صباح نعوش

الصراعات المسلحة لم ترفع أسعار النفط
الضغط على إيران وروسيا

خطورة قرار أوبك القادم

الصراعات المسلحة لم ترفع أسعار النفط
يفترض أن ترتفع أسعار النفط عندما تتعرض المناطق القريبة من حقول النفط للخطر العسكري في أية بقعة من العالم وبخاصة الشرق الأوسط.

ما يجري في سوريا والعراق يدل دلالة واضحة على أن هذا العامل لم يقد إلى رفع أسعار الخام. فعلى الرغم من الحرب الضروس في هذين البلدين والتأزم السياسي في عدة أقطار عربية أخرى، انخفض سعر برميل الخام الأوروبي برنت من 111.8 دولاراً في أبريل/نيسان, إلى 82.9 دولاراً في الأسبوع الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري أي بنسبة 25.8%.

بغض النظر عن مؤشر الطلب يمكن تفسير هذا الوضع على النحو التالي: أن سوريا رغم مكانتها الكبيرة في المنطقة لا تؤثر على السوق النفطية العالمية إذ تنتج الدولة (الحكومة والمجموعات المسلحة المعارضة) 0.3 مليون برميل يومياً فقط أي 8.9% من الإنتاج العراقي و3.1% من الإنتاج السعودي.

كما لا تسمح الاحتياطات السورية المؤكدة بزيادة الإنتاج نظراً لضعف حجمها البالغ 2.5 مليار برميل أي 1.7% من الاحتياطات العراقية و 0.9% من الاحتياطات السعودية.

إن القاسم المشترك لضعف بل لعدم استجابة السوق النفطية هو أن الصراعات لم تؤثر على الإمدادات النفطية في الظروف الاقتصادية الحالية المتسمة بتراجع معدلات النمو في جميع الدول الصناعية بما فيها الصين وتزايد الإنتاج النفطي في جميع البلدان المنتجة للخام بما فيها الولايات المتحدة

لذلك لم ترتفع الأسعار رغم استمرار سيطرة المجموعات المسلحة على عدة حقول من بينها العمر الواقع في محيط دير الزور وهو من أكبر حقول سوريا.

وتستولي المعارضة المسلحة على مناطق في شمال غرب العراق تحتوي على حقول منتجة منها القيارة ونجمة في ضواحي الموصل والعجيل قرب تكريت.

ويتعين عدم المبالغة في تهميش هذه الحقول الثلاثة التي تتضمن 198 بئرا. فهي صغيرة مقارنة بالحقول التي تعتمد عليها الصادرات العراقية المحصورة بالبصرة جنوباً وكركوك شمالا.

أضف إلى ذلك أن هذه المعارضة المسلحة لم تقطع الإمدادات النفطية، بل بالعكس باعت الخام بأقل من الأسعار العالمية للحصول على إيرادات سريعة لتمويل نفقاتها العسكرية, علماً بأن القصف الجوي لدول التحالف أدى إلى تقويض هذه المبيعات، الأمر الذي يؤثر سلبياً على القدرة العسكرية والمالية لهذه المعارضة.

في السياق ذاته انخفضت أسعار النفط في الآونة الأخيرة رغم الصراع العسكري الواقع على عتبة الاتحاد الأوروبي في منطقة القرم، ورغم العقوبات المفروضة على روسيا وهي أكبر دولة مصدرة للنفط إلى أوروبا.

إن القاسم المشترك لضعف بل لعدم استجابة السوق النفطية هو أن هذه الصراعات لم تؤثر على الإمدادات النفطية في الظروف الاقتصادية الحالية المتسمة بتراجع معدلات النمو في جميع الدول الصناعية بما فيها الصين وتزايد الإنتاج النفطي في جميع البلدان المنتجة للخام بما فيها الولايات المتحدة.

الضغط على إيران وروسيا
تعتمد القدرات المالية لهذين البلدين اعتماداً كبيراً على الصادرات النفطية. وقد أدت العقوبات الاقتصادية المفروضة من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على إيران بسبب برنامجها النووي إلى انخفاض الواردات النفطية الأوروبية من إيران من 52.4 مليون طن في عام 1995 إلى 6.5 ملايين طن في عام 2012. بيد أن إيران وجدت في الصين والهند تصريفاً أكبر لإنتاجها. كما أن أوروبا غير مستعدة إطلاقا للتخلي عن النفط الروسي. وبالتالي هبطت فاعلية العقوبات الاقتصادية المفروضة على هاتين الدولتين.

