالمي غير أنها جزء من الطلب.

من مبررات إنشاء احتياطي نفطي إستراتيجي أن النظرة المتفحصة لأداء سوق النفط العالمي تفيد بأن الأسعار لا تعرف الاستقرار أو احتمالية الهبوط لفترات طويلة بما يمكن متخذ القرار من التخطيط للتنمية على المدى المتوسط أو الطويل في ظل أسعار منخفضة للنفط

  عقود التوريد
وقد تسمح عقود الدول العربية غير النفطية بتوريد احتياجاتها على فترات زمنية تتناسب مع طاقتها الاستيعابية بحيث يتم التوريد في أوقات مناسبة، وبكميات لا تشكل ضغط على إمكانيات التخزين بتلك الدول.

وربما يكون من المناسب للدول العربية غير النفطية أن تتعامل وفق آلية الصفقات المتكافئة، وهو ما يمكنها من الحصول على كميات معتبرة من النفط في ظل تراجع الأسعار، في حين تحتفظ باقي السلع المصدرة بأسعارها القائمة، وهو حل يمثل مخرجا لتلك الدولة من معضلة التمويل.

ويمكن أن يؤشر شروع الدول العربية غير النفطية في هذه الخطوة على بدء تقدمها في مسار التفكير الإستراتيجي الذي يمكنها من التعامل مع مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية بعيدا عن الضغوط الآنية، وبالتالي يضمن لها استقرارا اقتصاديا واستمرار العملية الإنتاجية وتدفقا آمنا للصادرات والواردات وكذلك استقرار سوق العمل، خاصة أن هذه الدول تتوافر على قدر معقول من التنوع الاقتصادي، ولا تعتمد على النفط كسلعة أو منتج وحيد في تنشيط اقتصاداتها.

وفي ظل تأخر الدول العربية غير النفطية في تفعيل مقدراتها من الطاقة البديلة (الطاقة الشمسية، والنووية، وطاقة الرياح) سواء لأسباب تكنولوجية أو مالية، فإن التفكير في تكوين احتياطي نفطي إستراتيجي هو البديل الآمن على المدى الطويل، لتفادي الآثار السلبية الناتجة عن تقلبات أسعار النفط.

وثمة مجموعة من المعوقات التي تحول دون استفادة الدول العربية غير النفطية من هذه اللحظة الفارقة في سوق النفط، ومنها ما يتعلق برؤية الإدارة الاقتصادية، وما يتصل بالبنية الأساسية أو التمويل أو غياب التنسيق العربي في هذا المضمار.

فقد مرت عدة أزمات عالمية وإقليمية على المنطقة العربية خلال الفترة الماضية، كان أول الدروس المستفادة منها ضرورة تفعيل الإمكانيات الذاتية، والوصول لمراحل متقدمة من الاكتفاء الذاتي، كما حدث في أزمة الغذاء، أو ضرورة التكتل الإقليمي العربي لمواجهة التكتلات العالمية الكبرى في ظل العولمة.

ولكن معظم الدول العربية تصرفت بشكل فردي، وغاب البعد الإستراتيجي في معالجة الأمور، أو محاولة التأسيس لتعامل جديد مع تقلبات السوق العالمية، مما جعل اقتصادات الدول العربية بصفة عامة، وغير النفطية منها بصفة خاصة عرضة لآثار سلبية كبيرة جراء المشكلات العالمية والإقليمية.

وخلاصة ذلك أن الإدارة الاقتصادية في الدول العربية غير النفطية تفتقد الرؤية الإستراتيجية، مما يجعل فكرة تكوين احتياطي نفطي إستراتيجي فكرة مستبعدة.

الإدارة الاقتصادية في الدول العربية غير النفطية تفتقد الرؤية الإستراتيجية، مما يجعل فكرة تكوين احتياطي نفطي إستراتيجي فكرة مستبعدة

كما أن أغلبية الدول العربية غير النفطية تعاني من أزمة تمويلية حادة، سواء على الصعيد المحلي أو الدولي، ولعل التجربة المصرية خير دليل على ذلك، أو ما نشر مؤخرا عن تهديد شركات مغربية بالإفلاس، أو الوضع المالي الحرج لتونس، وكذلك أزمة أسعار الوقود في كل من الأردن والمغرب.

فامتلاك التمويل يمكن هذه الدول من شراء الكميات اللازمة للتخزين، خاصة في ظل هذا الفائض في سوق النفط، ولكن الحكومات بالدول العربية غير النفطية مشغولة بتدبير تمويل قصير الأجل، مما يجعل تفكيرها في تدبير تمويل لتكوين احتياطي نفطي صعب المنال.

عامل البنية التحتية
كما أن تكوين الاحتياطي الإستراتيجي يحتاج إلى بنية أساسية أخرى تتعلق باستيراد الغاز الطبيعي لتحويله من الحالة السائلة التي يستورد بها إلى الحالة الغازية التي تستخدم مباشرة في احتياجات الطاقة، وللأسف فإن معظم الدول العربية غير النفطية لا تتوافر على هذه البنية الأساسية.

ولعل حالة مصر تبرهن على هذا الواقع، حيث تعاقدت في الفترة الأخيرة مع دولة أوروبية لاستئجار سفينة عائمة لتحويل الغاز المستورد من الحالة السائلة إلى الحالة الغازية، ومن المتوقع أن تصل هذه السفينة إلى مصر نهاية العام الحالي.

وفضلا عن ما ذكر، فإن المنطقة العربية تفتقر إلى تفعيل مؤسسات العمل العربي المشترك لإيجاد الآليات اللازمة لحل مشكلات بلدنها، ومن بين هذه الأخيرة توفير البنية الأساسية التي تمكن الدول غير النفطية من تكوين احتياطي نفطي إستراتيجي، في حين تمتلك الدول النفطية التمويل الضروري لإيجاد هذه البنية.

والمطلوب أن يتم توقيع صفقات تبادل بين الطرفين، أو مشروعات لمؤسسات التمويل العربية المعنية بخدمة المنطقة، أو توفير قروض طويلة الأجل بشروط ميسرة.

وخلاصة الأمر أنه يخشى أن تمر فرصة النفط الرخيص التي تعيشها السوق الدولية الآن من دون أن تستفيد منها الدول العربية غير النفطية، لتعود هذه البلدان إلى المعاناة جراء ارتفاع أسعار النفط، وما يتبع ذلك من أضرار على المقدرات الاقتصادية الكلية أو على مستوى معيشة الأفراد.
ـــــــــــــ
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة