بكر ياسين اشتية

المناطق الصناعية بين مؤيد ومعارض
قرب الأسواق الإسرائيلية
 سيادة فلسطينية منقوصة

المناطق الصناعية بين مؤيد ومعارض
جدل لم يحسم منذ سنين بين مؤيد ومعارض لفكرة إنشاء مناطق صناعية على الأراضي الفلسطينية الحدودية مع الجانب الإسرائيلي، ويبدو أنه لن يحسم قريبا.

إنتاجية الأرض الزراعية في مرج بن عامر انخفضت بنسبة 75% خلال سنوات ما بعد أوسلو بسبب التوجه الكثيف للعمالة الزراعية لأسواق العمل الإسرائيلي أو وظائف السلطة الفلسطينية

فبين مؤيد لفكرة تلك المناطق كرافعة تنموية، تكرّس القدرة التنافسية للصناعات الفلسطينية، وتخلق عشرات آلاف فرص العمل، وبين متخوف من تكريس تبعية اقتصادية للاحتلال الإسرائيلي وقتل الميزة النسبية التنافسية للصناعات الفلسطينية داخل الأراضي الفلسطينية.

بين هذا وذاك، يتجدد الحديث عن السلام الاقتصادي المزعوم لحالة هي الأكثر جدلا على موائد الحوار، وهي مدينة مرج بن عامر الصناعية الحدودية المشتركة المقترحة في محافظة جنين.

ولا يخفى على أحد الارتباط الاقتصادي العضوي بين الضفة الغربية والاحتلال الإسرائيلي منذ العام 1967، خاصة في سوق العمل.

فالعمالة الفلسطينية -كما وصفها محللون إسرائيليون- تعتبر بمثابة الرئة التي يتنفس بها الاقتصاد الإسرائيلي، وعلى وجه الخصوص، العمالة الفلسطينية الصناعية رخيصة الثمن، التي تمنح الصناعات الإسرائيلية قدرة أعلى على المنافسة السعرية.

ولطالما كانت آلية وصول العامل الفلسطيني لمكان عمله في المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1948 بأقل كلفة اقتصادية وأمنية على الجانب الإسرائيلي، لطالما كانت تشكل الشغل الشاغل للساسة الإسرائيليين، خاصة بعد توقيع اتفاقية أوسلو.

فقد أدرك الجانب الإسرائيلي حينها أن نهاية المطاف سيكون حل الدولتين، الأمر الذي سيزيد من تعقيدات إجراءات وصول العمالة الفلسطينية الرخيصة للمناطق الإسرائيلية، فكانت صرخة شمعون بيرز عام 1995 التي عادة ما نرددها وبلهجتنا العامية: (إذا محمد مش عارف يطلع عالجبل، إحنا بنجيب الجبل لمحمد)، وهي العبارة التي كانت إيذانا لتفاهمات فلسطينية إسرائيلية على إقامة تسع مناطق صناعية حدودية فلسطينية إسرائيلية مشتركة على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة.

وكانت باكورة تلك التفاهمات منطقة بيت حانون (إيريز) الصناعية في قطاع غزة، والتي تمت تسويتها بالأرض من قبل الاحتلال الإسرائيلي خلال انتفاضة الأقصى، والعمل جار حاليا على استملاك أراضي المزارعين في سهل مرج بن عامر في محافظة جنين، إضافة لمنطقة أخرى في الأغوار، وذلك استكمالا لإقامة أولى المناطق الصناعية الحدودية على أراضي الضفة الغربية.

تتلخص محاور الجدل القائم حول منطقة جنين الصناعية بثلاثة محاور رئيسة:

المحور الأول: ويتعلق بمنطقة سهل مرج بن عامر باعتبارها سلة الغذاء الفلسطيني، والمنطقة الأعلى خصوبة للإنتاج الزراعي، وبالتالي قبول أو رفض مبررات إقامة منطقة صناعية على أكثر من ألفي دونم أرض زراعية، بدلا من إقامتها داخل حدود البلديات الفلسطينية.