تعاني إيران من التضخم (39%) والبطالة (17%) والفقر (20% من السكان) ومن معدلات نمو سلبية (-1.7% عام 2013) واختلالات اقتصادية أخرى كثيرة. لذلك سيقود هبوط أسعار النفط إلى تفاقم هذه الأزمة وبالتالي إلى تقهقر دورها في المنطقة العربية عامة وسوريا خاصة. وحتى يكون هذا الهبوط مؤثراً يتعين أن تنخفض الأسعار إلى دون الحد الأدنى الذي ارتكزت عليه تقديرات ميزانيتها وهو 100 دولار تقريبا. وهذا ما حدث فعلاً.

وعلى إثر هذا الانخفاض المصحوب بالعقوبات المالية الأوروبية والأميركية وكذلك التوترات السياسية والعسكرية مع أوكرانيا هبطت القيمة التعادلية للروبل الروسي بنسب عالية, وتخلى البنك المركزي عملياً عن الدعم فأصبحت العملة معومة. يترتب على ذلك فقدان ثقة المستثمرين الروس والأجانب بمالية الدولة وارتفاع معدلات التضخم في دولة تعاني من ركود اقتصادي. وستكون أزمة الاقتصاد الإيراني أكثر حدة بسبب ضعف قدرته مقارنة بالاقتصاد الروسي. أضف إلى ذلك، لا يشجع هبوط أسعار النفط على إلغاء العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران الذي كان محل نقاش في أوروبا قبيل انخفاض الأسعار. ثم أغلق باب هذا النقاش لانتفاء الحاجة إلى إمدادات نفطية جديدة تتأتى من إيران.

ورغم هذه المشكلات يبدو أن التخفيض بالطريقة المتبعة حالياً سوف يكون ضعيف الفاعلية لسببين على الأقل. السبب الأول أن سعراً في حدود ثمانين دولاراً للبرميل غير كاف لتحقيق مكاسب سياسية سريعة نسبياً ومن بينها المساهمة في إسقاط النظام السوري. والسبب الثاني هو الوقت. فقد تحدث تخفيضات تدريجية أخرى لأسعار النفط في الأشهر القادمة. ولكن دون جدوى سياسية لأن الفاعلية تتنافر مع التقسيط.

هل كان هبوط أسعار النفط في الآونة الأخيرة نتيجة طبيعية للعوامل الاقتصادية وفي مقدمتها تزايد الإنتاج من الصخور والرمال النفطية في الولايات المتحدة وتراجع الاستهلاك النفطي في الصين وارتفاع سعر صرف الدولار مقابل العملات الرئيسية الأخرى, أم إن قراراً سياسياً خلق هذا الهبوط?

الفرق بين الصدمة النفطية والهبوط المتدرج للأسعار هو العنصر الزمني. من دون شك تستطيع روسيا وإيران معالجة الصدمة بإعادة النظر في تقديرات ميزانيتهما للسنة المالية 2015. وهذا ما جرى فعلاً. لكن هذه المعالجة في اقتصاد يعاني أساساً من اختناق حاد لا تتم إلا بإحداث أضرار اقتصادية ومالية واجتماعية جسيمة.

وفي حالة انخفاض السعر إلى خمسين دولاراً مثلاً خلال فترة قصيرة جداً ستضطر الدولتان إلى تقليص مصروفاتها العسكرية الذي سيفضي إلى تقهقر دورهما في المنطقة العربية.

أما الجانب السياسي الآخر فيتمثل في الإجابة على السؤال التالي: هل كان هبوط أسعار النفط في الآونة الأخيرة نتيجة طبيعية للعوامل الاقتصادية وفي مقدمتها تزايد الإنتاج من الصخور والرمال النفطية في الولايات المتحدة وتراجع الاستهلاك النفطي في الصين وارتفاع سعر صرف الدولار مقابل العملات الرئيسية الأخرى؟ أم إن قراراً سياسياً خلق هذا الهبوط وما تلك العوامل الاقتصادية سوى فرصة استغلت لتنفيذ هذا القرار؟

من المعلوم أن الهبوط المرتكز على قرار سياسي يعني أن الأسعار سوف لن ترتفع ما لم تتحقق الأهداف التي اعتمد عليها. أي ستستمر بالانخفاض كيفما كانت العوامل الاقتصادية ولأجل غير مسمى.

