أشرف رشيد-موسكو

اتفاق الغاز الذي توصلت إليه موسكو وكييف مؤخرا يُراد منه أن يضع حدا لحرب الغاز التي تفاقمت بين الطرفين منذ الصيف الماضي، وأثارت مخاوفَ أوروبية من انعكاسات هذه الأزمة على إمدادات الغاز الروسية التي تمر عبر أوكرانيا.  

فبعد مفاوضات شاقة جرت في برلين ولعبت فيها أوروبا دوراً محورياً، توصلت روسيا وأوكرانيا إلى اتفاق تعهدت موسكو بموجبه باستئناف ضخ كميات من الغاز مقابل تسديد كييف مبلغ 3.1 مليارات دولار حتى نهاية العام، في حين أبدت موسكو استعدادها لإعادة احتساب سعر الغاز ومنح كييف حسما إضافيا بمقدار 100 دولار ليصبح سعر الغاز 385 دولارا للمتر المكعب.

وكانت روسيا قد أوقفت ضخ الغاز لأوكرانيا في يونيو/حزيران الماضي بسبب عدم التزام كييف بمواعيد السداد، واشترطت التحول إلى نظام الدفع المسبق في تعاملاتها معها منعا لتراكم الديون. ودفع الخلاف البلدين للتوجه إلى المحكمة التجارية الدولية في ستوكهولم، شاكيا كلاهما الطرف الآخر.

قضية حساسة
الخبير في العلاقات الروسية الأوكرانية ديمتري بابيتش اعتبر أن تصدير الغاز إلى أوكرانيا من جهة، وتصديره إلى أوروبا عبر الأراضي الأوكرانية من جهة أخرى، يمر بتعقيدات كلما حاولت كييف الربط بين هذين المسارين أو التهديد -في حال قطع الغاز الروسي عنها- بمنع مروره عبر أراضيها إلى أوروبا أو استقطاع كميات منه لتغطية احتياجاتها، مما أثار مخاوف لدى الأوروبيين ولدى روسيا.

وأضاف بابيتش للجزيرة نت أن روسيا -إدراكاً منها لحساسية الأوضاع- تسارع كلما كانت هناك مخاوف من هذا النوع بالتأكيد أن إمدادات الغاز المتجهة إلى أوروبا عبر أوكرانيا تضخ كالمعتاد بحسب الاتفاقات الموقعة, مع تحميل مسؤولية وصولها للسلطات الأوكرانية.

ورقة الغاز
وحول مدى تأثر وصول إمدادات الغاز بالتجاذبات السياسية، قال بابيتش إنه يفترض بملف الغاز أن يكون مستقلا وأن لا يتأثر بالتقلبات السياسية، ولكنه في واقع الحال ليس كذلك، ذلك أنه بطرق مباشرة أو غير مباشرة يتأثر بالتطورات السياسية كالعقوبات الأوروبية المفروضة على روسيا وبالظروف الميدانية الراهنة في شرق أوكرانيا.

عصمانوف: هناك علاقة تكامل ثلاثي بين روسيا وأوروبا وأوكرانيا في موضوع الغاز (الجزيرة نت)

وخلص إلى أن ورقة الغاز الروسي ستبقى من الأوراق المؤثرة في تسوية الأزمة الأوكرانية والخلافات الروسية مع كييف، مما يعني أن حلها يجب أن يكون في سياق حل سياسي متكامل.

ليست نهاية الأزمة
وأما بالنسبة لأوكرانيا فإن مرور الغاز الروسي عبر أراضيها إلى أوروبا يشكل مصدرا مهما من مصادر الدخل للخزينة، أضف إلى ذلك أنها دولة صناعية ومصدّرة للمعدات والتقنية المدنية والعسكرية.

من هنا -يضيف بابيتش- تبدو قضية الغاز حاسمة لها كضرورة اقتصادية بموازاة كونها جزءاً من سبل الحياة اليومية للمنازل والأسر لا سيما مع اقتراب فصل الشتاء, مما يعني أن مرور الغاز الطبيعي الروسي دون انقطاع إلى أوروبا مسألة حيوية للأطراف الثلاثة.

لكن تبقى هناك معوقات كثيرة، فعلى سبيل المثال التشكيلة المتوقعة للبرلمان الأوكراني القادم لن تضم -على الأرجح- ممثلين عن حزب الأقاليم والشيوعيين الذين ينادون بنزع فتيل الأزمة مع روسيا، في حين سيبقى من يصفهم بابيتش بالصقور أصحابَ الكلمة الأخيرة في الحكم في كييف، وبالتالي فإن هذا الاتفاق يُبشّر بشيء من الانفراج، إلا أن الخلافات بين البلدين قد تتجدد لاحقا. 

أما الخبير الاقتصادي في الجامعة الروسية للعلوم الإنسانية فريدون عصمانوف فقد أوضح أن هناك علاقة تكامل ثلاثي بين روسيا وأوروبا وأوكرانيا في موضوع الغاز، ومهما تزايدت التناقضات السياسية يبقى الجميع معنيا بتحييد ملف الغاز عن التقلبات السياسية.

فبالنسبة لروسيا -يضيف عصمانونف- يبقى تصدير الغاز إلى أوروبا من الدعائم الأساسية لاقتصادها، ذلك أن أوروبا هي السوق الأكبر والأهم من حيث العائدات والأقدر على السداد، وبالتالي فهو يحظى بالأولوية بالنسبة لروسيا. أما أوروبا فلا تستطيع التخلي عن الغاز الروسي على المدى القريب والمتوسط، علما بأن الغاز الروسي يلبي نحو 40% من احتياجات السوق الأوروبية.

المصدر : الجزيرة