يقع سهل مرج بن عامر شمال الضفة الغربية، وهو موقع يتسم بانخفاض كلفة التجهيزات الإنشائية فيه للمنطقة الصناعية بسبب طبيعته الجغرافية المستوية، كما أنه قريب من حيث كلفة النقل من مصادر الاستهلاك الصناعي الوسيط (الذي يأتينا بنسبة 90% من خلال الاحتلال الإسرائيلي)، ومن الأسواق المستهدفة، هذا إضافة للتوقعات بخلق آلاف فرص العمل لسكان محافظة جنين التي عانت من التهميش النسبي في سياسات الإنفاق التنموي من قبل مؤسسات السلطة الفلسطينية.

يشار إلى أن إنتاجية الأرض الزراعية في المرج قد انخفضت بنسبة 75% خلال سنوات ما بعد أوسلو بسبب التوجه الكثيف للعمالة الزراعية لأسواق العمل الإسرائيلي أو وظائف السلطة الفلسطينية، أو بسبب وجود استثمارات في قطاعات اقتصادية أخرى، كالخدمات والعقارات والإسكان، أكثر جدوى اقتصاديا من إقامة استثمارات زراعية كبيرة.

ويسوق البعض فكرة أن المنطقة الصناعية ستوفر للمزارعين حولها المياه بأسعار زهيدة، حيث ستقوم على إعادة تكرير المياه العادمة الصناعية للاستفادة منها زراعيا، مما سيشجع بعض المشاريع الزراعية المروية في السهل، حيث يعتمد المزارعون في مرج بن عامر بالدرجة الأولى على الزراعات البعلية.

قرب الأسواق الإسرائيلية
إن الحديث عن منطقة صناعية قريبة من الأسواق الإسرائيلية من حيث مدخلات ومخرجات الإنتاج الصناعي تصطدم مع فلسفة تلك المناطق الصناعية التي من المفترض أن تحتضن صناعات فلسطينية ذات كثافة عالية في نسبة المدخل المحلي وليس الإسرائيلي، وأن تكون موجهة بالمقام الأول لأغراض إحلال الواردات، ولأغراض التصدير، علما أن كلفة نقل المنتجات الفلسطينية للموانئ التي يسيطر عليها الاحتلال الإسرائيلي مرتفعة، لا بسبب البعد الجغرافي، وإنما بسبب التعقيدات الإجرائية الإسرائيلية في هذا المجال.

كما أن خلق فرص العمل ليس مرهونا بالموقع الحدودي على الأراضي الزراعية، فأينما وجدت المناطق الصناعية، فستؤدي نفس الدور المطلوب منها.

أما فكرة انخفاض إنتاجية أراضي المرج وتراجع الإقبال على الاستثمار الزراعي فيه، فهي أدعى لأن تدفعنا لتبني سياسات اقتصادية باتجاه دعم الاستثمارات الزراعية ورفع جدوى إنتاجها، كاستحداث شركات تسويق وتأمين وإقراض زراعي، ورفع حصة وزارة الزراعة في الموازنة العامة التي لا تتعدى بالمتوسط (1%) من مجموع الإنفاق العام.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن استملاك أراضي المرج من أصحابها بتمويل تركي تواجه بمبادرات شعبية تنظم من خلال بعض مؤسسات المجتمع المدني والمزارعين من ملاك الأرض الأصليين، علما أن قانون الزراعة الفلسطيني رقم 11 لسنة 1998 يمنع البناء على الأراضي الزراعية وتدميرها حتى من قبل مالكيها إضافة إلى أن إسرائيل تشترط إقامة منطقة أمنية عازلة بعمق 250 مترا ما بين المنطقة الصناعية وجدار الفصل العنصري، مما سيساهم في هدر المزيد من المساحات الزراعية.