عندئذ يتعين تكييف هبوط الأسعار وكأنه ضرب عصفورين بحجر واحد. العصفور الأول هو التأثير على روسيا وإيران بالصورة المذكورة آنفاً.

والعصفور الثاني هو تعويض الدول الصناعية عن نفقاتها المخصصة لتمويل عملياتها العسكرية في سوريا والعراق. علماً بأن مبلغ التعويض يفوق بكثير حجم هذه النفقات.

فإذا كان أعلى تقدير للمصروفات العسكرية لدول التحالف نصف مليار دولار خلال شهر أكتوبر/تشرين الأول المنصرم، فإن المبلغ الذي وفره الاتحاد الأوروبي وحده جراء هبوط أسعار النفط في الشهر المذكور بلغ سبعة مليارات دولار على الأقل. أضف إلى ذلك أن العراق سوف يدفع بصورة أو بأخرى نفقات العمليات على إقليمه لأنها تجري بطلب من حكومته مما يفضي إلى تفاقم الأعباء المالية للبلد الذي يعاني من عجز مالي كبير.

في الواقع تتوقف الإجابة الدقيقة والواضحة على هذا السؤال على ما سيتمخض عنه الاجتماع الوزاري المقبل لأوبك. فإذا قرر المجتمعون تخفيض السقف الكلي لإنتاج المنظمة والتزم الجميع بتطبيق قرارهم فإن ذلك يشير بما لا يقبل الشك إلى بذل الجهود من أجل رفع أسعار الخام. عندئذ يمكن القول إن الدول النفطية غير راغبة في استخدام السوق النفطية لأغراض سياسية وعسكرية بالمعنى المذكور آنفا.

لكن الأمور سوف لن تجري على هذا المنوال استناداً إلى المؤشرات الحالية.

خطورة قرار أوبك القادم
تنتج أوبك 30.7 مليون برميل يومياً في حين تستوجب العودة إلى أسعار الأشهر الماضية أن يكون سقف الإنتاج 29.2 مليون برميل. بمعنى أن زيادة قدرها 1.5 مليون برميل أدت إلى تدني الأسعار. ساهمت غالبية دول المنظمة في هذه الزيادة خاصة السعودية والعراق وليبيا وإيران.

ترى هل لدى الاجتماع المقبل لأوبك الذي سيعقد في 27 من الشهر الجاري نية لتخفيض الإنتاج؟ ومن سيقوم بهذا الدور؟

تشير الممارسات الحالية إلى عدم وجود أية نية من هذا القبيل. كما أن السعودية التي تتولى عادة مهمة التأثير على الأسعار بتقليص إنتاجها أو زيادته، باتت غير مرتاحة لهذا الدور وستتخلى عنه قريباً دفاعاً عن مصالحها. وتصب التصريحات الرسمية الأخيرة في هذا الاتجاه. كما لا تتوقع الأمانة العامة للمنظمة صدور قرار يدعو إلى خفض الإنتاج. وتجدر الإشارة إلى أن أوبك رفضت طلباً مقدماً من فنزويلا في بداية الشهر المنصرم بعقد اجتماع طارئ لمناقشة انهيار الأسعار الذي أثر عليها بشدة.

إن الرفض المتوقع لخفض الإنتاج يعني استمرار الوضع على ما هو عليه، بل قد يرتفع العرض رغم تراجع الطلب.

سيستمر العراقيون بزيادة الإنتاج دون الاكتراث بمستوى الأسعار. وهذه السياسة ضرورية لمواجهة الإنفاق العسكري الناجم عن الصراع المسلح ولتعويض سيطرة الأكراد في الشمال على الإنتاج في مناطقهم والتسويق الخارجي دون مشاركة السلطة المركزية.

إن هبوط أسعار النفط سيفضي على المدى الطويل إلى تدهور الوضع الاقتصادي في إيران وإلى تقويض دورها في المنطقة, لكنه سيؤدي أيضاً إلى تردي المركز المالي للدول العربية النفطية

وفي ليبيا انخفض الإنتاج إلى 0.2 مليون برميل يومياً في النصف الأول من هذه السنة بسبب الصراعات العسكرية. ثم ارتفع في الآونة الأخيرة وسيصل قريباً إلى 1.5 مليون برميل وهو معدل الإنتاج تحت ظل النظام السابق.

