محمد المختار أحمد-سوسة

لو سألت التونسيين عن مدنهم الأكثر جذبا للسياح لأجابوك بأن مدينة سوسة الساحلية تأتي في المرتبة الثانية أو الثالثة، فمن بين ستة ملايين سائح يؤمون تونس سنويا تستحوذ سوسة على مليون منهم على الأقل بفضل شواطئها الدافئة، وفنادقها ذات الخدمة "السريعة والمتميزة"، وفوق ذلك تراثها الأثري الممتد من العهد الفينيقي وحتى العصر الإسلامي بأطواره المختلفة.

أطلق الفينيقيون على مدينة سوسة اسم "حضرموت" ويلقبها التونسيون الآن "جوهرة الساحل"، وما بين الاسمين قرون كثيرة راكمت المدينة على مداها تراثا ثريا تحفل به "المدينة العتيقة"، والسور الروماني المطوق لها، والذي ناف عمره على أكثر من ألفي سنة ظل فيها شاهدا على توالي الحقب وتداول الأيام بين الناس.

في المدينة العتيقة -التي تمتد على نحو ثلاثة كيلومترات- يقف الزائر على ما تختزنه ذاكرة سوسة من أبنية تراثية وأسواق شعبية، وشواهد تاريخية تجسدها جداريات ومقتنيات أروقة متحف سوسة الأثري.

وتروي لك هذه الذاكرة كيف تعايشت المدينة مع الحضارات الفينيقية والرومانية والمسيحية، وصولا إلى الحقبة الإسلامية ماثلة في "الجامع الكبير" و"رباط سوسة" (سور المدينة في نسخته الإسلامية منذ منتصف القرن الثالث الهجري)، كما تشتهر المدينة بصناعة النحاس التقليدية.
شواطئ سوسة تأتي في مقدمة عوامل الجذب السياحي فيها (الجزيرة)

معطيات رسمية
تحتوي سوسة -طبقا لبيانات رسمية زودتنا بها وزارة السياحة فيها- على 103 فنادق من كل الفئات تضم أربعين ألف سرير، وستين مطعما سياحيا، و130 وكالة سفر، إضافة إلى موانئ سياحية أشهرها "شاطئ القنطاوي" شمالي المدينة وترسو فيه 340 باخرة ويختا سياحيا، وغير بعيد عنه "شاطئ بوجعفر" الذي يستقبل عشرات الآلاف من السياح ويستضيف عادة مهرجان "أوسو" الشعبي.

يقضي السياح في سوسة -خلال مواسم السياحة الرئيسية صيفا وشتاء- أربعة ملايين ليلة في المتوسط، ويأتي في مقدمة هؤلاء الإنجليز ثم الألمان والفرنسيون ويقيمون ما بين أسبوع وثلاثة أسابيع.

وفي فصل الشتاء تكون الأغلبية من الدول الإسكندنافية وألمانيا وبريطانيا، حيث يجبر الطقس المفرط في برودته هناك من عنده القدرة المادية على الاحتماء بدفء شواطئ سوسة، وتصل فترة إقامتهم هنا إلى ثلاثة أو أربعة أشهر.

ويصل دخل تونس السنوي من قطاع السياحة إلى 1.5 مليار يورو، وتسهم سياحة سوسة بقسط وافر من هذا الدخل من خلال السياحة الترفيهية والعلاجية والتسويقية وسياحة المؤتمرات التي تنظم في عشر قاعات ضخمة تضم 19 ألف مقعد.

كما أن الموسم السياحي فيها يوفر نحو عشرين ألف فرصة عمل لأبناء المدينة، وهي إضافة إلى السياحة مدينة صناعية وتجارية.

ويشيد رؤوف الصيد (سائق تاكسي) بجمال طقس مدينته وقدرته على جذب السياح من كل أنحاء العالم، مؤكدا أن الموسم السياحي "فرصة دخل ثمينة لا تعوض بالنسبة لأهل المدينة وشبابها العاطلين عن العمل، ولتشغيل مرافقها الخدمية المختلفة المرتبطة بالسياحة في سوسة والمدن المجاورة مثل المنستير وهرغلة".

سمير بن اشريفة: نسبة الإشغال الفندقي تبلغ أحيانا كثيرة 100% (الجزيرة)

الأولى سياحيا
أما سمير بن اشريفة مدير فندق كروان -الذي أنشئ منذ ستين سنة ويضم 240 غرفة- فيؤكد أن سوسة "تحتل المرتبة الأولى تونسيا من حيث استقطاب السياح"، وأن السياحة الترفيهية تمثل نسبة 80% من نشاطها السياحي ثم تأتي سياحة العلاج بمياه البحر والتي تستقطب كثيرا من السياح العرب (أغلبيتهم من الليبيين والجزائريين) والمواطنين التونسيين".

وأضاف أن أول عوامل الجذب السياحي في سوسة "هو جودة شواطئها ونوعية مياهها الدافئة والهادئة والنظيفة، إضافة إلى أن تربة بحرها هي ربما الأفضل في العالم"، لافتا إلى أن نسبة الإشغال الفندقي فيها "تبلغ أحيانا كثيرة 100%"، وأن كثيرا من السياح يصرفون نحو مائتي يورو يوميا على خدمات المقاهي فقط.

وقال بن اشريفة إن الدخل السياحي لمدينة سوسة "زاد هذه السنة وهو يتحسن باطراد، وهناك مواطنون يعيشون خلال السنة على ما يحصلونه من دخل في الموسم السياحي، والسوق المحلي كذلك ينتعش فيه وفي العطلات المدرسية"، مشيرا إلى أن الوضع الأمني "طبيعي وآمن تماما قبل الثورة وبعدها، وعملية فندق رياض النخيل الانتحارية -التي وقعت قبل سنة- كانت معزولة، ولم تؤثر في مستوى جذب السياح".

المصدر : الجزيرة