ما هو مدى جدية أي ضمانات إسرائيلية حالية فيما يتعلق بالمناطق الصناعية الحدودية، خصوصا وإن هناك إرثا ثقيلا من الاتفاقيات السياسية والاقتصادية المخترقة من قِبل الجانب الإسرائيلي؟

وبالنسبة للاستفادة من عملية إعادة تدوير المياه العادمة الصناعية للأغراض الزراعية، فلا بد من الانتباه لتجربة منطقة (جيشوري) الصناعية الإسرائيلية المقامة على أراضي محافظة طولكرم بالضفة الغربية، حيث تعتبر المنطقة تجمعا لصناعات كيمياوية إسرائيلية لا تستوفي الشروط البيئية والصحية للعمل في إسرائيل، إضافة لكونها مكبا لنفايات بعض الصناعات الإسرائيلية.

وهنا يبرز سؤالٌ مشروعٌ عن مدى جدية أي ضمانات إسرائيلية حالية فيما يتعلق بهذا الشأن في المناطق الصناعية الحدودية، خصوصا وأننا نملك إرثا ثقيلا من الاتفاقيات السياسية والاقتصادية المخترقة من قِبل الجانب الإسرائيلي.

المحور الثاني: ويطرح قدرة الصناعات الفلسطينية على الصمود أما نظيراتها الإسرائيلية التي ستحصل على ذات الامتيازات والإعفاءات الممنوحة للصناعات الفلسطينية داخل المناطق الصناعية الحدودية. فبعض المدافعين عن الفكرة يرون في الصناعات الفلسطينية منافسا حقيقيا للصناعات الإسرائيلية من خلال تجارب نجاح حقيقية شهدتها بعض الصناعات الفلسطينية، تساق كمبرر ومسوغ للمضي قدما. وبعضهم الآخر يجادل في عدم تمكن المستثمر الإسرائيلي من الاستثمار في منطقة جنين الصناعية في حال اكتمل المشروع، على اعتبارها قائمة على الأراضي الفلسطينية، وتخضع لأنظمة هيئة المدن الصناعية الفلسطينية، وقوانين العمل والاستثمار الفلسطينية.

لكن على صعيد القدرة التنافسية، فللصناعة الفلسطينية ميزة نسبية من حيث المنافسة السعرية بسبب الانخفاض النسبي في أجور العمالة الفلسطينية الصناعية مقارنة بالجانب الإسرائيلي، وبسبب انخفاض هامش الضرائب عليها، إما لتمتعها بقانون تشجيع الاستثمار الفلسطيني الذي يقدم إعفاءات وحوافز أكبر من نظيره الإسرائيلي، أو لقدرتها العالية على التهرب الضريبي، خاصة وأن معظم الصناعات الفلسطينية عائلية وليست شركات مساهمة.

أما الصناعات الإسرائيلية، فتتمتع بميزة نسبية في المنافسة السلعية، أي بجودة المنتَج والمستوى التكنولوجي المرتفع في العملية الإنتاجية. وبحسبة بسيطة، نجد أن التقاء الصناعات الفلسطينية والإسرائيلية على منطقة جغرافية واحدة خاضعة لسياسات ضريبية وجمركية وتشغيلية موحدة، ستُفقد الجانب الفلسطيني الميزة النسبية في المنافسة السعرية، وسيتقدم المنتَج الإسرائيلي بميزته النسبية السلعية. فالرهان على قدرة الصناعة الفلسطينية على المنافسة متوقف على الفصل الجغرافي بين الصناعات الفلسطينية والإسرائيلية.

وأما على صعيد قدرة المستثمر الإسرائيلي على نقل استثماراته لمنطقة جنين الصناعية، فهي نقطة تحتاج منا لقراءة متعمقة في بعض النصوص القانونية ذات الصلة، وهو الأمر الذي يقودنا للمحور الثالث.

 سيادة فلسطينية منقوصة
المحور الثالث: ويتلخص بالشكوك المطروحة حول سيادة فلسطينية منقوصة على تلك المنطقة الواقعة داخل حدود الضفة الغربية، مما يعني بالضرورة مخاوف من سيادة أمنية واقتصادية إسرائيلية من خلال الامتياز الذي منحته السلطة الفلسطينية للشركة التركية المطورة لمنطقة جنين الصناعية، وما يكتنف ذلك الامتياز من شكوك حول بعض بنوده، ومخاوف قد تضر مستقبلا بالصالح الاقتصادي الفلسطيني.