أما إيران التي ستطالب الأعضاء الآخرين بتقليص الإنتاج فترى أن العقوبات المفروضة عليها أدت إلى خفض صادراتها النفطية. وبالتالي فهي تسعى إلى زيادة الإنتاج أيضاً خاصة تحت وطأة حالتها الاقتصادية المتردية وتحت تأثير تدخلها العسكري المباشر والعلني لمناصرة حكومتي بغداد ودمشق.

إن زيادة العرض في هذه الدول إضافة إلى دول نفطية أخرى خارج أوبك خاصة روسيا لن تسمح للسعودية بتخفيض إنتاجها الحالي البالغ 9.7 ملايين برميل يوميا, لأن مثل هذا التخفيض يعني خسائر مالية فادحة تتحملها الرياض لصالح الآخرين. لذلك سيرتفع الإنتاج السعودي فتهبط بشدة أسعار النفط. وسوف لن تقود زيادات الإنتاج في إيران وروسيا والدول النفطية الأخرى إلى تحسين عوائدها النفطية.

قد تفسر إيران هذا الهبوط بمثابة حرب على مصالحها الاقتصادية ومكانتها السياسة تشنها السعودية بدعم أميركي. وقد تفسره على أسس اقتصادية قوامها تباطؤ الطلب ورغبة المملكة في الحد من تدهور إيراداتها. لكن النتيجة واحدة في الحالتين، إنها بالدرجة الأولى خدمة للدول الصناعية الكبرى التي وفرت وستوفر أموالاً طائلة والتي تجد في عملياتها العسكرية في العراق وسوريا ترويجاً تجارياً لأسلحتها. وأما إسرائيل فهي المستفيد الأكبر من تراجع أسعار الخام عندما تصاحبه صراعات عسكرية عنيفة ومستمرة في المنطقة العربية.

لاشك أن هبوط أسعار النفط سيفضي على المدى الطويل إلى تدهور الوضع الاقتصادي في إيران وإلى تقويض دورها في المنطقة. لكنه سيؤدي أيضاً إلى تردي المركز المالي للدول العربية النفطية. وسيشمل ذلك دول مجلس التعاون الخليجي دون أن يشكل خطورة كبيرة على حالتها المالية المتسمة بأهمية استثماراتها الخارجية وضخامة احتياطاتها الرسمية.

وفي سوريا أثر هبوط أسعار النفط بشدة على المالية العامة. كما أدت الحرب الأهلية إلى تقليص تحويلات العمال السوريين المقيمين بالخارج وإلى تدهور كلي لإيرادات السياحة الأجنبية. وأمام تردي العلاقات الخارجية باتت الحكومة السورية تعتمد على المساعدات الإيرانية والروسية من جهة، وعلى التمويل بالإصدارات النقدية الجديدة من جهة أخرى. وهذا يفسر ارتفاع معدلات الفقر واستفحال التضخم وتراجع القيمة التعادلية لليرة.

وسيكون العراق الضحية الأولى لأن اقتصاده هو الوحيد في منطقة الشرق الأوسط الذي يعتمد اعتماداً كلياً على العوائد النفطية خاصة في تمويل نفقاته العامة. كما لا يتحمل وضعه الاقتصادي المتردي خسائر مالية باهظة ناجمة عن هبوط مستمر وحاد لأسعار النفط. ثم إن نفقاته العسكرية المرتفعة أساساً نتيجة الحالة الأمنية المتردية شهدت منذ بضعة أشهر تزايداً هائلاً بسبب سيطرة مجموعات مسلحة معارضة على أجزاء مهمة من البلاد. وعلى إثر هبوط أسعار الخام ستنخفض الإيرادات العامة وسوف لن تجد السلطات العامة بداً من تمويل العجز المالي عن طريق سندات الخزينة واللجوء إلى صندوق النقد الدولي فترتفع المديونية العامة. وقد تضطر إلى السحب من الاحتياطات الرسمية فتضعف القدرة المالية للبلد.
 ــــــــــــــ
باحث اقتصادي عراقي

المصدر : الجزيرة