ومن تلك البنود:

1. للشركة المطورة صلاحية كاملة بشأن تأجير الأراضي وغيرها من الممتلكات في المنطقة للمستفيدين.

2. من مهمات الشركة المطورة إقامة علاقات مع الإسرائيليين وغيرهم للترويج للمنطقة الصناعية والمستفيدين منها.

3. تُمنح الشركة المطورة مسؤولية الأمن داخل المنطقة الصناعية بالمطلق، ولا يحق للسلطة الفلسطينية التدخل في صلاحيات الأمن الداخلي للمنطقة، بحيث يحظر على السلطة التدخل في أمنها الداخلي.

4. الشركة المطورة هي من تحدد الجهة الأمنية التي يمكنها العمل معها من الجهات الأمنية الفلسطينية.

5. تَمنح الشركة المطورة أولوية في التشغيل للعمالة الفلسطينية المحلية، شريطة أن تتوافر بهم المهارات المطلوبة.

المزايا الاقتصادية التي ستقدمها المناطق الصناعية الحدودية المشتركة يمكن  الحصول عليها من خلال مناطق صناعية داخلية على أراض خاضعة للولاية الأمنية الفلسطينية (الأراضي المصنفة A)، دونما حاجة لشريك إسرائيلي

6. لا يوجد ما يحظر على الشركات الإسرائيلية توريد البضائع من المنطقة الصناعية أو إليها.

7. أي تغييرات أو تعديلات لهذه الاتفاقية لن يعد ساريا إلا باتفاق خطي بين الطرفين (السلطة الفلسطينية والشركة التركية المطورة)، وبعكس ذلك فإنها تعد ملغاة.

8. الشركة التركية المطورة هي الجهة الوحيدة المخولة بمنح التراخيص بناء على توكيل هيئة المدن الصناعية الفلسطينية لها.

يتضح من البنود السابقة محدودية السيادة الفلسطينية على المنطقة الصناعية القائمة على أراضيها بالنواحي الأمنية والإجرائية والتشغيلية، كما يعني إمكانية مطلقة للشركات الإسرائيلية بالاستفادة استثماريا من المنطقة، سواء بالاستثمار المباشر من خلال حقها باستئجار الأراضي والمنشآت القائمة عليها، أو من حيث قدرتها على توريد مدخلات الإنتاج الصناعي. يضاف إلى ذلك أن بإمكان الشركة المطورة الاستعانة بالعمالة الأجنبية رخيصة الثمن بذريعة عدم توفر المهارات الفنية المطلوبة لدى العمالة الفلسطينية، خاصة أن معظم العمالة في جنين هي عمالة زراعية. هذا إضافة لحق الشركة المطورة الاستعانة بجهات أمنية إسرائيلية تلغي أي سيادة أمنية للسلطة الفلسطينية على المنطقة.

نخلص من كل ما سبق أن كافة المزايا الاقتصادية التي ستقدمها المناطق الصناعية الحدودية المشتركة، يمكننا الحصول عليها من خلال مناطق صناعية داخلية على أراض خاضعة للولاية الأمنية الفلسطينية (الأراضي المصنفة A)، دونما حاجة لشريك إسرائيلي يحولنا من منتجين إلى مجرد عمال لتدوير عجلته الإنتاجية، ودونما حاجة لتدمير سلة الإنتاج الزراعي الفلسطيني. وأن فكرة السلام الاقتصادي المزعوم لا ينبغي أن تبنى على حساب أمننا ومقدراتنا وأرضنا إرضاء للشريك الإسرائيلي.
_______________
رئيس قسم الاقتصاد سابقا ومحاضر حاليا بقسم الاقتصاد في جامعة النجاح الوطنية في نابلس بالضفة الغربية

المصدر : الجزيرة